الطفلة التي وُلدت تحت عاصفة… وتبنّاها عشرة قلوب من حديد

لمحة نيوز

البرد. هرع الطاقم الطبي نحوهم أخذوا الطفلة وأسرعوا بها إلى الداخل. وبعد دقائق عاد الطبيب ليخبرهم بأن الصغيرة بخير وأن جسدها قاوم البرد بفضل الدقائق التي احتضنتها فيها أمها.
لكن الخبر التالي كان أثقل من أن يحتمل.
أخبرهم الطبيب أن المرأة التي وجدوها قد فارقت الحياة قبل وصولهم بدقائق قليلة.
ساد الصمت بينهم. وقف جاك ينظر إلى الأرض طويلا كأنه يحاول أن يتذكر وجهها جيدا قبل أن يذوب مع الثلج. ثم خرج الجميع إلى الطريق ذاته الذي شهد صرختها الأخيرة. اشترى الرجال بأموالهم القليلة زهورا ثم صليبا بسيطا وحجرا نقشت عليه كلمة واحدة إيميلي. ووضعوه في المكان الذي استلقت فيه ثم وقفوا حوله ورحلتهم كلها تشتعل بداخلهم كجمر لا يبرد.
قال جاك بصوت خافت 
هذه المرأة سلمت ابنتها لنا سنفي بوعدنا.
ومن تلك اللحظة لم تعد الطفلة مجرد رضيع عثروا عليه بل أصبحت عهدا يربط قلوبهم قبل أياديهم.
مرت الأيام وبدأ جاك إجراءات التبني ولم يكن الأمر سهلا لرجل يعيش حياة قاسية لكنه لم يتراجع. وحتى رجال المجموعة الذين كانوا يقضون أيامهم بين الطرق والدراجات تغيروا بلا وعي. صاروا يجمعون ما يستطيعون من المال ويشترون الحليب والبطانيات. وعرضت ميا شقتها الصغيرة لتكون مسكنا للطفلة تتناوب العناية بها مع تسعة رجال كانوا يشبهون الجبال
في هيئتهم لكن قلوبهم بدأت تكتسب ليونة غريبة.
سموها هوب كارتر محافظة على اسم أمها وكأنهم بذلك يعيدون صلتها بالعالم الذي خرجت إليه وسط العاصفة.
ومع مرور السنوات كانت الصغيرة تكبر ويتغير معها العالم من حولها. في الرابعة كانت تركض بينهم بخطوات صغيرة فيضحكون كأنهم نسوا كل قسوة عاشوها. وفي السابعة كانت تركب الدراجة الصغيرة التي أعدوها لها محمولة خلف جاك ترتدي خوذة وردية مزينة بمعنى أميرة. وفي العاشرة كانت تعرف أسماء أدواتهم وأسرار محركاتهم وتضحك حين يغضبون من عطب بسيط في إحدى الدراجات ثم تتولى هي بنفسها تنظيف مراياها.
لم يكن أهل المدينة يفهمون كيف لرجال قساة المظهر مملوءة أجسادهم بما يدل على صراع السنين أن يصبحوا آباء لطفلة تفيض شقاوة ودفئا. ولكن الحقيقة كانت بسيطة 
هوب لم تكن ابنتهم فقط كانت خلاصهم.
في أحد الأيام وبينما كانت تنظف غرفة التخزين القديمة في مقرهم عثرت على صندوق صغير يعلوه الغبار. فتحته بفضول الأطفال. وجدت بداخله بطاقة مهترئة مغلفة في بطانية باهتة اللون وعليها عبارة مكتوبة بخط مرتجف 
إلى من يجد طفلتي
شعرت هوب بقشعريرة وهي تفتح الظرف. في الداخل كانت رسالة قصيرة خطتها يد أم ظلت تواجه البرد حتى آخر رمق. كتبت فيها 
إن كنت تقرأ هذا فشكرا لإنقاذك ابنتي. اسمها
هوب. لا أملك أن أقدم لها الكثير لكني أدعو أن يمنحها أحد طيب حياة أفضل. أرجوك أخبرها أني أحببتها وأنها كانت الشيء الوحيد الجميل الذي فعلته في حياتي.
إيميلي كارتر.
تجمدت هوب في مكانها. ثم حملت الرسالة وركضت نحو جاك وميا ودموعها تنحدر بلا توقف.
عمي جاك هل هذه من أمي
ساد الصمت. ثم انحنى جاك وقال بنبرة تحمل صلابة رجل ووجع أب 
نعم يا صغيرة هذه من أمك. كانت شجاعة أكثر مما نظن. ماتت لتحيا أنت.
هل ماتت بسببي
اهتز صوتها.
اقتربت ميا واحتضنتها لصدرها 
بل عاشت لأجلك. وأعطتنا جميعا سببا لنصبح بشرا أفضل.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد هوب مجرد طفلة تربى بل أصبحت قلبا حيا يستيقظ في كل واحد منهم.
كبرت الفتاة وازداد جمالها قوة وهدوءا يشبه أمها. وعندما وصلت إلى الجامعة اختارت دراسة علم الاجتماع لأنها أرادت أن تفهم الوجوه المنكسرة التي تراها على الطرق وتصلح شيئا مما انكسر في العالم. ثم تخصصت في العمل مع الأمهات المشردات وكأنها تعيد لأمها شيئا مما سلبته الحياة.
سماها زملاؤها ملاك الشوارع.
كانت تدخل الأزقة المظلمة بلا خوف تحمل الأطفال وتجلس بجوار النساء المهشمات وتمنحهن من الأمل ما يكفي لينهضن.
وعندما يسألها أحد 
من أين تأتي بكل هذه القوة
كانت تبتسم ابتسامة تشبه بقايا العاصفة وتقول 
لأن
عشرة رجال وجدوني في ليلة مجمدة ولو لم يفعلوا لما كنت هنا لأساعد أحدا.
ومع السنين تغيرت المجموعة نفسها. لم يعودوا مجرد راكبي دراجات. صاروا مؤسسة خيرية تجمع البطانيات والطعام للمشردين وتزور الملاجئ وتصلح البيوت المتهالكة في الشتاء. وحتى مقرهم تغير صارت فيه زاوية للأطفال وأرفف مليئة بالملابس الدافئة وصور لهوب في مراحل عمرها كلها.
وفي كل شتاء حين تهب العاصفة الأولى ترتدي هوب سترتها وتمسك خوذتها البيضاء وتنطلق مع رجالها إلى الطريق الذي بدأت فيه القصة. تقف أمام الصليب الخشبي الصغير تزيل الثلج عنه وتضع وردة بيضاء.
وتهمس 
أمي أعدك أن حياتك لم تذهب هباء.
ثم تعود إلى رجالها الذين يقفون خلفها في صمت يشبه الدعاء محركات دراجاتهم تهدر كأنها قلوب نابضة.
وفي ليلة هادئة وهي في السابعة والعشرين وقفت هوب أمام المرآة ترتب شعرها ترتدي سترتها ثم قالت 
أمي صرت المرأة التي تمنيت أن أكونها.
خرجت لتجد الرجال ينتظرونها كما اعتادوا منذ كان عمرها أياما لا تعد. صافحوها وابتسموا لها وانطلقت الدراجات معا إلى الظلام نحو العمل والإنقاذ نحو الطريق الذي جمعها بأقدار جديدة.
هكذا
في ليلة فقدت فيها أما واحدة 
ربحت عشرة آباء 
ووجدت طريقا لم يقتلها بل صنعها.
ولدت من رحم العاصفة وصارت أميرة طرق قاسية
لكن
قلبها الرحيم كان كافيا لاحتواء العالم.

تم نسخ الرابط