مليونير حزين يزور قبر بناته كل يوم سبت
مليونير حزين يزور قبر بناته كل يوم سبت معتقدا أنهما توفيتا في حادث مأساوي. لكن كل شيء يتغير عندما تأتي فتاة فقيرة وتهمس يا إلهي هؤلاء الفتيات يعشن في شارعي. صدمة تلاحق الفتاة إلى حي منسي حيث تبدأ حقيقة مظلمة بالظهور وما تجده خلف ذلك الباب يحول حزنه إلى بحث يائس عن العدالة والفداء.
غمت شمس صباح السبت مقبرة المدينة في مدريد بضوء ذهبي يتناقض بقسوة مع الحزن الذي يحمله أليخاندرو فارغاس في صدره. كان الرجل يوما من أكثر رجال الأعمال الواعدين في المدينة أما الآن فكان يمشي منحنيا وكأن وزن العالم كله مستقر فوق كتفيه. بين يديه باقة الزنابق البيضاء المعطرة المستوردة والغالية الثمن نفس الزنابق التي كان يحضرها كل سبت منذ عامين كاملين منذ اليوم الذي تحولت فيه حياته إلى خراب دائم.
كانت خطواته تصنع صدى خافتا يتردد بين شواهد القبور بينما يسير في الطريق الذي حفظه عن ظهر قلب. وصل إلى قطاع النبلاء إلى البانثيون الرخامي الإيطالي تحت ظلاله قبرين صغيرين متلاصقين محفورا فوقهما اسما طفلتيه لوسيا وصوفيا ست سنوات فقط.
حياة اختصرت بوحشية. أو هكذا كان يظن.
ركع أليخاندرو أمام الشاهدين كمن يركع أمام ذاكرة العالم كله ووضع الزهور بعناية في الزهرية الزجاجية التي أمر بتثبيتها خصيصا.
أنهى طقوسه ثم جلس على المقعد الحجري المجاور وتنهد تنهيدة طويلة بدت كأنها خارجة من أعماق فقد لا ينتهي.
قال بصوت منخفض مبحوح
مرحبا يا أميراتي. لقد عاد أبي. اليوم أحضرت الزنابق البيضاء تلك التي كانت أمكما تحبها. تذكران عندما كنا نذهب إلى السوق ونطلب من البائع أن يختار لنا واحدة للمنزل كانت أمكما تختار الحمراء دائما أما أنت يا صوفيا فكنت تصرين على الصفراء رغم أن الجميع كانوا يسخرون من لونها
ضحك ضحكة قصيرة مكسورة ثم وضع يديه على وجهه.
مر عامان كاملان ومع ذلك لم يخف الألم. بل ازداد حدة كأنه جرح يفتح نفسه كل يوم من جديد.
كان يشعر أن زيارة القبور كفارته الوحيدة طريقته لحفظ الذكريات حية وللبقاء مرتبطا بحياته السابقة لأن حياته بعد تلك الليلة لم تعد هي نفسها.
قبل المأساة كان أليخاندرو رجلا ناجحا مالكا لشركة كونستروسيون فارغاس شبكة تضم خمسة مخازن كبرى لمواد البناء وتسيطر على المنطقة الجنوبية من مدريد. بدأ رحلته من الصفر يبيع أكياس الإسمنت من مرآب منزله قبل عشرين عاما وتحول بجهده إلى
كان يعيش في قصر في لا موراليخا يملك ثلاث سيارات فاخرة ويحسد على حياته لكن كل ذلك لم يكن يعني شيئا مقارنة بابنتيه. ولدت لوسيا وصوفيا في يوم ممطر من مارس توأمان متطابقان بعيون عسلية وشعر بني مجعد. كانتا نسخة طبق الأصل من بعضهما وكانتا أفضل ما حدث له في حياته.
كان يحبهما إلى حد أرعبه. ضحكتهما كانت موسيقى
لكن زواجه من إيزابيل والدتهما لم يصمد. كانت امرأة جميلة أنيقة ابنة عائلة تقليدية في مدريد لكن الخلافات بينهما كانت تتزايد نقاشات حول الوقت حول المال حول اختلاف رؤيتهما للحياة. كان الطلاق مؤلما لكنه بدا ضروريا.
حافظا على علاقة متحضرة بعد الانفصال. احتفظت إيزابيل بحضانة التوأم بينما أصبح أليخاندرو يراهما أربع مرات في الأسبوع. كان يوصلهما إلى المدرسة ويأخذهما في نزهات ويبذل المستحيل ليحمي الرابط بينه وبينهما.
لكن شيئا غريبا حدث في ذلك الصيف.
فجأة قررت إيزابيل الانتقال من شقتها الراقية في سالامانكا إلى منزل متواضع في فاليكاس أحد الأحياء المهمشة على أطراف مدريد. لم تقدم تفسيرا مقنعا قط. قالت إنها تريد حياة أبسط. قالها صوتها لكن عينيها يومها كان فيهما شيء آخر.
شيء لم يفهمه أبدا.
بعد شهر واحد من الانتقال وقع الحادث.
قيل إن سيارة انحرفت
ومنذ يومها لم يعش بل بقي.
في ذلك الصباح بينما كان يهم بالرحيل من المقبرة شعر بحركة خلفه. التفت فرأى فتاة نحيلة ترتدي ثوبا رماديا رخيصا تقف بعيدا عنه تنظر إلى القبرين بارتباك يشبه الذعر. كانت شاحبة عيناها تبحثان عن شيء ما في الهواء.
تقدم خطوة وقالت بصوت مرتعش
سيدي هل هل هاتان لوسيا وصوفيا فارغاس
ارتبك. نعم هما.
وضعت الفتاة يدها على فمها كمن كسر شيء داخل قلبها. همست
يا إلهي أنا أعرف هاتين الفتاتين إنهما تعيشان في شارعي.
توقف الزمن.
لم يعد يسمع شيئا إلا صوت الدم الذي اندفع في رأسه.
تحدق فيه الفتاة بعينين واسعتين بينما ترتجف الكلمات على شفتيها
أقسم رأيتهما. كل يوم تقريبا. لكنهما تدعيان باسمين آخرين ويعيشان في بيت قديم خلف باب لا يفتحه أحد.
سقطت الزنابق من يده.
سقطت الزنابق من يد أليخاندرو وبدت الأرض وكأنها تميل تحته. لم يفهم ما سمعه أو بالأحرى لم يسمح لقلبه أن يفهم. كيف يمكن لفتاتين دفنتا منذ عامين أن تكونا على قيد الحياة هل الفتاة