مليونير حزين يزور قبر بناته كل يوم سبت

لمحة نيوز

عينيها كان فيهما صدق يصعب تجاهله.
اقترب منها خطوة خطوة كأنه يمشي فوق زجاج مكسور.
ما الذي تقولينه
ابتلعت الفتاة ريقها.
رأيتهما أقسم. الفتاتان اللتان تعيشان في بيت آلروخاس تشبهان الصورة التي على القبرين. نفس الوجه نفس الشعر نفس العيون. لكنهما تبدوان خائفتين دائما.
شهق الهواء في صدره.
آلروخاس كان الاسم غريبا لم يسمع به من قبل.
سألها بصوت حاول أن يحافظ على هدوئه
من أنت وما اسمك
اسمي إيلينا أسكن في حي فيلبريو على أطراف فاليكاس. أنا أعرف سكان الحي كلهم تقريبا. والفتاتان رأيتهما عشرات المرات.
ثم أضافت ببطء
ظننت أنهما مجرد طفلتين من أسرة فقيرة. لكن رؤيتهما هنا على قبر هذا هذا جنون.
كانت السماء صافية لكن صدر أليخاندرو كان عاصفة.
قال لها بنبرة تشبه التوسل
خذيني إلى حيث رأيتهما.
ركبا الحافلة معا. جلست إيلينا جانب النافذة ما تزال تنظر إليه بحذر. كانت فتاة بسيطة في السابعة عشرة تقريبا بملابس قديمة لكنها نظيفة. ابتسامتها خجولة وصوتها متردد لكن عينيها كانتا صادقتين بشكل مؤلم.
أما أليخاندرو فجلس يضغط كفيه معا كمن يخشى أن ينهار.
كل شيء يتحرك حوله بلا معنى.
الناس يتحدثون الأطفال يبكون المحلات تمر على جانبي الطريق لكن في رأسه صدى واحد
بناتي
وصلوا أخيرا إلى أطراف فاليكاس. حي منسي شوارع متشققة مبان قديمة رطبة وجدران متآكلة تفيض بالغرافيتي. بدا المكان كأنه ظل
لمدينة أخرى.
أشارت إيلينا إلى زقاق ضيق
هنا هذا الطريق.
كل خطوة فيه كانت ثقيلة.
كل باب كل نافذة كان يشعر أنها تخفي شيئا عنه.
ثم توقفت إيلينا عند منزل رمادي صغير متصدع الجدران.
وقالت بصوت منخفض
الفتاتان تعيشان هنا. مع رجل عجوز لا أحد يعرف عنه الكثير.
حدق أليخاندرو في الباب.
باب خشبي قديم مطلي بلون أزرق باهت لكن فيه خدوش تشبه الخوف.
تحسس جيبه يشعر بقلبه يطرق ضلوعه كطبلة حرب.
رفع يده ليطرق لكنه تردد.
هل أنت متأكدة
قالت الفتاة تماما. رأيتهما يخرجان كل صباح لإحضار الخبز. لكنهما لا يتحدثان مع أحد وكأنهما خائفتان من العالم.
تنفس بعمق.
ثم طرق الباب.
لم يفتح أحد.
طرق مرة أخرى بقوة.
ثم ثالثة
لا صوت.
هم بأن يصرخ حين سمع حركة خفيفة خلف الباب.
خطوات صغيرة ثم همسا ثم صرير قفل يدار ببطء.
فتح الباب مقدار شق.
ومن خلاله ظهر وجه طفلة صغيرة
عينان عسليتان نفس العيون التي حلم بها كل ليلة منذ عامين.
ارتجف أليخاندرو من قدميه حتى رأسه.
الطفلة ظلت تحدق فيه بخوف وتردد.
قال بصوت متقطع
لوسيا
لم تجبه.
لكن خلفها ظهر وجه آخر نسخة طبق الأصل
صوفيا.
ابتلع أليخاندرو صراخه كأن قلبه قفز من مكانه.
رفع يده إلى فمه ودموعه تنحدر رغما عنه.
همس
بناتي
لكن في اللحظة نفسها انفتح الباب فجأة واندفعت يد قوية تشد الطفلتين إلى الداخل بقوة.
وصاح رجل عجوز بصوت خشن
اذهب من هنا! هذا ليس منزلك!
وقف
العجوز أمامه أطول مما توقع وملامحه قاسية بشكل مريب.
كانت عيونه جامدة كأنها حجر.
قال أليخاندرو وهو يقاتل ارتجاف صوته
من أنت ولماذا هاتان الطفلتان معك
رد الرجل ببرود
ابنتاي.
صرخ أليخاندرو
هذا كذب! هاتان ابنتاي أنا!
لكن الرجل أغلق الباب فجأة بقوة جعلت الجدار القديم يرتج.
ارتد أليخاندرو إلى الخلف مسلوب الأنفاس.
اندفعت إيلينا نحوه
هل رأيتهما هل هما فعلا ابنتاك
هز رأسه بذهول يكاد يسقطه
أعرف ملامحهما لو وضع الكون كله أمامي سأعرفهما.
جلس على الرصيف رأسه بين يديه.
الأسئلة تضربه كالسهام.
كيف نجتا
من دفن إذن في المقبرة
من حرمه منهما عامين كاملين
ولماذا
رفعت إيلينا حاجبيها فجأة كأن فكرة ما خطرت لها
هناك شيء آخر لم أخبرك به.
نظر إليها بارتباك.
ذلك الرجل يسمونه في الحي الحارس. لا يتحدث مع أحد. يأتي رجال غرباء لزيارته ليلا. والناس تقول
ترددت.
تقول إنه يخفي أشياء وأن الفتيات ليستا أول طفلتين يعيشان معه.
شعر أليخاندرو بقشعريرة تسري في أطرافه.
نهض من مكانه بسرعة
يجب أن أخرجهن من هناك الآن.
أمسكت إيلينا بذراعه
لا! لو واجهته وحدك قد يؤذيهن. يجب أن تعرف الحقيقة أولا.
سكت.
كراهيته للرجل تجعل صدره يشتعل لكن من أجل بناته عليه أن يكون حكيما.
قال لها
إيلينا هل تساعدينني
أومأت برأسها دون تردد
حتى آخر الطريق.
وفي تلك اللحظة جاءت امرأة عجوز من آخر الزقاق تهز رأسها وهي
تحدق في باب منزل الحارس.
قالت بصوت منخفض غامض
أخيرا أحدهم اكتشف الأمر.
اقتربت من أليخاندرو وهمست
لو كنت ترغب بمعرفة الحقيقة فعلا فعليك أن تزور المستودع القديم خلف المدرسة المهجورة. الليلة فقط قبل منتصف الليل. هناك تبدأ القصة.
ثم مضت دون أن تلتفت.
تبادل أليخاندرو وإيلينا نظرات متوترة.
قالت الفتاة
مستودع قديم ورجال يأتون ليلا وطفلتان مختطفتان
أجاب أليخاندرو والبرد يجري في عروقه
هذا ليس صدفة.
رفع عينيه نحو السماء وكأنها أصبحت شاهدة على وعد جديد.
همس
بناتي لن أترككن مرة أخرى. هذه المرة سأعيدكن أو أموت.
ثم التفت نحو الزقاق المظلم نحو المستودع الذي ينتظره ونحو السر الذي سيغير حياته إلى الأبد.
حل الليل على فاليكاس كستارة سوداء تخفي أسرارا كثيرة. كان أليخاندرو يقف أمام المستودع القديم خلف المدرسة المهجورة المكان الذي دلته إليه العجوز. الهواء كان باردا والحجارة تحت قدميه تبدو كأنها تخفي صدى خطوات من سبقوه.
إيلينا وقفت خلفه مباشرة تتلفت يمينا ويسارا بخوف لا تخفيه.
هل أنت متأكد همست.
لو كانت الحقيقة خلف هذا الباب فأنا مستعد لها. رد بصوت منخفض.
دفع الباب الصدئ ببطء فصدر صوت صرير طويل شق عتمة المكان. وفي الداخل لم يكن الظلام كاملا. ضوء مصباح وحيد في السقف كان يلمع فوق طاولة خشبية طويلة وعلى الطاولة حاجات صغيرة متناثرة ألعاب دمى ممزقة مشابك شعر رسومات أطفال.

تجمد أليخاندرو.
أحس أنه يرى ذكريات بناته مبعثرة أمامه.
ثم سمعا حركة خفيفة.
من وراء الأعمدة الخرسانية ظهر رجل الحارس
تم نسخ الرابط