لم يستطع أيّ طبيب علاج ابن المليونير — إلى أن تفحّصت المربّية الوسائد…

لمحة نيوز

لم يستطع أي طبيب علاج ابن المليونير إلى أن تفحصت المربية الوسائد
صعدت إلارا خينير السلم الفخم لقصر آل ألكوسير للمرة الأولى تجر خلفها حقيبة صغيرة وقلبا ممتلئا بأمل حذر.
كانت في السادسة والعشرين من عمرها حديثة التخرج في مجال التمريض المتقدم تحمل بين يديها شهادة طالما حلمت بها وتعبت لأجلها قبل أن تحصل أخيرا على أول فرصة عمل حقيقية وظيفة مقدمة الرعاية الشخصية للطفل برونو ألكوسير الابن الوحيد للملياردير الشهير خوليان ألكوسير والذي لم يتجاوز بعد عامه الرابع.
لم يكن القصر الذي وصلت إليه مجرد ملكية واسعة بل كان عالما قائما بذاته قطعة هائلة من الرفاهية المتحفظة ذات حضور طاغ لا يحتاج إلى مبالغة.
ثلاثة طوابق شامخة بطراز كلاسيكي جديد أعمدتها البيضاء تلمع تحت ضوء الشمس وكأنها منحوتة من الرخام. حولها حدائق ممتدة بلا نهاية أشجار مشذبة بدقة لا يجرؤ عليها إلا بستانيون محترفون ومسارات مرصوفة بعناية وساحة نافورة تتلألأ مياهها كقطع زجاجية.
كان المسبح من الضخامة بحيث يصعب الجزم إن كان مسبحا أم بحيرة اصطناعية تحيط به زهور نادرة وروائح ترابية هادئة تمنح المكان جمالا باردا ساكنا.
لكن كل ما شهدته إلارا من فخامة لم يكن غريبا بقدر ما كان غريبا ذلك الصمت.
صمت كثيف صمت يلتصق بالهواء كغبار ناعم لا يرى.
كان يتوقع المرء حياة نابضة داخل بيت كهذا موظفون يتحركون خطوات خفيفة ضحكات طفل مدلل أصوات يومية توحي بأن المكان حي.
لكن بدلا من ذلك لم يكن هناك إلا الهدوء المطبق هدوء يثقل الصدر ويشي بأن هذا المنزل رأى حزنا يكفي لإسكات جدرانه.
قاطعها صوت رجولي حازم بدا وكأنه يتردد داخل أرجاء البهو الواسع المصنوع من الرخام والذهب المعتق
لا بد أنك المربية الجديدة.
استدارت فوجدت رجلا يقف بثبات عسكري بكتفين مستقيمين ونظرة صارمة لا تعرف التهاون.
كان هذا أنسو باروس خادم العائلة لأكثر من عشرين عاما الرجل الذي يعرف تفاصيل هذا القصر كما يعرف كف يده ويحميه بقوانين لا يجرؤ أحد على كسرها.
قال بصوته الخالي من الدفء وكأنه يقرأ أمرا لا يقبل النقاش
أنا أنسو. أفترض أنك قرأت التعليمات وتذكرتها.
أجابت إلارا بثبات خافت
قرأتها سيدي أكثر من مرة.
والحقيقة أن ما وصلها لم يكن دليل عمل بل أشبه بملف خاص بوحدة عزل طبي.
كان برونو يوصف فيه بأنه مريض مرضا شديدا ممنوع من بذل الجهد ويفرض إعطاء أدويته في أوقات دقيقة لا تقبل التأخير.
الزيارات ممنوعة.
الخروج ممنوع.
وما زاد غرابة على كل ذلك قاعدة أخيرة جعلت قلبها ينقبض
يجب الحد من الكلام معه إلى أقل قدر ممكن.
التواصل فقط بما يخدم الرعاية الصحية.
قال أنسو بصرامة أكبر
غرفة برونو في الطابق الثالث الجناح الغربي. التزمي بالتعليمات حرفيا. أي مخالفة بسيطةسيتم رفعها مباشرة للسيد ألكوسير وسينهي عقدك فورا. هنا نحن نقدر

الانضباط والسرية.
اكتفت إلارا بهز رأسها محاولة إخفاء الارتجافة التي أصابت صوتها.
هذا العمل لم يكن مجرد وظيفة لها كان بوابة نحو شيء تحمله منذ سنوات.
فقد درست الرعاية الحرجة للأطفال لسبب لم تنسه يوما
فقدت شقيقها الأصغر وهي في الخامسة عشرة. مرض لم يكتشف إلا بعد أن فات الأوان وحينها أقسمت وهي تبكي أمام سريره الفارغ ألا تسمح لطفل أن يتألم وهي قادرة على إنقاذه.
صعدت الدرج العريض المغطى بسجاد أحمر سميك يمتص الصوت فبدت خطواتها شبه معدومة. كان قلبها يخفق بخوف وبشيء من الترقب.
حين وصلت إلى نهاية الممر الطويل وقفت أمام باب خشبي ثقيل مزين بملصقات أبطال خارقين وصواريخ فضائية تبدو باهتة كأنها عاشت أياما أفضل وربما سنوات لم يقترب منها أحد.
طرقت بخفة.
برونو أنا إلارا جئت لأعتني بك.
لم تحصل على إجابة.
فتحت الباب ببطء والهواء البارد الذي خرج من الغرفة جعلها تحبس أنفاسها.
كانت الغرفة أكبر من شقق كثيرة مزينة بثريات صغيرة وستائر حريرية وأثاث فاخر لكنها فقدت كل بريقها بسبب ما احتوته.
على الجانب الأيسر صف من الأجهزة الطبية أجهزة مراقبة قلب مضخات أدوية أسلاك متشابكة وأنابيب كأنها نقلت وحدة عناية كاملة إلى غرفة طفل.
وفي منتصف السرير الضخم المزين بوسائد كثيرة لدرجة تخفي الجسد الصغير فوقه كان برونو يرقد.
كان نحيلا بشكل يوجع القلب كتفاه البارزتان وجهه الشاحب وعيناه الكبيرتان الهادئتان تشبهان عيون طائر صغير مرهق.
كان شعره البني فوضويا وكأنه استسلم منذ مدة طويلة ليدين لا تسرحه وبشرته باهتة على نحو يقلق أي مختص شحوب يطغى على أغطية سريره البيضاء.
رائحة الغرفة كانت مزيجا بين المطهرات والعزلة.
قالت بصوت منخفض يليق بوجه طفل مريض
مرحبا يا برونو أنا إلارا.
رفع عينيه إليها ببطء بعمق لا يخص طفلا في الرابعة.
لم تكن نظرة خجل أو ارتباك.
كانت نظرة استسلام استسلام بلا مقاومة يشبه نظرة إنسان عاش أكثر مما ينبغي.
اقتربت خطوة محاولة إظهار الهدوء لكن ما لاحظته خلال ثوان قليلة فقط دقائق بالكاد غير كل شيء تعرفه عن عملها الجديد.
وأدركت إلارا أن مرض برونو ليس كما قيل لها إطلاقا.
وأن هذا البيت الثري يخفي سرا أثقل من الصمت الذي يملأهالتالي
صعدت إلارا خينير السلم الكبير في الإقامة للمرة الأولى المؤدي إلى الجزء الرئيسي من البيت تجر خلفها حقيبة صغيرة مدمجة وقلبها ممتلئ بأمل حذر.
في السادسة والعشرين من عمرها خريجة حديثة في التمريض المتقدم كانت قد توظفت لتوها كمقدمة رعاية شخصية للصغير برونو ألكوسير ابن رجل الأعمال المليونير خوليان ألكوسير الملقب ب إل شيل.
كانت الملكية تفوق مجرد كونها مبهرة ثلاثة طوابق من الهندسة الكلاسيكية الجديدة تحيط بها حدائق شاسعة ومعتنى بها بدقة حتى بدت كأنها حديقة نباتية مع مسبح ضخم يمكن بسهولة اعتباره بحيرة اصطناعية.

لكن أكثر ما لفت انتباه إلارا لم يكن الفخامة بل الصمت صمت ثقيل يكاد يكون غير طبيعي. منزل بهذا الحجم وبهذه الإمكانات يفترض أن يعج بالحياة بالحركة بضحكات الأطفال لكن بدلا من ذلك لم يكن هناك سوى صمت كثيف وجو ثقيل بحزن قديم.
لا بد أنها مقدمة الرعاية الجديدة.
ارتد صوت حازم ذو نبرة آمرة في الردهة الرخامية.
كان ذلك أنسو باروس خادم العائلة منذ ما يقارب عشرين عاما رجلا في الخامسة والخمسين تقريبا بهيئة عسكرية لا تشوبها شائبة ونظرة صارمة مسحتها من رأسها حتى قدميها.
قال
أنا أنسو. آمل أنك قرأت وحفظت جميع التعليمات التي أرسلناها إليك.
نعم سيدي قرأتها عدة مرات. أجابت إلارا وهي تسترجع الوثيقة المفصلة التي تلقتها.
كانت التعليمات أقرب إلى بروتوكولات جناح عزل في مستشفى منها إلى بيت. الطفل برونو كان مريضا جدا كما قيل لها وأي مجهود بدني ممنوع منعا باتا. الأدوية يجب أن تعطى بدقة على مستوى الثواني لا الدقائق. لا يسمح له باستقبال الزوار ولا يمكنه تحت أي ظرف مغادرة القصر.
وكانت هناك قاعدة غريبة أخرى تقليص التفاعل اللفظي معه إلى الحد الأدنى الضروري للرعاية فقط.
قال أنسو بدون أدنى دفء في صوته
الصغير برونو في غرفته في الطابق الثالث الجناح الغربي. اتبعي القواعد حرفيا. أي انحراف سيتم إبلاغ السيد ألكوسير به وسينهي عقدك. نحن نقدر التكتم والطاعة هنا. سنحظى بعلاقة عمل مهنية إن فهمت ذلك.
أومأت إلارا برأسها وهي تشعر بعقدة في معدتها.
صعدت السلم العريض المغطى بالسجاد إلى الطابق الثالث وقلبها يخفق في صدرها.
كان هذا أول عمل كبير لها منذ تخرجها. وقد تخصصت في تمريض الأطفال والعناية المركزة لسبب شخصي عميق فقدت أخا أصغر منها عندما كانت مراهقة بسبب مرض تأخر الأطباء كثيرا في تشخيصه. في ذلك اليوم أقسمت ألا تسمح أبدا لطفل أن يتألم أمامها دون أن تفعل كل ما في وسعها.
كان باب غرفة برونو من الخشب الصلب لكنه مزين بملصقات أبطال خارقين وصواريخ فضائية مع أنها بدت باهتة كأنها ملتصقة هناك منذ زمن طويل دون أن يكلف أحد نفسه عناء استبدالها.
طرقت الباب برفق.
برونو أنا إلارا. جئت لأعتني بك.
صمت.
فتحت الباب ببطء فوجدت مشهدا حطم قلبها.
في وسط غرفة ضخمة تليق بفندق فاخر كان هناك سرير كبير بحجم كينغ تحيط به أجهزة طبية تشبه ما تراه في غرفة مستشفى أكثر مما تراه في غرفة طفل. وفي منتصف ذلك السرير يكاد يضيع بين جبل من الوسائد كان يرقد طفل.
كان صغيرا ونحيلا على نحو مؤلم بالنسبة لطفل في الرابعة من عمره. كان لبرونو شعر بني فوضوي وعينان خضراوان هائلتان وبشرة شاحبة شحوبا حادا يبرز أكثر أمام نقاء أغطية القطن المصري.
كان هواء الغرفة يحمل رائحة مزيج من المطهر والحبس.
قالت بهدوء
مرحبا برونو أنا إلارا.
نظر إليها الصبي بنظرة من عدم الثقة فاجأتها. لم تكن خجل
طفل عادي بل استسلام شخص بالغ.
هل سترحلين أنت أيضا
كان السؤال ببساطته وحدته مشبعا بحزن عميق جعل إلارا تبتلع ريقها بصعوبة كي لا تبكي.
قالت
ولماذا أرحل
كل العمات يرحلن. أبي يقول إن السبب أنني مريض جدا.
اقتربت إلارا منه ببطء كمن يقترب من حيوان خائف وجلست على طرف السرير مع الحفاظ على مسافة ما.
حسنا أنا عنيدة جدا. ولن أرحل بهذه السهولة. ثم إنني أريد أن أعرف ما هو مرضك.
من دون أن يتحرك من عشه المصنوع من الوسائد أشار برونو إلى طاولة جانبية صغيرة من الفولاذ غير القابل للصدأ.
أمراض كثيرة أتناول الدواء طوال اليوم.
نهضت إلارا وتوجهت نحو الطاولة فتجمدت في مكانها.
كان الأمر أشبه بصيدلية كاملة. أحصت ما لا يقل عن عشرين زجاجة مضادات حيوية واسعة الطيف مضادات التهاب قوية جرعات عالية جدا من الفيتامينات كل أنواع المكملات شراب سعال قطرات مزيلة للاحتقان لزقات إلخ.
سألت وهي تلتقط إحدى الزجاجات
منذ متى وأنت مريض
حاول برونو أن يعد بأصابعه لكنه استسلم.
دائما. أمي ماتت عندما ولدت. أبي يقول إنه بسبب أنني مرضت وأنا في بطنها.
مرة أخرى فكرت إلارا طفل يحمل ذنبا لا يخصه.
قالت برقة تناقض برودة الغرفة
ليست ذنبك ذهاب أمك إلى السماء. أحيانا يكون الكبار حزينين جدا فلا يعرفون كيف يشرحون الأشياء كما يجب.
هل تعرفين أبي سأل الطفل.
ليس بعد لكنني أريد جدا أن ألتقي به.
انكمش برونو أكثر وسط الوسائد. عندها لاحظتهم إلارا كانوا ثمانية أو تسعة على الأقل ضخاما ناصعة البياض على نحو مثالي.
سألته بفضول مهني
لماذا كل هذه الوسائد
الدكتور راميرو يقول إنني بحاجة إليها وأن علي أن أبقى مستلقيا طوال الوقت. الوسائد تساعدني على التنفس.
عقدت إلارا حاجبيها. لا يجب أن يطلب من طفل في الرابعة أن يبقى مستلقيا طوال الوقت إلا إن كان في حالة حرجة. ومع أنه كان شاحبا إلا أن تنفسه في حالة الراحة بدا طبيعيا.
سألت
هل يؤلمك صدرك عندما تتنفس
أحيانا خصوصا في الليل. وأنا متعب. أما المشي فلا أستطيع المشي كثيرا. أتعب بسرعة.
راقبته إلارا بعين سريرية فالطفل واضح الضعف غير أن هناك شيئا لا يستقيم. لديها خبرة في وحدة العناية المركزة للأطفال في المستشفى الإقليمي رأت حالات تليف كيسي وعيوبا قلبية خلقية شديدة وسرطانات دم لكن برونو لم يكن يظهر علامات سريرية واضحة لأي مرض محدد يمكنها التعرف عليه فورا.
قالت
برونو متى كانت آخر مرة لعبت فيها في الحديقة
تألقت عينا الطفل لحظة ثم انطفأتا من جديد.
الحديقة لا أستطيع الذهاب إلى الحديقة. هذا خطير خطير. الدكتور راميرو يقول إنني قد أمرض أكثر.
كانت إلارا تزداد حيرة فعزل طفل بهذه الطريقة ليس بروتوكولا طبيا معتادا حتى في حالات ضعف المناعة الشديد فهناك دائما مساحة للبحث عن توازن.
قالت
ما رأيك أن نقرأ قصة لدي في حقيبتي كتاب عن تنين لا
يريد أن ينفث النار.
اتسعت عينا برونو دهشة.
حقا ولن يؤذيني
بالطبع لا يا برونو. قراءة القصص تعالج الملل وهو مرض
تم نسخ الرابط