من أجل اخيها
المحتويات
خارج ورطته.
رفعت رأسها فجأة وقد تعلقت أنفاسها بلمعة رجاء
ستفي بوعدك
أجاب دون أن يرمش
أنا لا أكذب يا لورا. ولا أحتاج إلى ذلك.
ثم أردف بنبرة كانت أشبه بطعنة
وكان بإمكاني سحق أخيك بسهولة لكنني فضلت الطريقة التي تؤلمك أنت أكثر.
تجمدت في مكانها.
لم تستطع الدفاع عن نفسها ولا حتى الاعتراض. كانت كلماته أقسى مما توقعته.
لماذا
سألت رغم يقينها أنه لن يجيب بجواب يشفي خوفها.
أجاب ببرود مرعب
لأن البشر لا يفهمون إلا الخسارة.
قدم إليها العقد وقلما.
وقعي.
اهتزت يدها ثم ترددت
هل ستؤذيني
لم يرفع عينيه وهو يجيب
هذا يعتمد عليك.
جف حلقها تماما.
لكنه كان كلاما كافيا ليجعل الخوف يسري فيها كالثلج.
ورغم ذلك أمسكت القلم.
وقعت.
وحين أنهت التوقيع سحب العقد منها ببطء محسوب ووضع توقيعه بخط ثابت لا يحمل ارتجافا ولا ترددا.
طوى الملف وقال
من هذه اللحظة أنت زوجتي.
جملة واحدة ولكنها قلبت عالمها بأكمله.
نهض من كرسيه وأشار إلى كبير الخدم الذي دخل بمجرد الإيماءة.
اصطحب السيدة لورا إلى الجناح الشرقي.
ثم توقف وعاد ينظر إليها نظرة ثابتة محكمة
لا تحاولي المغادرة. الحراس لن يسمحوا وأنا أيضا.
غادرت خلف كبير الخدم عبر ممر طويل يشبه أروقة المتاحف القديمة. الحجارة الصامتة الظلال الثقيلة والهدوء الذي يسبق العاصفة كلها جعلتها تشعر بأنها تدخل مكانا لا يسمح فيه بارتكاب الأخطاء.
فتح لها
غرفة كبيرة بأثاث داكن وستائر سميكة وسرير واسع يعلوه ستار حريري.
قال كبير الخدم
السيد سيأتي لاحقا. هل تحتاجين شيئا
هزت رأسها
لا شكرا.
تركها وغادر.
بمجرد أن أغلق الباب أسندت ظهرها إليه وانزلقت إلى الأرض ببطء.
شعرت بأن المكان أكبر من قدرتها على الاحتمال.
دموعها انسكبت أخيرا بلا مقاومة.
لكنها مسحت وجهها سريعا.
ليس لديها رفاهية الانهيار.
هي هنا لأجل أخيها لا لأجل نفسها.
اقتربت من النافذة ورأت الحديقة شبه مظلمة والحراس ينتشرون مثل أطياف صامتة.
حتى محاولة الهرب محرمة.
وبينما كانت تتأمل الظلام فتح باب الجناح ببطء.
التفتت.
دخل أليخاندرو بخطوات هادئة متزنة كأن وجوده يحمل سلطة تتقدم غرفته قبل أن يصل هو إليها.
كان ينزع ساعته ويفك أزرار ياقة معطفه دون أن يمنحها سوى نظرة عابرة.
هل الغرفة مناسبة
لم تستطع الرد.
اقترب خطوة.
ثم أخرى.
فقال بنبرة تحمل أمرا لا سؤالا
أجبتك. هل الغرفة مناسبة
قالت بصوت مبحوح
نعم.
وقف أمامها قريبا منها حد أنها لم تعد قادرة على الابتعاد دون أن تلمسه.
نظر إليها طويلا نظرة لا رحمة بل شيئا آخر شيئا لا يفهم بسهولة.
لن أكرر ما قلته سابقا.
قال بصوت منخفض.
أنت هنا باتفاق وأنا لا أخل بالاتفاقات.
رفعت رأسها بصعوبة
وماذا تتوقع مني الليلة
اقترب أكثر وقال بوضوح جلي
توقعاتي ليست مهمة.
ثم أكمل
لكن نيتك
تراجعت خطوة لكنه أمسك بمعصمها بطريقة تخبرها أن هذا الرجل لا يعرف التراجع.
الخوف لن يفيدك.
قالها بلا مشاعر.
نظرت إليه بدموع محبوسة لكنه بقي كما هو
جامدا قاسيا لا يبدو أنه يمتلك قلبا ضعيفا أو نبضة رحمة.
أفلت يدها واتجه إلى الطاولة ليضع معطفه.
أما هي فظلت واقفة متوترة عاجزة عن فهم ما ينتظرها.
لكنها كانت تدرك شيئا واحدا
هذه الليلة لن تكون ليلة عابرة.
ستكون بداية لشيء يتجاوز ما وقع عليه في العقد.
خرجت لورا من الجناح بخطوات شبه راكضة كأن الجدران تضيق عليها كلما ابتعدت عنه.
لم تلتفت خلفها ولم تفكر في شيء سوى أنها تريد مغادرة هذا المكان الآن وبأي ثمن.
وحين وصلت إلى البوابة الحديدية شعرت بأن هواء العالم كله اندفع إلى صدرها دفعة واحدة.
كانت الليلة قد انتهت.
والعقد انتهى.
وهي انتهى شيء بداخلها لا تعرف كيف تسميه.
ركبت السيارة المرسلة لإعادتها إلى منزلها وظلت طوال الطريق تحدق في الظلام دون أن تراه.
وكررت في داخلها جملة واحدة
لن أعود إلى هذا القصر ما حييت.
مر شهر كامل
ثلاثون يوما انقضت كأن الزمن يسير على جرح مفتوح.
لورا
حاولت بكل ما تملك أن تعود إلى حياتها القديمة
عملها دراستها رعاية أخيها متابعة يومها بتفاصيله الصغيرة.
لكن في الليل كلما أغمضت عينيها عادت تلك الليلة عادت نظراته صوته صلابته تناقضه
عادت لتقض مضجعها.
كانت
وتكره أنها لا تستطيع منعه.
كانت تقنع نفسها كل يوم بأنه لم يكن يعني شيئا وأنه نسيها فور خروجها.
شهر كامل مر دون أن يتصل
دون أن يرسل كلمة
دون أن يسأل حتى عن أخيها الذي خاطر لأجله.
بدأت لورا تصدق أنها صفحة طويت في حياته.
وربما كان هذا الأفضل
لكن قلبها لم ينصت لصوت العقل.
أليخاندرو
كان يعيش صراعا لا يشبه أي صراع واجهه سابقا.
حاول أن يدفن تلك الليلة تحت ثقل عمله اجتماعاته صفقاته سفره المتواصل.
لكنها كانت تظهر في ذهنه فجأة بوجه مرتبك بنظرة خائفة ثم شجاعة.
لا شيء أزعجه بقدر أن امرأة واحدة خلخلت اتزانه المعروف.
في اليوم العاشر فتح خزانة أوراقه ومرر أصابعه على الملف الذي يحمل اسمها.
في اليوم العشرين أعاد قراءة العقد عدة مرات بلا سبب واضح.
وفي اليوم الثلاثين وقف طويلا أمام رقم هاتفها
ثم تركه دون أن يتصل.
كان غاضبا من نفسه
مستاء من ضعفه الجديد
ومتوترا من إحساس لم يعرفه في حياته.
ثم جاء اليوم الذي لم يتوقعه أحد
كانت لورا في منزلها الصغير تعد العشاء. أغلقت الموقد وغسلت يديها من آثار الزيت وما إن همت بتجفيفهما حتى رن جرس الباب.
توقفت.
لم تكن تنتظر أحدا.
مسحت يديها بمنشفة وتقدمت بخطوات حذرة نحو الباب. فتحته فتجمد الدم في عروقها.
كان واقفا أمامها.
أليخاندرو رويس بملابسه الداكنة ونظراته العميقة ووجه بدا مرهقا ومختلفا.
لم يقل مرحبا.
لم يعتذر.
لم يقدم أي سبب.
فقط حدق فيها طويلا ثم قال بصوت منخفض أثقلته الحقيقة
كنت أظن أنني قادر على نسيانك لكنني لم أستطع.
ارتجف قلبها
متابعة القراءة