كانت مجرّد خادمة بسيطة لكن حين رأت التوأم يبكيان كلّ ليلة

لمحة نيوز

كانت هذه العائلة تعيش قبل ولادة التوأمين.
ترددت كارمن قليلا لكنها وافقت.
بدأتا الجولة.
كان المنزل واسعا بدرجة مربكة غرفة معيشة غرفة طعام مكتبة مكتب مطبخ فاخر منطقة ترفيه كل شيء مرتب بعناية متقنة لكنه يحمل برودة البيوت التي لا يعيش فيها أحد حقا.
سألت هيلينا
أين كنتم تتناولون الطعام حين كانت السيدة إيزابيلا حية
أجابت كارمن
في غرفة الطعام دائما. كانت تصر على أن تكون الوجبات أوقاتا عائلية.
قالت هيلينا
وماذا عن الآن
أجابتها كارمن بحزن
السينيور ماركوس يتناول طعامه في المكتب إن تناول شيئا أصلا. أغلب يومه يكتفي بالقهوة.
دخلت هيلينا غرفة الطعام. كانت الطاولة الضخمة المصنوعة من الماهوغني والمخصصة لاثني عشر شخصا مرتبة بعناية كأن أحدا لم يجلس حولها منذ زمن بعيد.
لكن على البوفيه الخشبي كانت هناك دوائر باهتة على السطح.
سألت وهي تمرر إصبعها على العلامات
ما الذي كان موضوعا هنا
خفضت كارمن رأسها وقالت
صور العائلة السينيور ماركوس أمر بحفظها جميعا بعد ولادة التوأمين.
سألت هيلينا
وأين حفظت
قالت كارمن
في غرفة السيدة إيزابيلا أقفل الباب ومنع أي أحد من الدخول.
شعرت هيلينا بانقباض في صدرها.
لم يكتف ماركوس بإخفاء كل ما يذكره بزوجته بل فعل ذلك بعد إحضار التوأمين من المستشفى مباشرة.
سألتها
ومتى حدث ذلك
أجابت كارمن
في الأسبوع الأول بعد عودتهما من المستشفى.
صعدت هيلينا مجددا إلى الطابق الثاني لكن هذه المرة انتبهت لتفاصيل لم تلحظها سابقا
كانت على جدران الممر مستطيلات بلون أفتح آثار صور أزيلت من أماكنها.
وفي نهاية الممر باب يحمل قفلا مختلفا عن بقية الأبواب.
قالت
هذه غرفة السيدة إيزابيلا أليس كذلك
ردت كارمن
كانت غرفة الزوجين الرئيسية وهي مغلقة منذ ثمانية أشهر.
اقتربت هيلينا من الباب وألصقت أذنها به.
لم تسمع شيئا صمت كثيف كأن الغرفة نفسها قد ماتت.
لكن أكثر ما شد انتباهها كان موقعها ملاصقة تماما لجدار غرفة التوأمين.
سألت بهدوء
كارمن هل يمكنني أن أسألك
سؤالا شخصيا
توترت المدبرة
يتوقف على السؤال.
قالت هيلينا
كيف ماتت السيدة إيزابيلا
أجابت بحزن
مضاعفات في الولادة القيصرية فقدت الكثير من الدم ولم يتمكنوا من إنقاذها.
سألت
وهل كان السينيور ماركوس حاضرا
قالت
نعم كان في غرفة العمليات حين رحلت. خرج محطما تماما.
عادت هيلينا إلى غرفة التوأمين. كان بكاؤهما لا يزال يمزق الهدوء.
هذه المرة دخلت وتقدمت نحوهما. كانا منهكين ومع ذلك عاجزين عن التوقف.
همست
أنتما تشعران أليس كذلك تعرفان أن شخصا مهما جدا كان يجب أن يكون هنا لكنه ليس موجودا.
وكأنهما فهما ارتفع بكاؤهما أكثر.
لاحظت هيلينا أمرا لم تنتبه له أي مربية من قبل
لم يكونا يبكيان وهما ينظران في كل اتجاه بل دائما نحو الجدار الذي يفصلهم عن غرفة أمهم المغلقة.
نادت
كارمن تعالي.
دخلت المدبرة مترددة.
قالت لها هيلينا
راقبي إلى أين ينظران أثناء البكاء.
نظرت كارمن فرأت بيدرو يوجه وجهه نحو الجدار الأيمن وباولو يفعل الشيء نفسه.
كأنهما يناديان أحدا خلف الجدار.
تمتمت كارمن
يا إلهي إنهما ينظران إلى غرفة أمهما.
قالت هيلينا
بالضبط. وأراهن أنهما يفعلان ذلك منذ ولادتهما.
اعترضت كارمن
لكن هذا مستحيل الأطفال لا يعرفون أين يكون الناس ولا أين يكونون هم أنفسهم.
أجابت هيلينا
لا يعرفون أين هم لكنهم يعرفون حيث ينبغي أن يكونوا.
في تلك اللحظة فتح الباب بعنف.
دخل ماركوس كالإعصار شعره مبعثر وملامحه متشنجة بالغضب.
صرخ
ماذا تفعلان هنا! لماذا لا تهتمان بما وظفتما من أجله!
قالت هيلينا بهدوء ثابت
سينيور ماركوس أحاول فقط أن أفهم سبب بكاء طفليك.
قال بحدة
قلت لك أمس لا توجد تفسيرات. هما فقط يبكيان!
ردت
هناك تفسير وأنت تعرفه.
تجمد مكانه.
ماذا قلت
قالت
طفلاك يناديان أمهما ويعرفان أنك تلومهما على موتها.
ساد صمت ثقيل.
حتى الطفلان توقفا للحظات كأنهما يشعران بأن شيئا حاسما قيل للتو.
شحب وجه ماركوس وارتجفت يداه من الغضب.
قال بصوت منخفض مهدد
أنت لا تعرفين ما تتحدثين عنه.
قالت
بهدوء
بل أعرف. أنت أزلت كل ذكريات زوجتك من المنزل وانتقلت إلى أبعد غرفة عن أولادك وتتجنب لمسهم لأنهم يذكرونك بالخسارة.
صرخ
اصمتي! ليس من حقك الحديث عن عائلتي!
سألت بثبات
وأطفالك أليسوا جزءا من عائلتك
كانت كلماتها كرصاصة.
نظر إلى الطفلين اللذين عادا للبكاء ثم إلى هيلينا التي لم ترهبها ثورته.
قال بصوت متكسر
لقد قتلا زوجتي كانت إيزابيلا بخير حتى قررت الإنجاب. لو لم تحمل لكانت ما زالت حية.
شهقت كارمن وقد وضعت يدها على فمها.
لم تسمعه يوما يتحدث بهذه الصراحة ولا يعترف بما ينهشه من الداخل منذ ثمانية أشهر.
قالت هيلينا بلطف
سينيور ماركوس هل تسمح لي بأن أخبرك شيئا عن نفسي
قال بجفاء
لا أريد أن أسمع شيئا.
تابعت رغم ذلك
حين ولد أخي تعرضت أمي لمضاعفات وماتت بعد ثلاثة أيام. كنت في الثامنة عشرة وكنت أظن أنه قتلها. ألقيت عليه اللوم وكرهته بمرارة. وكنت أقسو عليه رغم أنه طفل لا يفهم شيئا حتى مات أبي في حادث. وقتها فقط أدركت أن أخي لم يقتل أحدا وأنه مجرد ثمرة حب بين والدي.
جلس ماركوس على المقعد كأن ساقيه لم تعدا قادرتين على حمله.
قال بصوت متهدج
لكن إيزابيلا ماتت بسببهما
ردت هيلينا
إيزابيلا ماتت لتمنحهما الحياة ولو أتيح لها الاختيار مرة أخرى لاختارت الشيء نفسه. أنت لا تعرف ذلك.
قال بحرقة
وأنت لم تعرفيها.
ابتسمت هيلينا بحزن
صحيح لكنني أعرف الأمهات. والأم لا تلوم أبناءها على موتها بل تطلب من الأب أن يحبهم نيابة عنها.
كان التوأمان لا يزالان يبكيان لكن بكاءهما تغير لم يعد عويلا يائسا بل أشبه بنداء واستغاثة لمن يحتاجانه بشدة الأب.
قالت هيلينا
سينيور ماركوس متى كانت آخر مرة حملت فيها طفليك
قال مرتبكا
لا لا أذكر.
قالت
لا تذكر أم أنك لم تفعل قط
أغمض عينيه واعترف
لم أستطع أبدا كلما نظرت إليهما رأيت إيزابيلا تموت على طاولة العمليات.
قالت بهدوء
وهما يشعران بذلك لهذا يبكيان كثيرا. يعرفان أنه من المفترض أن يحبا لكنهما لا يجدان إلا الرفض.
تحدثت كارمن
أخيرا بعد صمت طويل
سينيور ماركوس السيدة إيزابيلا كانت دائما تقول إنها تريد أن يكبر أبناؤها وسط حب كبير.
سأل بصوت مخنوق
كانت تقول ذلك
قالت
نعم. في الأشهر الأخيرة من الحمل لم تكن تتحدث إلا عن كيف ستربي الصغيرين بحنان.
اقتربت هيلينا منه ببطء
هل تجرب فقط لبضع دقائق
سأل بحذر
أجرب ماذا
قالت
أن تحمل أحد طفليك بين ذراعيك.
نظر إلى السريرين كأنهما قنبلتان على وشك الانفجار.
قال
لا أستطيع.
قالت
تستطيع وهما بحاجة إلى ذلك.
ذهبت إلى سرير بيدرو ورفعته بحنان. ظل الطفل يبكي لكنه هدأ قليلا عند لمسها. اقتربت من ماركوس ومدت الطفل نحوه
دقيقة واحدة فقط.
بيدين مرتجفتين أخذ ماركوس ابنه. كان بيدرو أصغر مما تخيل أضعف وأكثر حقيقة. وفي اللحظة التي شعر فيها بدفء أبيه توقف عن البكاء تماما.
خيم على الغرفة صمت مهيب. للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر يتوقف أحد التوأمين عن البكاء وهو قريب من أبيه. وبمجرد أن رأى باولو أخاه هادئا خف بكاؤه هو الآخر.
همس ماركوس مذهولا
يا إلهي لقد توقف.
قالت هيلينا
لأنه حصل أخيرا على ما يريده منذ البداية حب أبيه.
نظر ماركوس إلى بيدرو الذي كان يتأمله بفضول كأنه يراه لأول مرة وربما كان ذلك حقيقيا.
تمتم
أنا أب سيئ.
قالت
لست سيئا أنت فقط أب خائف من أن يحب ويخسر مرة أخرى.
سأل بصوت مكسور
وماذا لو لم أستطع ماذا لو جلبت لهم المزيد من الألم
ابتسمت لأول مرة منذ وصولها
حينها سأعلمك لهذا أنا هنا.
في الخارج بدأ المطر يهطل كأن السماء تغسل سنوات من الألم المتراكم. ولأول مرة منذ ثمانية أشهر عرف بيت عائلة سيلفيرا دقائق من السلام. لكن هيلينا كانت تعلم أن هذا مجرد بداية وأن أكثر الحقائق إيلاما لم يكشف بعد.
لم يدم ذلك الهدوء سوى خمس دقائق. كان بيدرو ساكنا بين يدي أبيه وباولو يراقب من سريره والبيت يعيش صمتا لم يعرفه منذ شهور. لكن حين حاول ماركوس أن يعيد الطفل إلى هيلينا ارتجفت يداه بشدة.
قال وهو يمد بيدرو بسرعة
لا أستطيع لا أقدر أن أنظر إليه دون أن
أرى إيزابيلا وهي تموت.
حملت هيلينا الطفل مجددا فعاد للبكاء فورا كأنه أحس أنه فقد فرصة الاتصال بأبيه.
قالت برفق
سينيور ماركوس ما الذي حصل بالتحديد يوم ولد الصغيران
قال بعصبية
تم نسخ الرابط