كانت مجرّد خادمة بسيطة لكن حين رأت التوأم يبكيان كلّ ليلة
لم تلمك أبدا. قالت لي إن الشيء الوحيد الذي يحزنها هو احتمال أن تلوم نفسك طوال حياتك.
اقتربت هيلينا منه
أطفالك لم يقتلوا زوجتك يا سينيور ماركوس. إنهم آخر هدية تركتها لك.
نظر ماركوس حول الغرفة وللمرة الأولى لم ير فيها قبرا للذكريات المؤلمة بل مكانا مملوءا بالحياة.
قال أخيرا
أريد أن أحاول.
سألته هيلينا
أن تحاول ماذا
قال
أن أكون الأب الذي أرادت إيزابيلا أن أكونه.
ابتسمت هيلينا من خلال دموعها
فلنبدأ من الآن.
خرجوا من الغرفة وتركوا بابها مفتوحا للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر. وعندما وصلوا إلى غرفة التوأمين وجدوا بيدرو وباولو نائمين بهدوء وللمرة الأولى منذ ولادتهما لم يكونا يبكيان.
كانت الساعة الثالثة صباحا. وللمرة الأولى منذ ثمانية أشهر لم توقظه صرخات التوأمين. كان الصمت عميقا إلى درجة أنه استيقظ وحده مذعورا ظانا أن مكروها قد حدث. نهض بسرعة وركض إلى غرفة الطفلين وقلبه يخفق بقوة.
وجد بيدرو وباولو نائمين بهدوء في سريريهما يتنفسان بانتظام وعلى وجهيهما تعابير سلام لم يرها من قبل.
للمرة الأولى يشبهان أطفالا طبيعيين لا ضحايا لشيء لا يستطيعون التعبير عنه.
كانت هيلينا مستغرقة في النوم على كرسي بجوار السريرين. أمضت الليل كله هناك تراقب لتتأكد أن الطفلين حقا في سلام.
وقف ماركوس عند الباب يراقب المشهد مشهدا لم يكن يتخيل أنه ممكن.
استيقظت هيلينا على وقع خطواته
سينيور ماركوس
قال هامسا قلقا
هل هما بخير
ابتسمت
بخير ناما طوال الليل. لم يصدرا حتى أنة واحدة.
اقترب ماركوس من السريرين ببطء كأنه يزور عالما جديدا. كان بيدرو ينام ويده الصغيرة قرب فمه بينما باولو نام على بطنه ووجهه الوردي على الوسادة.
قال مذهولا
يبدوان مختلفين
قالت
هما لم يتغيرا أنت الذي تغيرت. أمس حين قرأت رسالة إيزابيلا حدث شيء بداخلك. وقد شعروا به.
قال مترددا
الأطفال لا يشعرون بتلك الأشياء أليس كذلك
قالت
بل يشعرون. وخصوصا عندما يتعلق الأمر بوالديهم. لقد عاشوا ثمانية أشهر وهم يشعرون بذنبك وغضبك ورفضك. أمس وللمرة الأولى شعروا بالحب.
بقي ماركوس صامتا يراقبهما. كان يعرف في داخله أن شيئا تغير فعلا.
قال بصوت خافت
هيلينا
بالطبع.
لماذا تهتمين كثيرا أنت لا تعرفينني ولا تعرفين عائلتي لماذا تفعلين كل هذا
ابتسمت بحزن
لأنني أعرف ماذا يعني أن تكبرين بلا حب الأب.
تسمر مكانه.
ألم يحبك والدك
كان يحبني لكنه كان غارقا في ألمه بعد موت أمي. قضى عامين يلومني على ما حدث عامين شعرت فيهما أنني لا أستحق الوجود.
شعر ماركوس بانقباض في صدره.
وماذا حدث بعدها
مات في حادث قبل أن يسامحني حقا. قبل أن يحبني من جديد كما كان.
قال ماركوس متأثرا
أنا آسف
قالت
لا أريد لأطفالك أن يمروا بما مررت به. لا أريدهم أن يكبروا وهم يعتقدون أنهم مذنبون بموت أمهم.
تحرك بيدرو قليلا لكنه لم يستيقظ. شعر ماركوس برغبة غريبة في لمس وجه ابنه لكنه تردد.
قالت هيلينا مشجعة
يمكنك أن تلمسه لن يستيقظ.
مد يده بحذر شديد ولمس خد بيدرو. كانت بشرته طرية ودافئة حقيقية تماما.
ثمانية أشهر وهو يراهما كأشباح لزوجته الميتة والآن يراهما كما هما فعلا طفلين صغيرين يحتاجان إلى أبيهما.
همس
إنه صغير جدا
قالت
وصغير بما يكفي ليحتاج إليك أكثر من أي شخص آخر.
قال مترددا
لا أعرف كيف أكون أبا يا هيلينا لم أتعلم ذلك.
لا أحد يولد يعرف. نتعلم ونحن نجرب.
وماذا لو أخطأت ماذا لو آذيتهم دون قصد
حينها نصلح الخطأ. أن تخطئ وأنت تحاول أفضل من ألا تحاول أبدا.
في تلك اللحظة استيقظ باولو لم يبك. بل فتح عينيه ونظر حوله. وعندما رأى ماركوس لم يصرخ كما كان يفعل دائما بل ظل يراقبه بفضول.
قال ماركوس مذهولا
إنه ينظر إلي
نعم. يريد أن يتعرف إلى أبيه. وماذا ستفعل الآن
قال مرتبكا
أكلمه لكنه لا يفهم شيئا.
لا يهم. الأطفال يحبون سماع صوت الوالدين. تحدث إليه.
اقترب من السرير متوترا وقال بخفوت
مرحبا يا ابني
خرجت كلمة يا ابني غريبة من فمه كأنها لغة جديدة يتعلمها. لكن باولو ابتسم.
ابتسامة صغيرة لكنها واضحة.
قال ماركوس مدهوشا
لقد ابتسم!
ابتسم لأنه تعرف إلى صوت أبيه.
استيقظ بيدرو أيضا لكنه لم يبك. اكتفى بمراقبة المشهد بعينين طفوليتين متسائلتين.
قال ماركوس وهو ينظر إليهما
إنهما حقا جميلان
قالت
يشبهان إيزابيلا عندما تبتسم.
صحيح لهما عيناها وشكل وجهها وربما طباعي أنا.
ضحكت
أتمنى ألا يرثا عنادك. لكن القليل من العناد جيد يعني أنهما لا يستسلمان بسهولة.
بدأ باولو يصدر أصواتا صغيرة ليست بكاء بل كأنه يحاول الكلام.
قال ماركوس
ماذا يريد
قالت
يريد انتباه أبيه يريدك أن تتحدث معه.
أتحدث عن ماذا إنه لا يفهم شيئا.
لا يهم. احك له عن أمه.
تردد قليلا ثم قال وهو يقترب من السرير
باولو هل تعرف أن أمك كانت أجمل امرأة في العالم كانت سعيدة جدا عندما علمت أنكما قادمان اشترت لكما ملابس واختارت اسميكما وجهزت هذه الغرفة بحب كبير
كان بيدرو أيضا يحدق فيه الآن والطفلان منصتان كأنهما يفهمان كل كلمة.
كانت تغني لكما وأنتم لا تزالان في بطنها. دائما الأغنية نفسها تهويدة كانت جدتها تغنيها لها.
سألت هيلينا
هل تتذكر اللحن
نعم.
بدأ يغني بخفوت لحنا رقيقا سمعه مئات المرات خلال الحمل.
كان التأثير سحريا ارتخى الطفلان كليا كأن الأغنية أيقظت في داخلهما ذكرى قديمة.
قالت هيلينا متأثرة
هما يعرفان هذه الأغنية
إيزابيلا كانت تغنيها يوميا. تقول إنها تريد أن يولدا وهما يعرفان أنهما محبوبان.
وها هما يعرفان الآن لذا توقفا عن البكاء عندما بدأت تظهر حبك.
استمر ماركوس في الغناء دقائق حتى غلبهما النعاس مجددا.
وبقي واقفا يراقبهما يشعر بشيء جديد ينمو في صدره.
لم يكن ألما ولا ذنبا.
بل شعور بالحماية والرغبة في الرعاية والمسؤولية.
بعد صمت طويل قال فجأة
هيلينا هل أستطيع أن أخبرك بسر
بالطبع.
لطالما أردت أن أكون أبا منذ صغري. كنت أحلم بأطفال أعلمهم وأراهم يكبرون. لكن عندما ماتت إيزابيلا تحول الحلم إلى كابوس.
سألت
وماذا عن الآن
قال بصوته المتوتر
الآن أشعر بالخوف. أخاف أن أحاول ولا أنجح في أن أكون الأب الذي يستحقانه.
ابتسمت هيلينا بحنان وقالت
سأخبرك ما تعلمته من تربية أخي
لا وجود لأب مثالي. هناك آباء يحاولون يهتمون ويحضرون.
إيزابيلا لم تكن تنتظر منك الكمال كانت تنتظر أن تحاول.
سأل
وماذا لو حاولت وفشلت
قالت
حينها تحاول مرة أخرى. ومرة أخرى.
إلى أن تنجح.
وبينما كانت هيلينا تتحدث كان ماركوس ينظر إليها كما لو أنه يراها للمرة الأولى
ضوء المصباح الخافت ينعكس على ملامحها الهادئة وصوتها الرقيق
قال بخفوت متردد
هيلينا لو لم تكوني هنا لربما كنت سأضيع إلى الأبد.
ابتسمت بخجل وأخفضت عينيها
لم أفعل شيئا كبيرا يا سينيور ماركوس أنا فقط
توقفت ثم أكملت بصوت يكاد يسمع
أردت أن يحصل الطفلان على فرصة وأن تحصل أنت أيضا على فرصة للبدء من جديد.
اقترب خطوة خطوة واحدة فقط لكنها كانت كافية ليشعر قلبها بالارتباك.
قال بصوت منخفض
ومن سيمنحك أنت فرصة يا هيلينا
رفعت نظرها إليه ببطء.
عيناها كانتا تحملان حزنا قديما لكنه لم يكن وحده كان هناك نور جديد يتشكل.
قالت
أنا اكتفي بأن أرى هذه العائلة بخير هذا يكفيني.
هز رأسه نافيا ثم قال
لا لا يكفي ليس بعد كل ما فعلته ولا بعد كل ما أعطيته لنا.
نظر إلى الطفلين النائمين ثم عاد إليها
هذه العائلة لا يمكن أن تشفى بدونك.
اتسعت عيناها بدهشة لكن ماركوس أكمل قبل أن تتكلم
هيلينا منذ دخلت هذا البيت تغير كل شيء أنا لم أشعر بالسلام منذ رحيل إيزابيلا حتى الأمس.
تنفست هيلينا بعمق وقلبها يخفق.
قالت بخفوت
أريدك أن تتأكد ألا تكون مشاعر لحظة أو تأثرا برسالة
اقترب خطوة أخرى حتى صار قريبا بما يكفي لتسمع أنفاسه.
قال
المشاعر التي تحيي رجلا ميتا من الداخل لا يمكن أن تكون مجرد لحظة.
سقطت
دمعة من عين هيلينا رغم محاولتها مقاومتها.
مد يده ومسحها بطرف أصابعه بخفة.
ارتجفت لكنه همس
لن أجبرك على شيء فقط أريد أن تعرفي أنني أرى فيك شيئا لم أره منذ سنوات راحة دفئا وحياة.
قالت وهي تبتسم من خلال دموعها
وماذا عن الطفلين
نظر إليهما بحنان لأول مرة في حياته ثم قال
سيكبران وهما يعرفان أنهما محبان وأن والدهما وجد قلبه من جديد.
لحظة صمت قصيرة
ثم سألها بصوت يفيض صدقا
هل تبقين ليس كمربية فقط بل كجزء من هذه العائلة
اتسعت ابتسامتها وارتجف صوتها وهي تقول
نعم أبقى.
وفي تلك اللحظة
استيقظ باولو نصف استيقاظ ورفع يده الصغيرة كأنه يطلب شيئا.
ضحكت هيلينا فحمل ماركوس يد الطفل الصغيرة بيده ثم نظر إليها.
كانت تلك أول مرة يشعر فيها أن الماضي لم يعد سجنا
وأن المستقبل يمكن أن يكون جميلا فعلا.
وقف الثلاثة هناكرجل
وفي ضوء الفجر الخافت كانت بداية قصة جديدة.
قصة مليئة بالحب بالدفء وبعائلة اكتملت أخيرا.