حين جثت المليارديرة أمام المتشرد… فغيّرت قدره إلى الأبد

لمحة نيوز

حين جثت المليارديرة أمام المتشرد فغيرت قدره إلى الأبد
لم يكن أحد من المارة يتوقع أن يشهد حدثا كهذا في ظهيرة هادئة. كان الشارع مزدحما كعادته الباعة ينادون والدراجات تتزاحم والحرارة تلتمع فوق الأسفلت كوميض من نار إلى أن توقفت سيارة فاخرة عند طرف الرصيف فصار الصخب همسا وكأن الهواء نفسه حبس أنفاسه.
نزلت من السيارة امرأة طويلة القامة متأنقة في زي بلون العاج ينساب حول جسدها بنعومة متقنة. كان وقع كعبها على الأرض كافيا ليجر عيون الجميع نحوها. لم تكن امرأة عادية إنها مونيكا ويليامز الاسم الذي لا يذكر في أفريقيا إلا ويقترن بالقوة الاقتصادية والذكاء المتقد. سيدة البرمجيات وصاحبة شركة إم تك والوجه الذي تصدر أغلفة المجلات وقلوب الطامحين.
لكنها اليوم لم تكن في مؤتمر ولا في اجتماع ولا في جولة استثمارية.
كانت تتجه إلى رجل يجلس على الرصيف رجل لم يكن يتخيل أن تقترب منه مثل تلك السيدة.
كان يجلس محني الظهر قرب صناديق بلاستيكية فارغة يضع على كتفيه معطفا ممزقا متربا وقميصا باهتا كأنه فقد لونه من طول الأيام. لحيته متشابكة كغابة لم يمسها مقص وشعره مسترسل بعشوائية تؤلم النظر. على كتفه حقيبة سوداء رثة لا يبدو أنها تحمل إلا بقايا حياة.
رفع عينيه بصعوبة حين توقفت أمامه. كان يظن أنها ستتجاوزه مثل غيرها

لكن مونيكا ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
اسمي مونيكا.
طرف جفناه مرتين قبل أن يتمتم بصوت مبحوح
جاكوب جاكوب أوتش.
لم تضع الوقت في مجاملات. بل فعلت ما لم يتوقعه عقل.
انحنت قليلا وقالت
أراك هنا دائما. تتحدث أحيانا إلى نفسك كأنك خبير في الاقتصاد وتشرح للهواء كأنك رجل يعرف قيمة الأرقام. لا أعرف قصتك ولا ما الذي جاء بك إلى هذا الرصيف لكنني أؤمن بأن بعض البشر يظلمون أكثر مما يحتملون وأن الفرصة الثانية قد تعيد بناء إنسان كامل.
ترددت في أخذ نفس طويل ثم قالت بصوت واضح ثابت صادم
ولهذا أطلب منك أمرا قد يبدو جنونا جاكوب هل تتزوجني
سقط الصمت على الشارع كصخرة هوت من السماء.
تجمد جاكوب.
فتحت الأفواه.
واتسعت العيون كأن الجميع يشاهدون مشهدا خرافيا.
نظر إليها طويلا ثم ابتسم ابتسامة حزينة تحمل ما لا يقال. وقال
إذا كنت جادة فادخلي ذلك المتجر. اشتري خاتما. عودي إلي واطلبيه مني كما تطلب المرأة رجلا تؤمن به.
انتشرت الهمسات بين المارة
هل فقد عقله
أي رجل يرفض مليارديرة
هل هذا اختبار أم مسرحية
لكن مونيكا لم تلتفت. اتجهت إلى المتجر بخطوات ثابتة ثم خرجت بعد دقائق قليلة تحمل صندوقا صغيرا. تقدمت إلى وسط الشارع ووسط الدهشة والهواتف المرفوعة والعيون المذهولة انخفضت على ركبة واحدة.
ورفعت الخاتم نحوه وهي تقول
بصوت يرتعش رغم قوتها
جاكوب أوتش هل تتزوجني
لم يتحرك.
لم يتنفس تقريبا.
حتى إن بعض الواقفين مسحوا دموعا لم يفهموا سببها.
ثم رفع رأسه ببطء وقال بصوت خافت يكاد لا يسمع
نعم.
وضعت الخاتم في إصبعه كأنها تعيد وصل رجل انفصم عن العالم طويلا.
وحين أشارت بيدها إلى السيارة وقالت اصعد.
تردد ونظر إلى ملابسه المتسخة وقال بخجل
سألوث مقعدك.
فأجابته بلا أدنى تردد
لا يهمني.
نهض كمن يخرج من قبر طمره الزمن وصعد إلى السيارة.
لم يكن يدري أن حياته التي ظن أنها انتهت كانت على وشك أن تبدأ من جديد.
واجهته المدينة من خلف نافذة البنتلي كمعزوفة من الضوء. كل شيء بدا لامعا ناطحات السحاب الطرق الواسعة البحر البعيد. أما مونيكا فكانت تنظر إليه بين الحين والآخر لتتأكد أنه لم يهرب من اللحظة إلى ظله القديم.
توقفت السيارة أمام مركز عناية فخم. أرضيات من الرخام ومرايا محاطة بإطارات ذهبية. تردد الموظفون حين رأوا هيئته غير أن一句 واحدة من مونيكا أنهت كل تردد
إنه معي.
جلس جاكوب صامتا بينما قص الحلاقون شعره وغسلوا وجهه وحلقوا ذقنه وبدلوا ملابسه. كانت كل شعرة تسقط من لحيته كأنها قطعة من ماضيه تمحى وكل قطرة ماء تمر على وجهه كأنها تعيد إليه إنسانا كان مختفيا تحته.
وعندما نظر إلى نفسه في المرآة صدم.
رأى ملامح لم يعرفها منذ
سنوات. فك حاد عينان داكنتان تتلألآن ووقار لم يكن يظن أنه ما زال يملكه.
خرج من غرفة التبديل فلما رأته مونيكا قالت مبتسمة
هذا هو الرجل الذي رأيته حين كان الجميع يرون رجلا ضائعا.
ارتعشت أنفاسه قبل أن يهمس
أشعر وكأنني ولدت من جديد.
أجابته بهدوء
لم تر شيئا بعد.
عادت به إلى السيارة وانطلقتا نحو قصرها الفسيح.
وحين رأى البوابة العالية والحدائق الممتدة والواجهة البيضاء الباهرة سألها مدهوشا
هذا منزلك
فقالت بابتسامة ثابتة
بل منزلنا.
انفتحت البوابة ببطء وانسابت خلفها رؤية لقصر أبيض شاهق جدرانه تعانق الزجاج وتنعكس عليه أشعة الشمس كأنها عرش من ضوء. تصطف أشجار النخيل في صفوف منضبطة كحرس ملكي وفي المنتصف نافورة تتمايل مياهها كأنها ترقص على إيقاع خفي. كان كلب ذهبي يركض حول الحديقة بحماسة طفولية فيما وقف جاكوب ساكنا يتأمل ما يشبه عالما لا ينتمي إليه.
دخل بخطوات حائرة وما إن تجاوز العتبة حتى لفته عبق لطيف من اللافندر والفانيلا يختلط مع برودة المكان ولمعان أرضياته التي تعكس الضوء مثل مرآة واسعة. الثريات المتدلية من السقف بدت كنيازك متجمدة في الهواء تصنع هالة من الفخامة لا تخطئها العين.
على الدرج ظهرت طفلة صغيرة شعرها مجعد وعيناها نصف مغلقتين من أثر النوم. مسحت عينيها وسألت بصوت واهن
أمي من
هذا
فتحت مونيكا ذراعيها وقالت برقة
تعالي يا صوفيا.
هرعت الطفلة
تم نسخ الرابط