حين جثت المليارديرة أمام المتشرد… فغيّرت قدره إلى الأبد

لمحة نيوز

نحوها ثم رفعت رأسها نحو جاكوب وقالت بفضول بريء
أهذا صديقك
ابتسمت مونيكا
سيبقى معنا فترة طويلة.
نظرت إليه الطفلة مطولا ثم سألت بجدية لا تليق بسنها
هل أنت شخص طيب
ابتسم جاكوب في خجل
أحاول أن أكون كذلك.
هزت رأسها باطمئنان
حسنا لكن لا تحك لنا قصصا مخيفة ليلا.
أطلق ضحكة صافية نسي كيف يصدرها ضحكة خرجت من مكان كان مطفأ بداخله.
في تلك الليلة خصصت له مونيكا غرفة ضيوف أشبه بجناح ملكي سرير واسع شرفة تطل على المدينة وروائح منعشة تنبعث من كل زاوية. قدمت له طبقا دافئا من الأرز الجولوف والبلانتين والدجاج المتبل. كان يأكل ببطء كمن يتذوق الحياة لأول مرة وليس الطعام.
جلس في الشرفة بعد العشاء يتأمل أضواء لاغوس المتلألئة كأنها سماء مقلوبة. اقتربت مونيكا تحمل كأسا في يدها وجلست بجانبه وسألت بصوت خافت
والآن من أنت يا جاكوب
بقي ينظر إلى يديه كأنهما تحملان الإجابة. ثم قال
اسمي جاكوب أوتشي كنت عالم بيانات من الطراز الأول. عملت مع شركات دولية وبنيت أنظمة ونماذج اعتمدت عليها مؤسسات كبيرة. كان لي شأن.
سكت قليلا ثم أضاف بصوت ينهار شيئا فشيئا
وكانت لي زوجة كيلتشي. ولدينا أماندا ونامدي. كانت حياتي كاملة قبل ذلك اليوم.
توقف ثم تابع بصوت مرتجف
سافروا إلى دبي وبقيت لألحق بهم في اليوم التالي. لكن الطائرة تحطمت ولم
ينج أحد. فقدت كل شيء. خرجت من بيتي ولم أعد إليه أبدا. ومنذ ذلك اليوم وأنا أسكن تحت الجسر.
أسندت مونيكا رأسها قليلا وانكسرت ملامحها بتعاطف حقيقي. قالت بصوت مبحوح
أعرف هذه الندبة فقدت أبي في حادث ثم اختفى زوجي عندما كانت صوفيا صغيرة. انتظرته سنوات ثم فهمت أن الغياب نفسه موت.
نظر إليها بدهشة صامتة
وبعد كل هذا بنيت هذا العالم
أومأت
كان علي أن أحيا لأجل صوفيا ولأجلي أنا أيضا.
قال هامسا
أنت محاربة.
ابتسمت وسط دموعها
وكذلك أنت حتى إن لم تدرك.
جلسا طويلا تحت ضوء المدينة المتوهج وللمرة الأولى منذ سنوات شعر جاكوب بأن رغبة خفية للحياة عادت تدب فيه.
في صباح اليوم التالي استيقظ على زقزقة العصافير ورائحة الخبز الطازج. جلس في سريره متوجسا يلمس شعره القصير وذقنه النظيفة كمن يختبر وجوده. كان كل شيء حقيقيا وهذه الحقيقة أربكته.
طرق خفيف على الباب تبعه دخول صوفيا وهي تبتسم
صباح الخير يا عمي جاكوب أمي تقول إن الإفطار جاهز.
نزل إلى الطابق السفلي. وجد مونيكا ببدلتها الأنيقة تعمل على حاسوبها وعلى الطاولة مائدة غنية تتلألأ بألوان الطعام. قالت وهي تشير له بالجلوس
تفضل ستحتاج إلى طاقة اليوم.
قال مترددا
لم آكل مثل هذا منذ لا أعرف متى.
ابتسمت مونيكا
بل ستحتاجه فعلا لأنك تبدأ العمل اليوم.
شهق بدهشة
عمل
أومأت
بثقة
نعم. لم أطلب يدك شفقة جاكوب. رأيت فيك عقلا نادرا. شركتي تحتاجك.
قال محاولا أن يبتسم
لكنني صدئت ضعت تآكلت.
أجابته بنبرة حاسمة
العقول العظيمة لا تصدأ بل تنتظر من يوقظها.
لم يجد كلمات. فقط شعر أن شيئا في داخله يستيقظ شيء ظنه مات منذ زمن بعيد.
قادته بسيارتها إلى برج إم تك الزجاجي المرتفع. الداخل كان عالما من الشاشات والبرامج والابتكار. وعندما دخلت مونيكا وقف الموظفون احتراما لها فيما تساءلوا سرا عن الرجل المجهول الذي يسير بجانبها.
وقفت أمام باب أنيق يحمل لافتة فضية لامعة
رئيس وحدة الذكاء البياني جاكوب أوتشي.
ظل واقفا مشدوها. تمتم
أنا
ابتسمت
نعم. اعتبارا من هذه اللحظة.
منذ ذلك اليوم الذي وقف فيه جاكوب أمام باب مكتبه الجديد عاد إلى ذاته شيئا فشيئا. لم تكن العودة سهلة فالبرامج تطورت والخوارزميات تبدلت جذريا والعالم التقني تحرك بخطوات لم يلحق بها حين عاش تحت الجسر. غير أن شيئا داخله كان أسرع مما ظن أقوى مما توقع كأن ذكاءه القديم نام في أعماقه لا أكثر ثم نهض باندفاع مدهش.
وبعد أسبوع واحد فقط استطاع أن يمنع انهيارا ماليا ضخما كان سيبتلع الشركة. وفي أحد الأيام دخلت مونيكا إلى مكتبه وضعت أمامه ملفا كثيفا وقالت بصوت يحمل مزيجا من الفخر والذهول
لقد أنقذت لنا مئتين وخمسين مليون نايرا.
حدق
فيها طويلا مذهولا ثم تمتم
كنت فقط أعمل.
ردت بابتسامة دافئة
وهذا بالضبط ما يجعلك مميزا.
وتوقفت كلماتها عند حدود نظرة تبادلاها نظرة ثقيلة دافئة حد الخطر كأنها اعتراف لا يقال.
مرت شهور تبدل فيها كل شيء. عاد جاكوب قائدا لا مجرد موظف. صار يحاضر في المؤتمرات ويدرب الشباب ويبتكر حلولا أذهلت المختصين. أما مونيكا فقد صارت تضحك أكثر وتعود إلى منزلها أبكر مما اعتادت فقط لتجلس مع جاكوب وصوفيا على الشرفة يتبادلون قصصا وأحلاما.
وفي ليلة ممطرة بينما كان المطر يداعب زجاج الشرفة سألته بهدوء
جاكوب لماذا قلت نعم في ذلك اليوم
ضحك بخفة
ظننتك مجنونة.
ضحكت هي أيضا
والآن
أمسك يدها وقال بصوت يشبه الوعد
الآن أعلم أنك ملاك تنكر في هيئة امرأة.
وبعد أيام وقف جاكوب فوق سطح القصر في مساء دافئ والنسيم يحرك أطراف قميصه. جثا على ركبته وأخرج خاتما بلاتينيا يلمع تحت ضوء المدينة وقال بصوت رجف من شدة صدقه
أعدت إلي حياتي. منحت قلبي سببا ليتعلم الحب من جديد. أريد بداية حقيقية هل تتزوجينني
تجمدت مونيكا للحظة ثم انهمرت دموعها وهي تقول
نعم نعم ألف مرة نعم.
تزوجا في حفل لم تشهد لاغوس مثله منذ زمن طويل وامتلأت الصحف بقصتهما التي وصفها البعض بالمعجزة.
ومرت الأعوام وحملت مونيكا. بكت عند سماع الخبر لأنها شعرت أن الحياة التي سلبت
منها يوما تعود إليها بأجمل صورة. وعندما وضعت طفلها سمياه ويليامز تكريما لآبائهما
تم نسخ الرابط