فتاتان صغيرتان تُغيّران مصير امرأة مكسورة القلب ليلة عيد الميلاد

لمحة نيوز

فتاتان صغيرتان تغيران مصير امرأة مكسورة القلب ليلة عيد الميلاد
كانت تتهيأ لتلك الليلة كما لو أنها تستعد لامتحان لا يعرف أحد نتائجه. ارتدت معطفا أنيقا واختارت قدرا صغيرا من الشجاعة خبأته طويلا في صدرها وتفقدت شعرها مرتين ومسحت على شفتيها لونا من الأحمر الذي يجعلها تشعر أنها ما تزال المرأة نفسها المرأة التي لم يبتلعها الغياب.
قبل يومين فقط من عيد الميلاد كانت نوافذ مطعم ذا بيسترو تتشح بضباب أنفاس الشتاء وأضواء الزينة تنبض فوقها كنجوم بعيدة. هناك همست لورين بنتلي لنفسها بأنها ستحاولولو لمرة واحدةأن تخرج من حياتها الهادئة التي أحكمت بنائها منذ رحيل زوجها مايكل.
كان المطعم دافئا بصوت العيد رنين الملاعق ضحكات خافتة وصوت طفل ينفجر سرورا بين حين وآخر. جلست لورين قرب النافذة والقائمة أمامها ما تزال جديدة لم تمس ويداها مطويتان في حجرها حتى لا يلمح أحد خاتم زواجها ذلك الخيط الخفيف من الألم الذي لا يزال يدور حول إصبعها فيسقط القناع الذي تحاول ارتداءه الليلة.
تحققت من هاتفها بدافع العادة لا بدافع الرجاء.
كانت الساعة 647 مساء.
الوقت يلمع على الشاشة كأنه يذكرها بما تحاول ألا تفكر فيه.
وصلت رسالة.
من دانيال
مرحبا لن أستطيع الحضور الليلة. وأظن أن هذا الأمر لن ينجح أصلا. موضوع أنك لا تسمعين أكثر مما أستطيع التعامل معه

الآن. اعتني بنفسك.
كانت الكلمات قصيرة مسطحة لكن وقعها في روحها جاء كالضربة سقطت كحجر في بحيرة ساكنة وبدأت تموجاته تهز كل شيء بداخلها.
موضوع أنك لا تسمعين.
وكأنها عبء. مشكلة. عائق ينبغي الابتعاد عنه.
ضاق حلقها وارتجفت أصابعها فوق الشاشة كأنها تستطيع أن تدفع الكلمات بعيدا عنها.
لم تلحظ النظرات التي انسابت نحوها نظرة خاطفة من طاولة وابتسامة مترددة من أخرى. النادلة ملأت كأسها أربع مرات خلال خمس وأربعين دقيقة وكانت عيناها تميلان ببطء من التعاطف إلى الشفقة.
ابتسمت لورين تلك الابتسامة الصامتة التي لا تحتاج صوتاابتسامة كانت درعها الأخير.
وفي قلبها ظل سؤال واحد يفتح أبوابه ويغلقها بلا هوادة
هل هذه هي نهايتي مرفوضة ومنسية
على الجانب الآخر من المطعم حيث تنتشر أقلام التلوين والمناديل الورقية فوق مقعد صغير كانت أربع عيون بنية متطابقة تراقبها بصمت.
التوأمتان كالي وكاسي غرانت في الخامسة من عمرهما مزيج من الفوضى الحلوة والتناغم العجيب.
كبرتا على قصص تقول إن الأفعال أهم من الكلمات. وجدتهما مارجريتالتي تعيش معهما منذ عامينعلمتهما لغة الإشارة بمحبة امرأة تعرف تماما ما الذي يمكن أن يصنعه الصمت بقلب الإنسان.
همست كالي وهي تشد كم أختها
كاسي تلك السيدة تبكي.
راقبت كاسي كتفي لورين المنخفضين والطريقة التي مسحت بها زاوية عينها
بمنديل صغير ثم انتبهت لشيء آخر
إنها تعرف لغة الإشارة.
قالتها عندما رأت لورين تشكر النادلة بإيماءة دقيقة.
نظرة سريعة تبادلتها الأختانتلك النظرة السرية التي تحدث فقط بين الأشقاءثم انزلقتا من مقعدهما بخفة المتآمرين الصغار.
نهض والدهما ترافيس غرانت متأخرا خطوة.
قال وهو يحاول اللحاق بهما
بنات انتظرن!
كان عقله العملي يحسب المسافة والخطوات محاولا إيقافهما قبل أن يربكان امرأة حزينة فالحزن عنده شعور مقدس لا يحب أن يتحول إلى مشهد أمام الغرباء.
لكن التوأمتين كانتا قد وصلتا بالفعل.
مدت إحداهماوربما كانت كاسييدها الصغيرة نحو لورين ثم أشارت بلغة واضحة نقية
هل ننضم إليك تبدين حزينة.
وفي تلك اللحظة الصغيرة التي لا يسمعها أحد انفتح في قلب لورين باب لم تتوقعه أبدا.
رمشت لورين كمن أفاقت من شرود ثقيل ثم انحنت ببطء حتى صار وجهها في مستوى أعين الطفلتين.
انزلقت يداها تلقائيا إلى لغتها الأثيرة لغة الإشارة تلك اللغة التي لم تخذلها يوما والتي طالما كانت جسرا بين داخلها الصامت والعالم الذي لا يكف عن الضجيج. سألت بعفوية مرتجفة
أتعرفان الإشارة
بادرت إحداهما ذات الجدائل القصيرة وابتسامة متسعة بإشارات صغيرة تشبه قفزات ضوء
جدتنا علمتنا نحن كاسي وكالي أنت جميلة لماذا تبكين
كانت الجملة بسيطة كحجر يلقى في بئر ساكنة ومع ذلك ارتج به قلب لورين
وكأنها تسمع لأول مرة سؤالا يلتفت حقا إلى داخلها.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا صوت أقرب إلى شهقة دهشة ثم شعرت بذلك الشرخ الدقيق يتكون في جدار الحزن السميك شرخ يسمح لنسمة صغيرة أن تتسرب.
لم يكن عندها مهرب من الإجابة.
رفعت يديها وأشارت ببطء
أخلف موعده معي قال إن كوني لا أسمع أكثر مما يحتمله.
كانت الجملة حادة وشفافة وصادقة حد الألم.
تغيرت ملامح كالي فورا وارتفع حاجباها الصغيران بغضب طفولي خالص ثم أشارت بعنف لطيف
هذا شخص لئيم لئيم جدا! عيد الميلاد وقت البقاء مع الآخرين ليس لتركهم وحدهم!
كادت لورين تبتسم لولا أن باب المطعم انفتح ودخل رجل طويل شاحب الخدين بسبب البرد يحمل على كتفيه تعب يوم كامل.
اقترب بخطوات مترددة وعلى شفتيه اعتذار بلا صوت بينما راحت يداه تتحركان بلغتهما المرنة
أنا آسف هاتان الصغيرتان اندفعتا قبل أن ألحق بهما.
لكن التوأمتين لم تتركا له فرصة للصمت صاحتا بصوت مسموع كما يفعل الأطفال حين يظنون أنفسهم يحلون مأزقا كونيا
بابا! هذه السيدة تركت وحدها في الموعد!
احمر وجه الرجل ترافيس حتى لامس لونه الأحمر قمة أذنيه.
همس بنبرة توبيخ لطيف
كاسي كالي هذا ليس شأنا عاما.
لكنه في داخله كان يعلم أن الحقيقة خرجت بالفعل ولا سبيل لإعادة الكلمات إلى أفواه الأطفال.
مسحت لورين دموعها وشعرت بأن صدق الطفلتين يسحب منها بقايا الدفاعات
التي بنتها طوال سنوات.
عاشت عمرا وهي تعلم العالم كيف
تم نسخ الرابط