حين قالت له: أنا راحلة… لم يدرك أن المرأة التي كسرها بالأمس ستقف اليوم أقوى من خوفها
تركته خلفي كنت أشعر أن جزءا مني يعود إلى الحياة. لم يكن الخوف يركض خلفي كما اعتدت ولم يكن صوت دانيال يصرخ في أذني كما كان يفعل كل ليلة. كان الصمت هذه المرة صديقا لا سيفا.
عندما وصلنا إلى منزل مايكل استقبلتني زوجته كارين بابتسامة دافئة لم أكن أدرك كم اشتقت إلى مثلها. عانقتني بلا أسئلة بلا نظرات فاحصة بلا تلك الشفقة التي كنت أخافها. فقط حضن يشبه الأرض التي تستقبل من يعود إليها بعد غياب طويل.
قالت لي
الغرفة جاهزة. ابقي هنا ما شئت. هذا البيت بيتك.
شعرت أن الكلمات وحدها كانت كافية لأن تجعلني أتنفس بارتياح. دخلت الغرفة التي أعدتها كارين لي. كانت بسيطة مضيئة وستائرها خفيفة تسمح للنهار بالدخول بسهولة وكأنها تقول لي هنا لن تحتاجي إلى الاختباء.
جلست على السرير ووضعت الحقيبة بجانبي. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة لم أفتح الحقيبة بخوف. أخرجت ثيابي المطوية بسرعة ثم توقفت عند صندوق صغير وضعته
فتحت الصندوق فشعرت وكأن النسخة الصغيرة مني خرجت منه أمسكت بيدي وقالت
لقد تأخرت لكنك وصلت.
مرت الأيام الأولى ثقيلة لكنها لم تكن مؤلمة. كنت أتعلم كيف أعيش بلا صوت يعلو فوق صوتي كيف أمشي بلا خوف من ارتطام الباب كيف أتنفس بلا أن أعدل نبرة صدري لأخفي توتري. كنت أكتشف أن الحرية ليست لحظة كبيرة بل تفاصيل صغيرة صغيرة جدا لكنها تعود لتجتمع كزهور في حقل واسع لا نهاية له.
ذات صباح بينما كنت أجلس على الشرفة أشرب قهوتي لمحني مايكل ووقف بجانبي. قال
أتعلمين لم أرك هادئة هكذا منذ سنوات.
أجبت بابتسامة صافية
لأنني لم أكن هادئة. كنت أتنفس بصمت لا أكثر.
نظر إلي
إميلي ماذا ستفعلين الآن ما خطوتك التالية
رفعت فنجان القهوة قليلا كأنني أجري نخبا صغيرا مع نفسي وقلت
سأبدأ من حيث توقفت. سأعود لكتابة القصص.
ابتسم
كنت أعلم أنك ستقولين هذا.
وفي يوم هادئ بينما كانت كارين تعد شاي الأعشاب في المطبخ اقتربت مني وقالت
مايكل أخبرني أنك تفكرين في الاستقلال. تريدين بيتا صغيرا صحيح
هززت رأسي بخجل.
نعم أشعر أن الوقت حان. أريد مكانا لي مكانا لا يرتجف فيه الحائط.
قالت برقة
وسنساعدك. لا أحد يبني حريته وحده يا إميلي. نحن معك.
كانت كلماتها كمرآة أعادت إلي وجها لم أره منذ زمن وجه امرأة تستحق أن تحب وتصان لا أن تكسر.
بعد شهر كامل كنت أقف داخل شقة صغيرة اخترتها في حي هادئ تطل نوافذها على أشجار القيقب. لم تكن كبيرة لكنها بدت واسعة بما يكفي لروحي. وقفت وسط الغرفة الفارغة أتنفس عطر الطلاء الجديد وأقول لنفسي
هنا سأكتب حياتي الجديدة.
وضعت طاولة صغيرة قرب النافذة.
كتبت جملة أولى
هذه ليست قصة هروب بل قصة عودة.
في المساء طرق مايكل الباب. دخل ومعه صندوق كبير وضعه على الأرض.
ما هذا سألته.
ابتسم وقال
هذا مكتبك الجديد. صنع لك وحدك.
فتحت الصندوق لأجد آلة كاتبة حديثة وأوراقا كثيرة ومجموعة أقلام وألوان.
قلت له بدهشة
مايكل هذا كثير.
فأجاب
أنت تستحقين أكثر بكثير مما تظنين.
جلست أمام المكتب الجديد وشعرت للمرة الأولى في حياتي أن كل ما في الغرفة يبتسم لي.
في الليلة الأولى داخل شقتي لم أبك.
لم أرتعب من الظلام.
لم أبحث عن ضوء إضافي لأطمئن قلبي.
بل أطفأت الأنوار كلها وتركت نافذتي مفتوحة.
كان القمر يتسلل إليها بنور يشبه يدا تلمس وجهي بحنان.
وضعت رأسي على الوسادة وهمست لنفسي
الليلة أنام امرأة حرة.
وللمرة الأولى منذ زمن بعيد
نمت دون خوف.
نمت كما تنام الأرض
نقية صافية مستعدة لأن تنبت حياة جديدة.