رواية تدرب ابنة الزعيم لأنها عمياء كاملة
دعني أكون قوية. ثق بي.
تصدع شيء داخله.
ليس لأن خوفه اختفى بل لأنه فضل خوفا مشتركا على حياة كاملة من الكذب.
في الخلفية دون أن يلحظا كانت إيسولد تستمع لكل كلمة.
ولأول مرة منذ عشر سنوات فكرت
ربما هذه المرة لن أفشل.
الكولوسيوم السري كان نسخة من كوابيس إيسولد.
الحفرة نفسها المدرجات الأسمنتية نفسها رائحة الحديد والدم همهمة جمهور جاء ليشتري العنف كترفيه.
دخلت أورورا بين ماركو ومعلمتها يدها تكاد تلامس ساعد أحد الحراس لكنها لم تبد كطفلة تحتاج للحمل بدت كمن يعرف أين يضع كل خطوة.
أعطوا غرفة انتظار عارية مصباح واحد مقعد خشبي باب معدني.
كان فيكتور مضطربا الضوضاء في الخارج ليست ضوضاء بطولة عادية العيون في المقصورات العليا لا تطمئن رجل غريب الجميع يحيونه باحترام مبالغ فيه.
شيء ما لم يكن صحيحا.
فجأة انطفأت الأضواء.
ليس في الغرفة فقط في المكان كله.
قالت إيسولد قبل أن ينفجر الباب
إنه كمين.
اندفع رجال يرتدون نظارات للرؤية الليلية إلى الداخل.
عددهم كبير تحركهم منظم.
لم تكن هذه بطولة. كانت إعداما جماعيا مخططا له.
دار قتال قصير عنيف.
ماركو وفكتور أطلقا النار الحراس ردوا وإيسولد كانت تتحرك كرؤية من ماضيها الدموي تسقط الرجال واحدا تلو الآخر بحركات محسوبة صامتة قا تلة.
وأورورا تحركت هي الأخرى.
حين اندفع رجل نحو والدها شعرت باهتزاز خطواته أمسكت معصمه لوت الذراع بسرعة ضربت نقطة عصبية فسقط كدمية قطع خيطها.
قالت بهدوء لا يناسب عمرها
بابا تحرك.
لم يكن ممكنا البقاء في تلك الزنزانة.
صرخت إيسولد
إلى الأعلى إلى الساحة. إذا أرادوا عرضا فليكن أمام الجميع.
شقت المجموعة طريقها عبر الممر تحت طلقات متناثرة حتى خرجوا
هدير الحشد غطى على كل شيء.
رجال مسلحون ينتشرون في المدرجات يسدون المخارج.
في المقصورة العليا الرجل الغامض يتحدث عبر جهاز لاسلكي واثقا تماما أنه يتحكم بكل السيناريو.
كانوا بسهولة أكثر من ستين مسلحا.
صفقت أورورا بلسانها وتركت للصدى أن يجول المكان.
تحركت عيناها الغائمتان تتبعت خريطة لا يراها أحد سواها.
تمتمت
أكثر من ستين اثنا عشر لديهم زاوية مباشرة نحونا.
نظر إليها ماركو كأنه يراها لأول مرة حقا.
رفعت إيسولد صوتها لتسمعها المدرجات كلها
قبل عشر سنوات مات طفل في هذه الحلبة. كان اسمه لوكا. استخدم لكسر أخته.
اليوم حاولوا تكرار الأمر استغلال طفلة عمياء لكسر أبيها.
لقد أخطأوا الهدف.
ساد صمت ثقيل.
همست لإورورا
أريهم من أنت.
أول رجل اقترب منها بثقة سقط عاجزا في ثوان لا يفهم كيف تجمدت ذراعه وكيف اختفى السلا ح من يده.
صرخت أورورا
لا أريد إيذاء أحد لكنني لن أسمح أن أكون السبب في مو ت عائلتي.
رجلان آخران هاجماها
تجنبتهما واستغلت زخمهما جعلتهما يرتطمان ببعضهما. كان جسدها يتحرك وفق موسيقى لا يسمعها غيرها همسات أنفاس حفيف ملابس دمدمة خطوات.
في المقصورة وقف الرجل الغامض في غضب
هذا لا يثبت شيئا! اق تلوهم جميعا!
رفع المسلحون أسلحتهم نحو مركز الحلبة.
أدرك ماركو أن هذه النهاية لولا صوت جديد قاطع المشهد
لا أحد يطلق النار!
دخلت مجموعة جديدة من الرجال عبر أحد الأنفاق رجال ماركو وخلفهم وحدة من القوات الفيدرالية بالزي الرسمي أسلحة مصوبة وكاميرات تعمل.
أعلنت الضابطة القائدة
المكان كله محاصر. أي إطلاق نار سيتم التعامل معه كعمل إرهابي.
تحول الهتاف إلى فوضى.
حاول رؤساء النقابة الهرب من المقصورات
تقدم فيكتور نحو ماركو والهاتف لا يزال في يده.
قال بهدوء
منذ وصلتني الدعوة عرفت أن الرائحة فاسدة. عقدت اتفاقا حصانة لعائلة بيليني مقابل تسليم كل هؤلاء الحمقى في ليلة واحدة.
تركنا لهم العرض وأخذناهم هم.
في لحظة واحدة تحول الكولوسيوم الذي كان معبدا للعنف السري إلى مسرح لانهيار نصف عالم الجر
يمة.
وفي وسط هذا الحدث التاريخي كانت أورورا ما تزال واقفة في وضعية الدفاع قبضتاها مرفوعتان صد
رها يعلو ويهبط بسرعة.
احتضنها ماركو بقوة
انتهى يا صغيرتي انتهى.
استسلمت أخيرا للاهتزاز الذي يجتاح جسدها. لم يكن ذلك ضعفا بل إنسانية خالصة
هي ما زالت طفلة في الثانية عشرة لكنها وقفت وسط ظلام مسلح ولم تهرب.
همست
كنت خائفة جدا.
رد وهو يضمها أكثر
الشجاعة ليست غياب الخوف بل التقدم رغم وجوده.
وقد فعلت ذلك يا رورا وفعلته أفضل من الجميع.
اقتربت إيسولد منه كة مغطاة بالعرق وذكريات لا تمو ت وفي عينيها الرماديتين شيء جديد شيء يشبه السلام.
نظر إليها ماركو مباشرة وقال بلا لف ولا دوران
مال أبي هو الذي ق تل أخاك. المال نفسه الذي مول تلك البطولة.
ومع ذلك دربت ابنتي.
لا أستطيع تغيير الماضي.
لكن أستطيع أن أقدم لك شيئا مختلفا للمستقبل.
ابقي.
ليس كخادمة بل كمعلمة. كجزء من العائلة إن أردت.
ترددت إيسولد لحظات ثم قالت
دخلت بيتك وأنا مستعدة لأكرهك ولأبحث عن طريقة لأعيد إليك بعض ما فعلته عائلتك بي.
لكنني رأيت أورورا ورأيت في عجزها ما كان لوكا عليه طفلا لم يحصل على فرصة حقيقية.
عائلتك سرقت مني أخي. لا أستطيع أن أغفر كليا.
لكنني أستطيع أن أختار الآن من أحمي.
ركعت أمام أورورا وأمسكت بيديها
سأبقى.
ليس لأقدم
سأبقى لأدربك بحق. كمعلمة. كإنسانة تؤمن بما يمكنك أن تكونيه.
ابتسمت أورورا بابتسامة أضاءت المكان
إذن وعديني بشيء.
ألا تتركيهم أبدا يحولوني إلى ضحية.
ردت إيسولد
فقط إذا وعدتني بشيء أنت أيضا
ألا تخلطي يوما بين أن تكوني قوية وبين الاستعداد للمو ت.
هذان شيئان مختلفان
تماما.
أعدك.
في الأشهر التالية أصبح اسم أورورا بيليني أسطورة.
أخبار المداهمة التاريخية ملأت نشرات الأخبار.
لكن في الشوارع كان الحديث يدور حول شيء آخر
الطفلة العمياء التي تتحرك في العالم كأن الظلام حليف لها لا عائق.
والذئبة البيضاء التي عادت من ظلال الماضي لا لتسال الدم بل لتحرس فتاة قررت ألا تكون نقطة ضعف أحد بعد الآن.
في يوم من الأيام أمام مجموعة صغيرة من الضيوفحلفاء أعداء سابقين فضوليين رجال قساة الوجوهأقامت أورورا أول عرض علني لها في صالة التدريب داخل القصر.
قطعت مسارا يبدو مستحيلا.
تجنبت هجمات ثلاثة خصوم معا.
نزعت سلاح رجل أكبر منها بمرتين بحركة واحدة متقنة.
وفي النهاية وقفت في وسط بساط التدريب أنفاسها متلاحقة وعيناها الغائمتان تلمعان وقالت خمس كلمات هادئة
لا أحتاج أن أراكم لأغلبكم.
لم تبد كتهديد ولا كاستعراض.
بدت كحقيقة بسيطة.
من مكانه عند الحافة أدرك ماركو أن دوره لم يعد بناء الجدران حول طفلته بل أن يمشي إلى جوارها بينما تتعلم هي بنفسها متى تهدم هذه الجدران.
أورورا لم تكف عن كونها عمياء.
لم تتوقف عن الشعور بالخوف.
لم تتوقف عن احتياجها إلى من يحبها.
لكنها توقفت عن أن تكون نقطة ضعف لأي أحد.
لم تعد الطفلة الزجاجية التي يخاف الجميع لمسها.
تحولت بثمن من الألم والانضباط والحب ومعلمة جرحت حتى
مقا تلة عاشت دائما في الظلام وقررت ألا تسمح له بأن يبتلعها بل أن تجعل منه سلاحها الأقوى.