قمر الذئب العملاق يقترب
المحتويات
عبور
الشق الضوئي في وجه القمر اتسع أكثر حتى صار يشبه عينا عملاقة تفتح ببطء ينساب منها ضوء أقوى من أي قمر عملاق شهده البشر من قبل
ومع اتساعه بدأت الكائنات تتتابع تنزلق من البوابة كما تنساب قطرات المطر من غيمة مثقلة
لكنها لم تكن قطرات
كانت أجسادا نورانية طويلة ذات أطراف رفيعة تتحرك بلا صوت وكأن الهواء يتجنب لمسها
في المرصد كان يوسف يلهث وهو يحاول الوصول إلى هاتفه لكن الاتصال لم يكتمل
الشبكات تعطلت جميعا
الإنترنت انقطع
الإشارات كلها تشوشت كأن العالم صار تحت غلاف آخر لا يسمح بمرور شيء
نظر إلى السماء من جديد
قال بصوت مرتعش
هذه ليست زيارة هذا غزو صامت
لكنه كان يعلم في داخله أن كلمة غزو لا تعبر تماما عن المشهد
فهؤلاء لا يتحركون كغزاة لا دمار لا عنف لا أسلحة
فقط حضور كثيف هادئ شديد الغرابة
أما ليان فقد كانت أقرب البشر إلى فهم ما يحدث ليس لأنها أذكى بل لأنها اختيرت بلا علمها
الكائن الذي ظهر أمامها ظل واقفا يحدق فيها بعينيه اللامعتين ثم قال مرة أخرى
لقد فتح القمر بابه وعليك أن تختاري
سألته بصوت يتقطع
أختار ماذا وما علاقتي أنا
اقترب منها خطوة وعندما تحرك لم تلمس
قال
عالمكم في نقطة انعطاف
أنتم ترصدون السماء منذ قرون وأخيرا صارت السماء ترصدكم
لكن العبور لا يتم إلا بمن يرى
هزت ليان رأسها بعجز
أنا مصورة مجرد مصورة! ماذا تريدون مني
رفع يده وفجأة ظهرت صور في الهواء حولهما
صور التقطتها ليان في السنوات الماضية أقمار شهب ظلال لقطات لليل
كانت الصور تدور مثل شرائط ضوئية
أنت لا تلتقطين صورا بل تلتقطين بوابات الضوء
وهذا ما جعلنا نراك
في تلك اللحظة انطلقت صيحات في الشوارع المجاورة
الناس بدأوا يلاحظون الكائنات وهي تهبط على الأبنية والطرقات تحيط بالبشر لكن دون أن تقترب أكثر من اللازم
مجرد وجودها كان كافيا ليجعل القلوب ترتجف
أطفال يبكون
رجال يصرخون
نساء يركضن لمحاولة الاحتماء
لكن الكائنات لم تظهر اهتماما أو عدائية كأن هدفها ليس البشر أنفسهم بل شيء آخر
يوسف ترك المرصد وهرع إلى الشارع
رأى الناس يركضون والسيارات متوقفة في أماكنها
رأى السماء مضاءة كأن الفجر حل قبل موعده
ثم رأى ما لم يتوقع رؤيته
رأى ليان واقفة أمام أحد الكائنات النورانية
صرخ
ليان! ابتعدي!
التفتت
تجمد يوسف في مكانه دون أن يلمسه شيئ
ولكن عقله كان واعيا تماما
قال الكائن
لا تؤذ نفسها نحن لا نؤذي أحدا
رد يوسف وصوته مزيج من الغضب والخوف
إذن ماذا تريدون لماذا تأتون عبر القمر
هز الكائن رأسه وبدا صوته وكأنه يخرج من أعماق الضوء
لا نأتي من القمر بل من خلفه
القمر بوابة وليس وطنا
في الغابة الشمالية كان سكايو يرفع يديه نحو السماء بينما أفراد قبيلته يتراجعون إلى الخلف مندهشين
قال بصوت كأنه يتنبأ
سيستعاد التوازن الليلة أو سيختل إلى الأبد
أحد الشباب سأل بخوف
هل هم أرواح أم آلهة
أجاب الشيخ بحزن
ليسوا هذا ولا ذاك
إنهم المسافرون بين العوالم
وكل مرة يكتمل فيها قمر الذئب عند أقرب نقطة يبحثون عن عيون ترى ما لا يراه الآخرون
عاد يوسف يتحرك بعد أن اختفى تأثير تجمده
اقترب من ليان ببطء وهو يراقب الكائن بحذر
قال لها
ليان لا تتبعيه لا نعرف ما هم
لكن ليان كانت تشعر بشيء مختلف تماما
لم تشعر بالخطر
بل شعرت بشيء يشبه النداء
يمتد من داخل الشق الضوئي في القمر إلى قلبها مباشرة
قالت
أشعر أنني يجب أن أرى النهاية
غضب يوسف
نهاية ماذا هذا جنون! يجب أن نهرب!
ابتسم الكائن ابتسامة لا تشبه البشر
لن ينفع الهرب
فالضوء لا يطارد بل يتبع
ثم أدار وجهه نحو السماء وارتفع ببطء
لم يرفرف
لم يتحرك جسده
بل انجذب كما لو أن القمر نفسه يمتصه
نظر إلى ليان وقال
تعالي
وفي لحظة لا يمكن تفسيرها شعرت ليان بأن الأرض تحت قدميها تختفي
كأن جاذبية أخرى بدأت تشدها نحو الأعلى
أغمضت عينيها في آلية غريزية لكنها لم ترتفع
بل سقطت في دوامة ضوئية ظهرت تحتها دوامة لم يرها أحد قبل لحظة
صرخ يوسف
ليان!!!
قفز نحوها لكن الدوامة ابتلعته هو أيضا قبل أن يصل إليها
استيقظا في مكان لا يشبه الأرض
ولا يشبه الفضاء
ولا حتى الأحلام
كان المكان مضاء بضوء أزرق خافت
الأرض ليست أرضا بل مادة شفافة كالبلور
والسماء ليست سماء بل طبقات ضوئية تتحرك ببطء
نظر يوسف إلى ليان مذهولا
أين نحن
جاء صوت الكائن من خلفهما
هذا ما بين العالمين
مكان لا يصل إليه إلا من يراه
اقترب منهما
هذه المرة بدا أكثر وضوحا أقل نورا أقرب للمادة
قال بجدية غير
البوابة فتحت لكنها ستغلق قريبا
ومن يعبرها لا يعود كما كان
سألته ليان بصوت
متابعة القراءة