قمر الذئب العملاق يقترب
مرتجف
لماذا نحن
أجاب
لأن مصير العالم يتغير الليلة
وعليكما أن تختارا
إما أن تعودا لتحذيراهم
وإما أن تبقيا لتتعرفا على الحقيقة التي لا يتحملها البشر
نظر يوسف إلى ليان وليان إلى يوسف
كان السؤال واضحا ومخيفا
قال الكائن
اختاروا قبل أن يحترق الضوء
ساد الصمت في ذلك الفراغ الأزرق صمت لم يشبه سكون الليل ولا هدوء الموت كان سكونا يجعل القلب يضرب في الضلوع كأنه يريد الهرب ظل الضوء المحيط بهم ينساب مثل موجات بحر بلا ماء وكل موجة تحمل إحساسا لا يمكن تفسيره إحساس بأن الزمن هنا ليس زمنا وأن اللحظة لا عمر لها
وقفت ليان تحدق في الكائن الطويل الذي بدأ نوره يهدأ شيئا فشيئا حتى صار أقرب إلى ملامح واضحة يمكن لمسها لو مدت يدها أما يوسف فكان يقف خلفها نصف خطوة كأنه يريد حمايتها رغم معرفته أنه لا يستطيع حماية نفسه أصلا في هذا المكان
قال الكائن بصوت منخفض لكنه يملأ الفضاء كله
الاختيار لا يعود إلينا نحن مجرد رسل العودة ستعيد العالم إلى مساره الحالي والبقاء سيكشف ما لا يراه بشر لكن عليكما أن تفهما شيئا واحدا الباب إذا أغلق لن ينفتح إلا بعد مئات السنين
ضاقت عينا يوسف وقال وهو يتقدم خطوة
لماذا نختار نحن ما هذه الحقيقة التي تتحدث عنها وما الذي سيحدث للعالم
لم
لكن المشهد بدأ يتغير ببطء
صار الضوء أشد
الظلال التي كانت تتحرك بهدوء بدأت تقترب من المباني
ثم ظهر خط دقيق يشق السماء فوق العالم خط بدا كأنه شرخ في الهواء نفسه
قال الكائن بوضوح
العالم يتصدع ليس بسببنا بل بسببكم بحثتم في السماء آلاف السنين وطرقتم بابا لم تفهموه والليلة الباب يرد
تقدمت ليان بخطوة وهي تشعر ببرودة تخترق عمودها الفقري
تقول إن الضوء عبور لكن عبور نحو ماذا دمار احتلال
هز الكائن رأسه
لا دمار لا حرب لكن التوازن سيتغير إن بقيتما هنا ستعرفان ما يكون بعد التغيير وإن عدتما قد تنقذان البعض لكنكما لن تدرسا الحقيقة ولن تريا العبور التالي
نظر يوسف إلى ليان نظرة طويلة نظرة فيها خوف وحيرة وتعلق وفيها سؤال لم ينطق به
هل نغامر
لكن قبل أن تنطق اهتز المكان كله
اهتزاز لم يشبه زلزالا بل نبضة ضخمة تضرب في قلب الفراغ
ظهر شرخ ضوئي جديد بجانبهم شرخ يتسع بسرعة مرعبة وكأن المكان نفسه يصرخ
قال الكائن بصوت أكثر شدة
الوقت ينفد!
صرخت ليان فجأة ليس خوفا بل من فيض الأفكار التي ضربت عقلها مرة واحدة
تذكرت الصور التي التقطتها طوال حياتها الضوء الذي كانت تطارده
تذكرت الشعور الذي راودها حين رأت أول ظل يسقط من القمر ذلك النداء الغريب الذي لم تفهمه
قالت بصوت مرتعش
يوسف أريد أن أبقى
تسعت عينا يوسف
تبقين في مكان لا نعرفه وسط كائنات لا نعرف نواياها ليان هذا جنون!
قالت وهي تنظر إلى الضوء المتحرك في السماء
أنا طوال حياتي كنت أبحث عن شيء أكبر عن معنى الصور كانت مجرد طريق واليوم أشعر أني وصلت للبوابة أريد أن أعرف الحقيقة
اقترب منها يوسف بسرعة يمسك كتفيها بيديه
وأنا تتركينني
لم تستطع الرد
كانت عيناها تمتلئان دموعا وشفتيها ترتجفان
لكن نظرتها قالت أكثر مما قالته الكلمات
قال يوسف وهو يحاول السيطرة على صوته
ولو بقيت هنا هل تضمنين أن تبقي أنت أنت
تدخل الكائن
لن تبقى كما كانت ولا هو إن بقي العبور يغير كل شيء
اشتعل الشرخ في الفضاء ضوءا وبدأ يبتلع أطراف المكان البلوري
الأرض تحت قدميهما بدأت تتفتت كالزجاج
قال الكائن للمرة الأخيرة
اختاروا الآن
رفعت ليان يدها نحو الضوء بينما تراجع يوسف خطوة للخلف كأنه بين نارين
نار البقاء معها حيث المجهول
ونار
قال بصوت مكسور
ليان أنا لا أستطيع البقاء أنا إنسان والإنسان يخاف ما لا يعرف
نظرت إليه نظرة لا تنسى
فيها حب ووداع واعتذار
قالت بهدوء
وأنا أخاف أن أعود ولا أعرف
وانفجر الضوء
دفعت قوة غير مرئية يوسف بعيدا وكأنها تعرف اختياره قبل أن ينطق
سقط في دوامة ضوئية تشبه تلك التي أحضرتهما
أما ليان فاختفى جسدها في الضوء الأزرق كشمعة تذوب داخل وهج لا ينطفئ
صرخ يوسف باسمها لكن صوته تلاشى قبل أن يصل
ثم وجد نفسه يسقط يسقط حتى اصطدم بالأرض
فتح عينيه ليجد نفسه على سطح أحد المباني
السماء فوقه كانت ما تزال مضاءة لكن الشق في القمر اختفى
الكائنات النورانية بدأت تتراجع نحو الضوء الأخير ثم اختفت كأنها لم تكن
وبقي وحده
وحده تماما
اقتربت سيارات ارتفعت أصوات عاد الضجيج
لكن يوسف كان ينظر إلى القمر
وللمرة الأولى في حياته
بدا له القمر فارغا
رفع كاميرا
ليان التي وجدها بجانبه
كانت آخر صورة فيها ليست قمر الذئب
بل صورة ليان أو شيء يشبهها مغمورة في ضوء أزرق وعيونها تلمع بلون الفضة
همس يوسف
لقد عبرت ولن تعودي
ثم
ظهر خط رفيع جدا في القمر كشرخ صغير يكاد لا يرى
شرخ يشبه
ابتسامة تنتظر من يراها
وانتهت الحكاية بباب لم يغلق تماما