حضّرتُ له فطورًا… ثم خرجتُ من حياتِه بلا رجعة
المحتويات
أختي قالت الحقيقة أخيرا ولأن الليلة الماضية لم تكن المرة الأولى.
ابتلع دانيال ريقه وعيناه تنجرفان نحو خدي حيث يظهر أثر يده باهتا.
قال بصوت منخفض
قلت إنني آسف. أنت تعرفين كم أنا مضغوط. العمل العقود التسريحات
قلت وأنا أقطع حديثه بنبرة رقيقة لكن ثابتة
ليست الأشهر الأخيرة فقط. ضربتني يوم خسرت الترقية قبل ثلاث سنوات. وضربتني يوم بقيت ليلة عند أمي في المستشفى لأنك أردتني في البيت. وضربتني حين تعطل غسالة الصحون وقلت إنني حملتها أكثر مما تحتمل. هذا نمط يا دانيال. ظللت أصمت لأنني ظننت أنني أستطيع احتواء غضبك. ظننت أنني إن حاولت أكثر لن تفقد السيطرة.
قال محتجا
أنا لا أفقد السيطرة! أنا فقط
قاطعه مايكل ببرود
تختار ألا تضبطها. معها دائما.
التفت دانيال إليه بحدة
أنت لا تعرف شيئا عما يجري في هذا البيت.
قال مايكل بثقة
أعرف ما يكفي. أعرف أن أختي صارت أصغر كل عام منذ تزوجتك. أعرف أنها توقفت عن حضور عشاءات العائلة لأنك لا تريد مشاركة وقتها مع أحد. أعرف أنها تتحدث عنك كما يتحدث الناس عن عاصفة تأتي ثم تهدأ. والآن أعرف أنك تجاوزت خطا لا ينبغي أن يتجاوز مرة واحدة فكيف وقد تكرر
قبض دانيال يده على الطاولة. راقبت يده ولأول مرة أدرك أنه قد يكون أقوى جسديا لكنني لست ضعيفة. ليس اليوم. ليس وأخي هنا. وليس وقد رسخ القرار في داخلي رسوخ الحديد في العظام.
قلت بهدوء
سأغادر.
ساد صمت كثيف كأن البيت كله توقف عن التنفس.
التفت إلي ببطء وقال مذهولا
ماذا قلت
سأغادر. اليوم. جهزت بعض الأشياء ومايكل سيساعدني في الباقي. أردت أن أخبرك وأنا هادئة وصاحية وليس هاربة في الليل. سأخرج في وضح النهار. انتهى
حدق بي فتح فمه ثم أغلقه ثم اندفعت الكلمات
لا يمكنك ترك كل شيء هكذا يا إميلي! هذا بيتنا! زواجنا! الناس تمر بصعوبات! تظنين أن مجرد
قلت مقاطعة بلطف حازم
أعطيت هذا الزواج كل فرصة. ذهبت إلى الاستشارة وحدي حين رفضت الذهاب. قرأت كل كتاب أوصت به زوجة القس. حاولت أن أجعل يومك سلسا حتى لا تنفجر ليلا. عقدت نفسي عقدا لأكون سهلة العشرة كما تحب أن تقول. والآن انتهيت. انتهيت من الالتواء.
لمعت عيناه بخوف مغلف بالغضب
لدينا رهن! وفواتير! وأصدقاء! ماذا ستقولين للناس إنك استسلمت إنني وحش
قلت بثبات
سأقول الحقيقة. لأهلي. ولأي محام سأستعين به. وربما يوما لنساء يعتقدن أن الصمت يحميهن. لكنني لا أغادر لأعاقبك. طبخت الفطور لأنني لا أريد التباسا. ستقنع نفسك أنني خرجت في لحظة غضب وستتذكرني على أنني غير عقلانية. أريدك أن تتذكرني كما أنا الآن هادئة واضحة ومنتهية.
قال مرتبكا
هذا جنون. طلاق تريدين أن تصيري مطلقة تعيشين في غرفة عند أخيك أهذا أفضل من أن نحل مشاكلنا كالكبار فكري بما سيقوله الناس في الكنيسة! فكري بأمك وبصحتها!
قلت بصرامة
لا تستخدم صحة أمي سلاحا ضدي. هي ربتني على قول الحقيقة وستفضل أن تعرف ما يحدث حقا على أن تخدع لتنام مطمئنة. أما الكنيسة فسأجازف بأن يعرف الله ما يجري خلف بابنا.
سخر قائلا
إذن ستفضحين كل شيء القس أهلك ماذا أخبرت الجميع عني
قلت
أخبرت مايكل ليلة أمس أنك ضربتني مرة أخرى. وهذا وحده كان كافيا.
مال مايكل للأمام وقال
يا دانيال لم يعد الأمر سرا. فقدت حقك في السرية منذ أول مرة رفعت يدك عليها. السرية كانت تحميك أنت لا هي. وهذا ينتهي اليوم.
اشتعلت عينا دانيال
لست
قال مايكل
صحيح لكن إميلي تقرر. وقد قررت.
ثم التفت إلي بلطف
هل أنت متأكدة أنك تريدين البدء اليوم يمكننا العودة إلى بيتي وتأخذين وقتك.
قلت بهدوء عميق
لدي سنوات طويلة فكرت فيها. ليال سألت نفسي فيها إن كان الخطأ خطئي وإن كان يجب أن أصمت أكثر. صباحات غطيت فيها الكدمات بخافي العيوب. أعطيته كل الوقت الذي يمكن أن أعطيه. ولن أضيع هذه اللحظة.
نهض دانيال بعنف وصوت احتكاك الكرسي بالأرض خز في أذني. جسدي ارتجف لحظة رد فعل قديم تعلمه من الخوف. مد مايكل يده فوق الطاولة لا يمسكني بل يترك قرب معصمي ملمسا يشبه المرسى.
لاحظ دانيال ذلك فضحك بمرارة
إذن هكذا تستدعين أخاك لينقذك لأننا اختلفنا كنت دائما درامية. حسنا اذهبي. ستعودين حين ينفد المال أو حين تكتشفين أنك وحدك وأنه لا أحد سيتحمل
نهض مايكل وقال بهدوء ثقيل
كفى.
لم يكن أطول من دانيال لكنه بدا أثبت منه. نظر في عينيه وقال
لن تتكلم معها هكذا. ليس أمامي. وربما لن تتكلم معها هكذا أبدا.
تواجه الرجلان فوق الطاولة والفطائر تبرد بينهما. وتذكرت مصافحتهما الأولى قبضة قوية من دانيال ورد قوي من مايكل فكرت وقتها بأنه استعراض رجولي مضحك. واليوم بدا مقدمة لهذه اللحظة.
قال دانيال ساخرا
وماذا ستفعل ستضربني ثم تقولون إنني العنيف
أجابه مايكل بثبات
لن أمد يدي عليك. مكتب الشريف على بعد خمس دقائق وسيأتون مسرعين لو صار الأمر قبيحا. لكنني أظن أنك أذكى من أن تتجاوز الخط الذي إن تجاوزته لن يعود في مقدورك الرجوع عنه.
غرق البيت في صمت ثقيل. كان بإمكاني سماع دقات الساعة وصوت المدفأة وسيارة تمر في الخارج.
أخيرا حاد دانيال
قال بصوت أجش يختلط فيه الغضب باليأس
أأنت تلقين بحياتك بنينا هذا البيت سويا. أنت التي اخترت ذلك الطلاء الأزرق البائس لغرفة النوم. أنت التي توسلت للعيش في هذا الحي. بكيت يوم تسلمنا المفاتيح. والآن... بسبب شجارات عابرة تنسفين كل شيء وماذا عن كل ما فعلته لأجلك السفر... العشاءات... المرات التي عدت فيها مبكرا لنذهب إلى مواعيد طبيبة أمك ألا يحسب هذا
أجبته بهدوء لا يشبه أي هدوء عرفته من قبل
يحسب... كله يحسب. اللحظات الطيبة كانت حقيقية. مفاجآتك ولطفك في أسوأ أيامي وطريقتك في تهدئتي حين دخلت أمي غرفة العمليات والليالي التي كنت تنام فيها ورأسك في حجري ونحن نشاهد أفلاما قديمة... كل ذلك كان صادقا وهذا ما يجعل الأمر أشد ألما. تمسكت بتلك الذكريات طويلا وظننت أنها ستبتلع كل الباقي لكنها لم تفعل. لم تمح المرات التي شعرت فيها أنني عبء يجب التحكم به. لم تمح خوفك الذي ألقيته في صدري. لم تمح ما حدث الليلة الماضية.
وقفت ببطء واحتك الكرسي بالأرض في صوت بدا كإعلان نهائي.
شعرت بساقي ثابتتين على نحو غريب كأنهما تخصان امرأة أشجع اختارت أخيرا أن تتحكم في مصيرها.
قلت
أنا لا أغادر لأن الخير لم يكن موجودا بل أغادر لأن الشر كان يعود دائما. ولأنني أدركت أخيرا أنني لا أستطيع إصلاح شيء وحدي. قد تطلب المساعدة يوما وربما لا. لكن ذلك لم يعد مسؤوليتي.
حدق في طويلا وفي عينيه بريق يشبه صبيا ضائعا يخشى أن يفلت العالم من بين يديه.
لو رويت تلك النظرة قبل سنوات لربما انكسرت. لربما تقدمت لأواسيه.
لكن هذه المرة تعارضت رغبتي في مواساته
تناولت فنجاني شربت آخر
متابعة القراءة