حضّرتُ له فطورًا… ثم خرجتُ من حياتِه بلا رجعة
المحتويات
ما فيه ووضعته على الطاولة.
قلت
الفطور لك. كله أو اتركه. صنعته لأغادر وأنا أعلم أنني لم أتخل عن ذاتي في الطريق إلى الباب. لطالما طبخت لمن أحبهم وقد أحببتك زمنا طويلا. وربما ستظل في قلبي بطريقة معقدة لكنني أحب نفسي الآن بما يكفي لأرحل.
غادرت دون انتظار رد.
تبعني مايكل وقبل أن يخرج ألقى على دانيال نظرة أخيرة حادة كمن يختم فصلا.
في غرفة النوم كان نصف الخزانة شبه خاو.
تحركت صباحا بهدوء يشبه أحلام اليقظة أنتقي بعض الملابس سترات جينزات ملابس عملي في المدرسة الابتدائية.
على السرير رتبت أشياء تحمل عمري صورة لوالدي على مقعد خشبي ولحافا خاطته أمي من قصاصات ثياب طفولتنا.
سألني مايكل وهو يحمل أكبر حقيبة
هل تحتاجين شيئا آخر
نظرت إلى أعلى الخزانة علبة مجوهرات وصحن خزفي صغير فيه خاتم زواجي الذي خلعته الليلة الماضية دون طقوس وبجواره ورقة عليها اسم ورقم محامية وضعتها امرأة من الكنيسة في يدي يوما بصمت ورفق.
أمسكت بالخاتم قلبته بين أصابعي ثم أعدته إلى مكانه.
قلت
لا... الضروريات فقط. سأرتب الباقي لاحقا مع محامية.
أومأ مايكل وقال
لدي مكان جاهز. أمي فهمت أن شيئا يحدث. تركت الباب مفتوحا ليلا تحسبا لقدومك.
ابتسمت بمرارة
بالطبع فعلت.
عند الباب الأمامي سمع دانيال صوت الحقائب فوقف فجأة وجاء إلى العتبة.
نظر إلى الحقائب ثم إلي.
قال كمن أفاق فجأة
هذا يحدث فعلا.
قلت
نعم.
أشار برأسه نحو مايكل
أأنت تختارينه علي
قلت برفق دون تردد
أنا أختار نفسي ومايكل هو من حضر حين احتجت أحدا.
لينت عيناه للحظة
إن خرجت من هذا الباب يا إميلي فقد لا نعود.
قلت
لا ينبغي أن نعود ليس بهذه الحال.
أغمض عينيه كمن تلسعه الحقيقة نفسها.
قال
وإن طلبت المساعدة إن تغيرت
أجبته
أتمنى أن
قال بصوت مكسور
لم أظنك سترحلين حقا.
قلت
أعرف وهذا جزء من المشكلة.
فتحت الباب.
دخل هواء بارد يحمل رائحة صقيع ودخان مواقد ووقفت على الشرفة التي شهدت ذكريات كثيرة لكنني لم أنتم لها بعد الآن.
حمل مايكل الحقائب إلى الشاحنة وصعدت بجانبه.
نظرت إلى البيت للمرة الأخيرة.
كان دانيال على الشرفة حافيا يضم ذراعيه حول جسده ينظر إلي بنظرة لن أنساها لكنها لم تعد تمسك بي.
قال مايكل وهو يشغل المحرك
هل أنت مستعدة
قلت
كنت مستعدة منذ زمن فقط لم أكن أعرف.
تحركت الشاحنة ومع كل متر يبتعد كان وزن ينسحب من صدري.
رأيت البيت في المرآة يصغر ثم يختفي.
وخلال الطريق إلى بيت والدي مررنا بكل الأماكن التي شكلت سنواتي الأخيرة المدرسة متجر البقالة الكنيسة
كنت أودعها بلا ألم ولا حنين كمن يغلق بابا دون أن يندم.
قال مايكل
لسنا مضطرين للحديث لكن إن أردت فأنا هنا.
نظرت من النافذة إلى الأشجار العارية وقلت
كنت غاضبة منك يوما حين هددت دانيال يوم خطبتي. ظننتك تبالغ. واعتذرت له عنك.
ابتسم مايكل ابتسامة صغيرة
أذكر ذلك.
قلت
لكن بعد أول مرة دفعني فيها ثم بكى تذكرت كلماتك. وكنت أعلم أنك إن عرفت سينتهي كل شيء. لذلك صمت.
قال بحزم
لم تخطئي. كان عليك الاختيار بقدر ما عرفتيه وقتها. لكنه هو الذي اختار بعدها.
سألته والدموع تعود
لماذا لم تلح أكثر كل تلك السنوات
أجاب بعد صمت
سألتك ربما ليس مباشرة. كنت أنتظر ألا أكسر شيئا قبل أن تكوني أنت مستعدة. آسف لأنك اضطررت أن تصلي لهذه النقطة وحدك.
قلت بصوت خافت
آسفة لأنني جعلتك تنتظر.
وعندما وصلنا لشارع والدي رأيت
كانت الشرفة مضاءة وكأنهما يرسلان لي ملاذا.
ما إن نزلت حتى هرعت إلي أمي وضمتني بقوة.
وحين أبعدتني قليلا ورأت الكدمة على خدي امتزجت دموعها بصلابة لم أعرفها فيها من قبل.
قالت بلا سؤال
ضربك.
ولأول مرة لم أجمل شيئا لم أعتذر عنه. قلت
نعم.
قالت مباشرة
إذا ستبقين هنا. انتهى الأمر.
جاء أبي ببطء وقال
ادخلي. دفؤنا لك. لن نتركك تعودين إلا بإرادتك.
دخلت البيت الصغير الذي نشأت فيه وجلست على الأريكة التي طالما احتوتني.
قالت أمي
لا حاجة أن تخبرينا بكل شيء الآن فقط اعرفي أننا معك.
ضحكت ضحكة باهتة لكنها صادقة
لن أعود.
جلس أبي في كرسيه الهزاز وقال بصوت عميق
البقاء معا مهما كان لم يكن يوما يعني احتمال الألم أو الخوف. لو أنني رفعت يدي على أمك مرة لتوقعت أن يحضر أخوها إلى بابي. أنا فخور بما فعله مايكل اليوم وفخور بك لأنك اخترت نفسك.
اغرورقت عيناي وقلت
ظننتكم ستشعرون بالخيبة مني.
هز رأسه بحزم
لسنا خائبين بك بل خائبون منه. ومن كل ما قيل لك أنك يجب أن تتحمليه. أما أنت فقد فعلت أصعب ما يمكن لإنسان أن يفعله اخترت نجاتك.
قضينا بقية ذلك اليوم في غلالة من الهدوء تشبه الضباب اللطيف. انشغلت أمي في المطبخ تعد شطائر الجبن المحمص وحساء الطماطم مصرة على أن أدخل فراشي بمعدة دافئة رغم أنني أكدت لها أنني لم أتناول سوى لقمة صغيرة قبل أن أغادر. اتصل أبي بخالتي وعمي ليذكرهما بموعد طبيب أمي كي يتفرغ للبقاء معي. أما مايكل فقد مضى إلى المرآب يفتش في المخزن عن مدفأة إضافية للغرفة القديمة التي سأنام فيها.
تلك الليلة وفي سرير طفولتي تحت اللحاف الذي عرف كل أسراري حدقت في النجوم اللامعة التي ما زالت ملتصقة
اهتز هاتفي على الطاولة الصغيرة قرب رأسي. ظهر اسم دانيال. تركته يذهب إلى البريد الصوتي. وبعد دقائق وصلت رسالة
نحتاج أن نتحدث. رجاء أجيبي.
ثم أخرى
أنا آسف. أنت تعلمين أني لم أقصد. يمكننا إصلاح كل شيء.
ثم ثالثة
إذا لم تعودي إلى البيت لا أعلم ما الذي سأفعله.
قلبت الهاتف على وجهه. أعرف هذا الإيقاع جيدا سلسلة من الاعتذارات ثم إعلان حب ثم تهديدات مبطنة باليأس تجعلني أشعر دائما أنني مسؤولة عن سلامته. في الماضي كان ينجح. كنت سأقف وأتحرك في الغرفة جيئة وذهابا أصيغ ردودا تحاول أن توازي ألمي مع خوفه.
لكن هذه الليلة تركت الرسائل تتراكم بلا رد. كنت أعلم أنني سأتحدث معه لاحقا لكن عبر محام. أما قبل نومي فلا كلمة واحدة يستحق أن آخذها منه.
الأيام التالية بدت عادية ومع ذلك كانت تغير حياتي من جذورها. أستيقظ مبكرا أساعد أمي في الفطور وأسكب قهوة أبي في قدحه المتشقق الذي يرفض استبداله. أغسل الصحون عند الحوض نفسه الذي وقفت عنده مراهقة بعد كل عشاء أحدق في الحديقة ذاتها وفي شجرة القيقب نفسها وقد تعرت أوراقها.
وظل الهاتف يرن. رسائل من دانيال يعلو اضطرابها يوما بعد يوم بعضها غاضب بعضها متوسل. اتصالات من أمه صوتها حاد في البريد الصوتي تتهمني بأنني تخليت عنه وتذكرني بالرحلات التي اصطحبوني فيها وكأن ذكريات لطيفة تلغي الألم الذي عشته. لم أجب. خزنت كل شيء ثم أرسلته إلى البريد الإلكتروني لمحاميتي حين اتصلت بمكتبها أخيرا.
كان اسمها أنيتا موراليس. امرأة بسيطة في الخمسين من عمرها هادئة الملامح ترتدي أحذية مريحة وتضع على مكتبها
متابعة القراءة