حضّرتُ له فطورًا… ثم خرجتُ من حياتِه بلا رجعة

لمحة نيوز

من قبل.
دفعت نحوي علبة مناديل حين امتلأت عيناي دموعا وقالت
لست أول امرأة تجلس هنا ولن تكوني الأخيرة. المهم أنك هنا الآن.
تحدثنا عن المال وعن البيت وعن السيارة وعن إرث صغير تركته لي جدتي وساهمت به في الدفعة الأولى لشراء المنزل. كنت أقول لنفسي إنه استثمار مشترك ثم أدركت أنه كان قيدا ربطني بمكان لم أشعر فيه بالأمان يوما.
قالت أنيتا وهي تنقر بقلمها على دفتر الملاحظات
عمليا أنت ساهمت بقدر ما ساهم هو وربما أكثر. إضافة إلى العمل غير المدفوع في المنزل.
أومأت وشعرت أن أحدا يرى الحقيقة كاملة دون تزييف.
قالت
سنضمن أن يعترف بذلك. لن يمحو هذا الماضي لكنه سيمنحك بداية عادلة.
توقفت عند كلمة البداية. طوال حياتي ظننت أن قصتي عنوانها إميلي ودانيال. الآن رأيت على الصفحة البيضاء عنوانا جديدا لم أعرفه بعد لكنه ينتظرني.
في المساء كنت أذهب مع والدي إلى الكنيسة الصغيرة عند طرف البلدة. زوجة القس امرأة لطيفة تتذكر أعياد ميلاد الجميع أمسكت بيدي وأخبرتني عن مجموعة دعم تجتمع كل خميس. ذهبت رغم أن الفكرة أربكتني.
جلست في دائرة من كراس معدنية تحت ضوء فلوري بارد أحتسي قهوة سيئة وأستمع إلى نساء يروين نسخا مختلفة من قصتي. شعرت بوحدة أقل مما شعرت به منذ سنوات بعضهن تركن بعضهن يخططن للرحيل بعضهن عدن ثم غادرن مرة أخرى. لم تكن أي منا حكاية تحذيرية أو صورة نمطية. كنا
بشرا بقينا طويلا في أماكن موجعة لأننا أحببنا وصدقنا أننا قادرون على حمل ما ينكسر في الآخرين.
في ليلة ما وبعد الاجتماع خرجت إلى الموقف. كانت هناك سيارة مألوفة تقف بعيدا. انقبض قلبي. قبل أن أقرر ماذا أفعل تقدم ظل طويل نحو ضوء المصباح.
دانيال.
كان يقف بثقله كله في معطفه يداه في جيبيه ويبدو أصغر مما أتذكره. غريزتي الأولى كانت أن أعود إلى الداخل أنادي إحداهن أو أتصل بمايكل. ولكن شيئا آخر نهض بداخلي إدراك بسيط أنني لست مطالبة بالخوف ما دمت أعرف أنني لا أدين له بشيء.
وقفت على بعد أمتار وأبقيت مسافة كافية بيننا.
قلت
لا ينبغي أن تكون هنا.
زفر وصارت أنفاسه بخارا في الهواء
اتصلت بوالديك. قالوا إنك في الكنيسة. أردت أن أتحدث فقط.
قلت بوضوح
يمكنك التحدث مع محاميتي. ليس مناسبا أن تقترب مني بهذه الطريقة.
نظر تجاه باب الكنيسة
مجموعة دعم أليس كذلك تجلسين هناك لتخبري الجميع أنني وحش.
قلت بهدوء
لا. نجلس لنطمئن بعضنا أننا لسنا مجنونات لأننا نريد الأمان.
ارتعش وجهه.
قال بعد لحظة
بدأت أرى مختصا إدارة غضب حتى إنني ذهبت إلى مجموعة الرجال التي أوصى بها القس ديف.
قلت بصدق
أنا سعيدة لأجلك. كنت بحاجة لذلك منذ زمن.
قال بصوت متحشرج
لا أضرب أحدا في العمل ولا أصرخ في وجه أصدقائي لا أعرف لماذا أنا
قاطعته برفق
أنت تعرف. كنت تشعر بالأمان لتفعل ذلك معي لأنني سامحت
وبقيت وغطيت عليك حين سأل الناس عن الكدمات. كنت العالم المغلق الذي استطعت أن تخبر نفسك داخله أنك لست سيئا.
انخفض رأسه
أفتقدك.
قلت
وأنا أفتقد أجزاء من حياتنا الجيدة منها. لكن ذلك لا يجعل السيىء مقبولا.
ابتلع ريقه
إن واصلت العلاج إن تغيرت هل هناك احتمال
قلت دون قسوة لكن بحزم كامل
لا. ليس لنا. أتمنى لك الشفاء لكن ليس من أجلي. لا أريد أن أكون المعيار الذي تقيس به صلاحك.
هبطت كتفاه.
قال بصوت مكسور
إذا هكذا ينتهي كل شيء.
قلت
هكذا ينتهي هذا الجزء فقط. الجزء الذي كنت تؤذيني فيه ثم تقنعني بالبقاء. في قصتي الآن مساحة لشيء أكبر من أن أكون زوجتك.
رفع رأسه عيناه دامعتان
أنا آسف حقا.
قلت
أعرف. وهذا له قيمة لكنه لا يغير ما علي فعله.
لحظة صمت امتلأت بما لن نعيد كتابته أبدا. ثم استدرت ومضيت نحو سيارة والدي.
ناداني
شكرا على الفطور ذلك الصباح. جعلني أرى شيئا لم أرد رؤيته.
قلت فقط
على الرحب. اعتن بنفسك يا دانيال.
وركبت السيارة.
بعد أشهر وبعد توقيع الأوراق وتقييم البيت وتقاسم الحسابات انتقلت إلى شقة صغيرة من غرفتين في الطابق الثاني غير بعيدة عن منزل والدي. فيها شرفة لا تتسع إلا لكرسي وأصص قليلة. تطل نافذة غرفة الجلوس على الموقف وخلفه مساحة عشبية يجري حولها الأطفال بدراجاتهم.
في الليلة الأولى هناك استلقيت في سرير مستعار بينما تتصاعد رائحة الطلاء الخفيفة.
استمعت إلى الأصوات الجديدة تلفاز جار همس السيارات عواء قطار بعيد. لم يكن هناك شخير ثقيل بقربي ولا خوف من مزاج قادم عبر الباب.
كان هناك نفسي فقط.
في صباح الأحد جاء والداي ليساعداني على تعليق الستائر وتركيب رف رخيص اشتريته. ثبت مايكل قفلا جديدا للباب. ملأت أمي ثلاجتي ببقايا الطعام مكتوبا على كل علبة اسم اليوم.
وعند الباب لمست وجهي بحنان وقد اختفت آخر آثار الكدمات. ابتسمت وقالت
تبدين وكأنك عدت إلى نفسك.
قلت
أحاول أن أتذكر من تكون.
بعد رحيلهم صنعت كوب شاي وخرجت إلى الشرفة. هواء ديسمبر كان يعض خدي لكن السماء بلون أزرق شاحب فوق المكان الهادئ. رأيت جارا يسحب شجرة عيد الميلاد من سيارته وطفلين يقفزان حوله بحماس.
ضممت الكوب بكلتا يدي واستنشقت البخار.
كان الصمت حولي مختلفا عن الصمت الذي عشت فيه سنوات. ذاك كان ثقيلا بالخوف ممتلئا بكلمات ابتلعتها ومشاعر دفنتها. أما هذا فكان صمتا رحبا ينتظر.
فكرت في لحظة قلت فيها بثبات سأغادر. لم تكن عاصفة كما تخيلت. كانت هدوءا شديدا كمن يغلق بابا استنزف منه أكثر مما أعطى.
لم أكن أعلم شكل حياتي الجديد تماما. لدي شقة صغيرة وعمل أحبه ووالدان يحبانني وأخ حضر حين احتجته وجداول لمواعيد الدعم ومحامية بطاقة اسمها في محفظتي.
ولدي أنا.
وضعت الكوب على الطاولة الصغيرة ورفعت بصري إلى السماء الواسعة وقلت همسا
أنا حرة.
ولم
تكن دعاء أو محاولة للاقتناع.
كانت حقيقة كاملة تقال تحت سماء مفتوحة.

تم نسخ الرابط