حاول صبي ذو سبعه اعوام
المحتويات
اختنق. بالكاد سمع كلماتا أنا آسف يا سيف. كانت بسيطة لكنها الحقيقة الأولى النقية التي قالها بصوت مسموع منذ زمن.
نزلت دمعة واحدة من عين سيف فبدت كحبة لؤلؤ صغيرة على وجنة شاحبة. لم يبتسم الطفل لكنه حرك شفتيه كأنه يقول أب ثم زاد تعبيره شيئا من الاطمئنان البطيء. لم يفهم أحد كامل معنى هذه الحركة الصغيرة إلا مريم التي وقفت هناك ورفعت يدها تخفي عطيتها كانت تعرف من خبرتها أن الأطفال المصابين بصدمة كبيرة يعطون إشارات صغيرة تحتاج لمن يفهمها.
خلال الأيام التالية تغير روتين الفيلا ببطء لكنه واضح. مريم لم تكن فقط عاملة منزلية كانت مرشدة صغيرة شمسا تتسلل من بين شقوق الستائر الداكنة. لا لم تحرر البيت من حزنه بين ليلة وضحاها لكنها أعادت شيئا لم يكن موجودا حضور أنثوي دافئ لا يطالبه أحد بكونه معجزة فقط ثبات واهتمام.
فياض بدأ يلاحظ أشياء لم يعد يراها منذ سنوات صوت خطوات صغيرة في الحديقة عند الظهر رائحة فطائر طازجة في المطبخ صفحات كتب للأطفال مبعثرة على سجادة غرفة المعيشة. أوقات صغيرة من حياة بدا أن البيت يخفيها لكنها أخيرا بدأت تتشكل.
مريم كانت تعامل سيف كطفل له عوالمه الخاصة. لم تهلهل برفق
أول ضحكة سمعتها الفيلا منذ سنوات جاءت بشكل مفاجئ في يوم ممطر حين أخرجت مريم صندوقا مليئا بالكرات الصغيرة من زاوية مخبأة وضعته في حمام صغير للأطفال بالقرب من غرفة المعيشة دعته يلعب. لم يضحك سيف بصوت مجلجل لكن شفتيه ارتفعت لثوان طويلة وظهر بريق الغبار القديم على عينه. فياض الذي كان يجلس بعيدا شعر بما يشبه الألم والامتنان يختلطان معا. لم يستطع منع دمعة تلوح بماضيه المزدوج فقد وحياة متجددة في آن.
لكن لا طريق نحو الشفاء يخلو من مقاومة. الزوجة التي سنسميها منى لم تقبل بسهولة بدور مريم هذا في البيت. كانت ترى في كل دفء صغير تهديدا لسطوتها وكأن الحب أو الرعاية سيأخذ شيئا من حصتها من السلطة. محاولة فرض نفسها بأساليبها القديمة لم تجدي فكلما علت أصواتها كانت مريم تهدأ وترد بلطف لا يفتقر إلى حجارة حادة في الكلام لكنه كان كافيا لإظهار
مرت أيام ثم أسابيع. بدأت فياض يزور الأطباء مع سيف أقل بوتيرة مزعجة لا لأنه استغنى عن المساعدة الطبية بل لأن شيئا داخليا تغير كان هناك من يهتم ببعض من فوضى الروح ومن يتابع تفاصيل الأنشطة البسيطة التي يحتاجها الطفل ليشعر بأنه لا يزال طفلا. وبدأت مريم بمشاركة أفكار عن أنشطة منزلية تساعد في تحريك اليدين والأكتاف تمارين بسيطة ألعاب تختبر التوازن قصص تستخدم فيها الأصوات لتفعيل التواصل. كانت تستشير الأطباء تقرأ وتتواصل مع مهنيين من خارج الفيلا.
في إحدى الأمسيات وبعد أن غادرت منى الغرفة بوجه متجهم استدعى فياض مريم إلى مكتبه الصغير بجانب الحديقة. كان يجلس أمام نافذة تطل على البحر البعيد وعيناه تعبران عن تعب قديم ورغبة في العودة لذات ما.
مريم. بدأ بصوت ثاقب. أنت تغيرين البيت. لا أملك كلمات لوصف ما فعلته.
مزجت الكلمات بين الامتنان وخجل حاد. نظر إليها وكأنه يشحذ قدرة ما على الاعتراف بضعفه. أريد أن أشكرك. وأريد أن أعرف عنك أكثر.
ابتسمت مريم بابتسامة هادئة قليلا ما تكشف وجها لا يظهر كل شيء. تحدثت قليلا عن محاضن الأطفال عن فترة طلاقها وعن أنها فقدت أطفالا
لو سمحت لا تتغيري. همس كأنها نذر لا طلبا.
الصراع وصل إلى ذروته حين حاولت منى أن تزيح مريم من البيت. كانت محاولة مدبرة ببرودة اتهمتها بعدم الكفاءة وبأنها تتدخل في شؤون العائلة. لكن في لحظة القرار وقف عدد من الخدم ومن بينهم عم إبراهيم إلى جانب مريم. وقف كذلك الطبيب النفسي الذي كان يتابع حالة سيف حكما موضوعيا غاب عن منى قال بصراحة إن التحسن الواضح في سيف مرتبط مباشرة بوجود مريم. قالت إحدى المعلمات في الحيالتي زارت المنزل بدعوة لمهمة مدرسيةإنها لاحظت إشعاعا جديدا على الطفل.
كانت تلك اللحظة التي تفتت فيها سفينة منى. لم تعد تملك دعما كفاية. بدا لفياض أن الأمر لم يعد مجرد نزاع منزلي بل انقلاب أخلاقي. في قرارة نفسه عرف أن استمرارية بيت بلا احتواء ليست حياة. قرر وبصوت ارتجف قليلا أن ينهي وجودها في المنزل بطريقة لا تحمل حقدا فأخلا البيت من سمومه بطريقة مدنية إعطاء منى مكافأة مالية كافية لترك المكان وطلب عدم العودة. لم يكن هذا قرارا
متابعة القراءة