حاول صبي ذو سبعه اعوام

لمحة نيوز

 كان ضروريا.
خلال الأيام التي تلت انسحبت منى كظل منفي تاركة وراءها سلسلة من الأشياء التي كانت قد اعتادت أن تفرضها صمتا ثقيلا
ومرارة متبقية. لكن مريم وبصبرها وطريقتها أخذتا البيت نحو بدايات جديدة.
مرت السنة الثانية ومعها رأى فياض تحولا لا يصدق سيف اتسعت عيناه للحياة بدأ يتكلم ببطء أكثر يحاول الضحك مجددا يشارك في أنشطة بسيطة مع الأطفال في الحي بقسوة العالم وخوفه لكنه كان يقاوم. كان فياض يعود من عمله ويتلقى من ابنه سؤالا بسيطا أبوي ليه السمك بيطير في البالون فيضحكان معا على لعبة خيالية كانت مخترعة بيد طفولية. كانت الضحكات نادرة لكنها حقيقية.
مريم لم تطلب شيئا من فياض إلا أجرها ورضاها عن عملها. لكن العلاقة بين الرجل والمرأة تطورت ببطء طبيعي كطعام بارد يعاد تسخينه حتى يصبح صالحا للأكل. احتوى فياض خجله وأجاب على بعض اهتمامها بحذر ثم بابتسامة متزايدة. لم يهرب من ذكرياته بل بدأ يرويها لصديق جديد في البيت حكايات عن ناريمانزوجته الراحلةعن صوتها وعن طريقتها في إعداد

شاي بالحليب عن خيط صغير من جمال جعل الحياة قبل الحادث مختلفة تماما. لم يكن هذا إحياء للماضي بقدر ما كان تكريما لما فقد.
أما مريم فكان لديها هدية بسيطة لا ترغب بتغيير فياض بل بتشكيل فضاء آمن فيهما كلاهما يمكن أن يتنفس. قالت مرة لصديق قديم عبر الهاتف إنها لا تطمع في لقب أو مكانة تريد فقط أن ترى الطفل يضحك. وأضافت إذا أعطيتني المساحة سأعلمه كيف يجد طريقه.
الأوقات الجميلة جذبت الأنظار. جيران الفيلا بدأوا يلحظون صوت الأطفال في الحدائق بدأ كلب الحي يلاحق سيف ليقفز حوله وطفلات الحي يدعون سيف للعب. الجميع لاحظ أن البيت لم يعد مكانا يشبه قبرا مزينا. زيارة واحدة بسيطة لأم أحد أصدقاء سيف جعلت الأخبار تتمدد في الشارع الولد بقى يتكلم! والبيت فيه روح! هكذا بدأت ألسنة الناس تتمدد لكن لم يعد ذلك يزعج فياض. كان في داخله نوع من السلام.
لكن الحياة لا تمنح السلام بلا اختبار. ذات مساء جاء رجل يرتدي ملابس أنيقة يحمل في يده ظرفا سميكا وقال إنه محامي. تصاعد القلق في ذهول كانت شركة فياض
في ورطة مالية في أحد فروعها صفقة تخيلية وراءها عدو قديم يسعى للضغط عليه. أجبر فياض على التفرغ لأعمال لم يكن يريدها وقضى لساعات متأخرة في المكتب يغوص في أرقام لا تكاد تنتهي.
تراجعت بعض اللحظات السعيدة لكن مريم لم تتخل عن مسؤولياتها البسيطة عندما يعجز الرجل عن النوم كانت تجلب له كوبا من الشاي وتجلس لتحادثه لثوان لا بأس إن لم تكن تلك دبلوماسية بالمعنى الدقيق فقد كان حضورها هو الذي يخفف عنه ذلك العبء الدقيق.
مع الوقت وبعد شهور من المجهود المتواصل نجح فياض في حل أزمة الشركة بصفقة ذكية وصبر طويل لكنه أدرك أن ثمن هذه اللعبة كان قساوة على حياته الأسرية. قرر أن يعيد ترتيب أولوياته الأسرة قبل كل شيء.
الختام وليس النهاية.
في حفل صغير أقيم في الحديقة حضر الخدم وبعض الجيران وبعض أصدقاء العمل القلائل. وضعوا كرة ملونة في وسط العشب وأحضروا أطعمة بسيطة. سيف جال بين الضيوف مبتسما ليس ابتسامة مسروقة بعد الآن. فياض قف بجانبه ويمسك بيده وكل منصرف إليه يراهما يقول هذا بيت بدأ يستعيد
أنفاسه.
مريم لم تنظر إلى الجوائز أو إلى نظرات الشكر. جلست على مقعد بجانب العم إبراهيم ومسحت جبهتها بحركة بسيطة. في هذه اللحظة بدا أنها كذلك امرأة ترفض أن تكون بطلة رواية تشتهي الجوائز. كانت بطلة أشياء صغيرة أمسكت بيد طفل حين خاف من العتمة سمعت كلمات لا أحد سمعها أعطت شيئا كان مفقودا.
فياض التفت إليها وبدت الكلمات هذه المرة لا محاولات للتصالح مع الماضي بل اعتراف حار أشكرك مريم. يا ترى هل تقبلين أن تبقى معنا
ابتسمت بخجل ثم قالت إن بقيت فليس لأنني أحتاج إلى منزل فخم. بل لأنني أريد أن أرى هذا الوجه يضحك كل صباح. نظرت إلى سيف ثم إلى فياض وقالت أريد أن أساعدكم أن تكونوا معا ليس كحل نهائي لكن كبداية.
التفت فياض إلى سيف وقال له هل تود أن تسميها أمك كانت هذه لحظة اختبار صغيرة ليست رسمية ولا بحكم قانوني فقط كلمة تعطي طاقة. نظر سيف إليها طويلا ثم مد يده نحو مريم وضمه بحنو قاصر. لم ينطق بكلمة أمي بصوت واضح لكنه أمر كاف لمن حضر. وهكذا بخطوات هادئة لم يعاد كتابة الماضي لكن قبل
الغد.
تمت

 

تم نسخ الرابط