رواية ما لم تقله العادات أن الامان يصبح حبا كاملة جميع الفصول بقلم اسما السيد
رفضته لصغر سنه رغم أن الفارق عام واحد فقط ورغم أن القلوب تميل لبعضها تزوجت باخيه فهرب ورحل ليموت أخيه ويعود هو لبيت العائله وبعد تمام عدتها تعود الأعراف لتحكم بينهم تواجه تنهار وفي النهاية تلتقطها ذراعيه. ليتحول الامان عشقا صامتا. ويحدث ما لم يتوقعه أحد .
ثلاثة أعوام فقط مضت على زواجها ثلاثة أعوام لم تكتمل فيها الألفة بعد حتى جاء الفقد ليقطع الطريق قبل أن تفهم إلى أين كانت تسير حياتها.
حين أعلن الخبر لم تصرخ.
لم تسقط.
جلست حيث كانت تحدق في الفراغ كأن الكلمات لم تعنها بعد.
النساء من حولها يرفعن أصواتهن بالبكاء وكأن الحزن لا يعترف به إلا إذا سمع.
أما هي فكان حزنها صامتا كثيفا أشبه بثقل على الصدر يمنع التنفس.
في الصعيد لا تكون الأرملة شأنا خاصا. تصير أمرا عاما تتداول قصتها قبل أن تجف دموعها.
فالموت لا ينهي الزواج فقط بل يفتح بابا آخر من الأسئلة التي لا تقال مباشرة لكنها تفهم دون شرح.
كانت تعلم ذلك. وتعلم أن أيام الحداد مهما طالت لن تكون سوى مهلة قصيرة قبل أن يعاد ترتيب مصيرها.
امتلأ البيت بالرجال في اليوم الأخير من العزاء.
كبار العائلة وأبناء العم وكل من يرى لنفسه حقا في إبداء الرأي.
جلست في الغرفة الداخلية لا تشاركهم الجلسة لكن أصواتهم تصل إليها واضحة وإن لم تميز الكلمات.
كانت تعرف أن اسمها يذكر. وأن أبناءها يذكرون معها. وأن القرار يصاغ بعيدا عنها.
حين رفعت رأسها رأته واقفا عند مدخل الدار.
لم يدخل. ولم يتقدم خطوة واحدة. كان أخو زوجها. عاد من الغربة. لم تره منذ سنوات. كان آخر عهدها به
الآن بدا مختلفا أكثر صلابة أقل ترددا كأن الزمن صقل ملامحه وترك فيها أثره.
تلاقت أعينهما للحظة قصيرة لكنها كانت كافية لتعيد إليها زمنا حاولت نسيانه.
لم يقترب ليعزيها. اكتفى بإيماءة خفيفة ثم أدار وجهه. شعرت بشيء ينقبض في صدرها. لم تكن تلك نظرة شفقة ولا مواساة. كانت نظرة حساب. عادت بذاكرتها إلى سنوات مضت إلى وقت لم تكن فيه زوجة ولا أرملة بل امرأة تقف عند مفترق طريق.
وقتها كان هو من أرادها. لم يعلن ذلك صراحة أمام العائلة لكنه قاله لها بصوت خافت وفي لحظة صدق لم تتكرر. وكانت هي من قالت لا. لم يكن الرفض قاسيا في ظاهره لكنه كان حاسما.
قالت لا لأنها أكبر منه بعام. لا لأن كلام الناس لا يرحم. ولا لأنها خافت عليه أكثر مما خافت على نفسها.
بعدها بفترة قصيرة تقدم أخوه الأكبر. وافقت دون مقاومة تذكر وأقنعت نفسها أن ما فعلته تضحية واجبة لا خسارة. ثم سافر هو. غاب طويلا. وكأن الماضي قرر أن ينسحب بصمت.
والآن عاد بعد موت أخيه ليقف في المكان ذاته لكن في زمن مختلف وتحت ظروف أثقل.
دخلت إحدى النساء إلى الغرفة وقالت بنبرة حاولت أن تبدو لطيفة
الأولاد أمانة في أعناقنا جميعا.
حكايات توته وستوته للكاتبه اسما السيد
فهمت المعنى دون أن يقال.
مع حلول الليل خفت الأصوات وبقي البيت غارقا في سكون موحش.
جلست وحدها تتأمل تفاصيل المكان الذي كان يمتلئ بحضوره قبل أيام قليلة.
طرقة خفيفة على الباب قطعت شرودها.
ترددت قبل أن تفتح.
كان هو.
وقف عند العتبة لم يدخل ولم ينظر طويلا.
قال بهدوء
أومأت دون أن تنطق. وهو بعد اختلاف نظره مشتاقه لها أغلق الباب خلفه وبقيت هي تستند إليه تشعر أن الحزن لم ينته بعد لكن شيئا آخر بدأ.
لم يكن موت زوجها نهاية حكايتها. كان بدايتها الحقيقية معه هو .
لم يكن الحب حدثا واضح البداية في حياتها بل تسلل إليها ببطء حتى كادت لا تنتبه إليه إلا بعد أن صار حقيقة.
كان موجودا في التفاصيل الصغيرة في حضوره الدائم في نظرته التي تسبق كلماته وفي صمته الذي بدا أحيانا أكثر فصاحة من الكلام.
كان أصغر منها بعام واحد فقط لكن هذا العام كان كافيا ليمنحه في نظر العائلة صفة الأصغر التي لا تزول. وفي أعرافهم الأصغر لا يقدم ولا يؤخذ على محمل الجدية خاصة إذا تعلق الأمر بالزواج. وهو حبيبي لم يكن كثير الكلام.
يجلس في مجالس العائلة منصتا يراقب أكثر مما يتحدث. وحين تتكلم هي كان ينظر إليها كأن العالم كله قد اختصر نفسه في صوتها. كانت تشعر بتلك النظرات وتتجاهلها عن عمد. تخبر نفسها أن ما تراه ليس سوى وهم وأنها لا ينبغي أن تفتح بابا تعرف مسبقا أنه سيقود إلى طريق مسدود.
لكن القلب لا يعرف الحسابات. في إحدى الأمسيات التقيا وحدهما في فناء الدار. حكايات اسما السيد
كان المكان هادئا والليل قد أرخى ستائره والهواء يحمل برودة خفيفة.
تردد طويلا قبل أن يتكلم ثم همس بتردد كأنه ينتزع الكلمات من صدره انتزاعا
أريد الزواج منك يا صفا. انا اعشقك . انا . قالها دفعة واحدة كمن كان يحارب بصمت.
لم ترفع رأسها فورا. شعرت أن الجملة وقعت عليها بثقل لم تكن مستعدة له رغم أنها توقعتها. اردفت بعد لحظة صمت طويله
عمرو. تعلم أن هذا غير ممكن في اعرافنا. انا.
قاطعها
لأني أصغر منك
لم تجب.
كان الصمت اعترافا كافيا.
هتف محاولا التماسك عام واحد فقط. لا أكثر. استطيع الوقوف بوجه الجميع من اجلك. لو قلتي نعم.
رفعت نظرها إليه واجابته بصوت خافت لكنه حاسم
ليس العام هو المشكلة بل ما سيقوله الناس. لن أكون سببا في كسر رجولتك يا عمرو افهمني ارجوك.
ابتسم ابتسامة قصيرة لم تصل إلى عينيه. ومن قال إنني سأكسر
أجابت بصراحة موجعة انا أخاف عليك أكثر مما أخاف على نفسي.
لم يفهم كلامها كما قصدته. ظن أن خوفها ذريعة وأن رفضها نقص في شعورها نحوه. هي لا تحبه. وانتهي
قال بمرارة واضحة لو كان احد غيري هل كنت ستفكرين
ترددت ثم قالت ربما. تلك الكلمة كانت أقسى من الرفض الصريح.
ف ربما تعني أن المشكلة ليست فيه وحده بل في كل ما يحيط بهما.
مرت الأيام بعدها ثقيلة. لم يبحث عنها. ولم تبحث عنه هي.
كلاهما اختار الصمت كل بطريقته. ثم جاء ما كانت تخشاه وتنتظره في آن واحد.
تقدم أخوه الأكبر. كان رجلا مستقرا معروفا بين الناس مناسبا في نظر العائلة من كل الجوانب.
لم يكن في الأمر مفاجأة بل كأن الجميع كان ينتظر هذه اللحظة.
حين أبلغت بالأمر شعرت أن القرار قد اتخذ قبل أن يعرض عليها. فكرت طويلا ثم وافقت. قالت لنفسها إن هذا هو الاختيار العقلاني.
وإن الحب مهما بدا صادقا لا يكفي لبناء حياة في مجتمع لا يرحم. لم تحاول أن تشرح له. لم تطلب منه أن ينتظر. ظنت أن الابتعاد أقل إيلاما من أمل لا يمكن تحقيقه.
في يوم عقد القران لمحته واقفا في طرف المجلس. لم يقترب ولم يشارك في التهاني. كان وجهه جامدا وعيناه خاليتين من أي تعبير.
لم تنظر إليه طويلا. شعرت أن النظرة قد تهزمها.
بعد أيام قليلة