رواية ما لم تقله العادات أن الامان يصبح حبا كاملة جميع الفصول بقلم اسما السيد

لمحة نيوز

عنها لا يحمل انتظارا للمقابل.
في تلك الليلة جلست وحدها تعيد النظر في أسباب رفضها.
سألت نفسها بصدق هل كان الرفض خوفا عليه
أم خوفا من مواجهة الناس
وللمرة الأولى لم يكن الجواب واضحا.
كان الاقتراب قد بدأ لا بخطوات كبيرة بل بتراجع بطيء عن المسافة القديمة.
ولم تكن تعلم إن كان هذا الاقتراب سيقودها إلى الطمأنينة أم إلى مواجهة مؤلمة لا مفر منها.
لكنها كانت تعلم شيئا واحدا. أنها لم تعد قادرة على تجاهل ما يحدث.
لم تعد الأسئلة قابلة للتأجيل. ذلك الاقتراب الهادئ الذي بدأ بلا نية معلنة صار أثقل من أن يحتمل دون كلام. كانت تشعر أن كل صمت جديد يراكم سوء الفهم وأن الهروب لم يعد ممكنا كما كان من قبل.
في مساء هادئ حين خلا البيت إلا منهما وجدته جالسا في الفناء ينظر إلى الأرض كأنها تحمل إجابة لا يعرف كيف يطلبها.
ترددت قبل أن تقترب لكنها فعلت.
قالت بصوت منخفضعلينا أن نتحدث.
رفع رأسه ببطء وكأن الكلمات كانت تنتظره منذ زمن كنت أعلم أن هذه اللحظة ستأتي.
جلست قبالته وضمت يديها إلى بعضهما محاولة أن تثبت ارتجافهما.
قالت أنا لا أرفضك لأنك أصغر مني. لم يكن العمر يوما المشكلة الحقيقية.
نظر إليها باهتمام دون مقاطعة. إذن لماذا
تنفست بعمق ثم إجابته لانني خفت. خفت من الناس ومن كلامهم ومن أن أضعك في مواجهة لا تستحقها. اخترت الطريق الأسهل وسميته تضحية.
ابتسم ابتسامة قصيرة وفيها شيء من الألم.
هل تعلمين ما الذي آلمني أكثر من رفضك
هزت رأسها نفيا. أنك لم تمنحيني فرصة أن أختار. قررت نيابة عني أنني لن أحتمل.
سكت قليلا ثم تابع بصوت أكثر هدوءا
سافرت وأنا أحمل شعورا بأنني لم أكن كافيا. لا لك ولا لنفسي.
اغرورقت
عيناها بالدموع. م أقصد أن أؤذيك.
أجاب أعلم. لكن النوايا الطيبة لا تمنع الألم.
ساد صمت طويل. لم يكن صمتا متوترا بل صمت اعتراف متبادل.
قالت أخيرا لآن الأمر مختلف. هناك أولاد وهناك عرف وهناك ضغط. وأنا لا أريد أن أكرر الخطأ.
نظر إليها بثبات وأنا لا أريد زواجا يبنى على الخوف ولا قبولا بدافع الضعف.
اقترب قليلا دون أن يتجاوز حدودها. ان اخترت الرفض فسأحترمه. لكن إن اخترت القبول فليكن لأنك ترينني رجلا لا حلا.
أغمضت عينيها لحظة. كانت تسمع صوت الماضي وصوت الناس وصوت قلبها وكلها تتنازعها. فتحت عينيها وقالت بصوت أكثر وضوحا ان قبلت فلن يكون لأن العرف أجبرني بل لأني أريد أن أبدأ من جديد. بلا شعور بالذنب.
لم يبتسم ولم يحتفل. اكتفى بأن قال هذا كل ما أردته يوما.
في اليوم التالي حين اجتمعت العائلة لم تكن نظرتها منكسة ولا صوتها مرتجفا.
قالت قرارها بهدوء وحددت شروطها بوضوح.
لم يكن الجميع راضيا لكنهم لم يجدوا ما يعارضون به امرأة تتكلم بثبات.
أما هو فوقف إلى جوارها لا أمامها ولا خلفها. 
وفي تلك اللحظة أدركت أن ما خافت منه طويلا لم يكن فرق السن ولا كلام الناس بل شجاعتها في أن تختار.
لم يكن الزواج نهاية القصة بل بدايتها الحقيقية.
لم تكن تلك الليلة تشبه ما تخيلته طويلا ولا ما خافته.
كانت أهدأ مما توقعت وأثقل مما بدت عليه في ظاهرها.
دخلت الغرفة بخطوات مترددة كأنها تعبر حدا غير مرئي بين حياتين.
لم تكن عروسا للمرة الأولى لكنها كانت كذلك في شعورها
فالزواج الذي يبدأ بعد فقد لا يشبه أي بداية أخرى.
كان هو واقفا قرب النافذة يترك مسافة كافية بينهما كأنه يخشى أن يربكها بقرب لم تطلبه بعد.
حين
التفت إليها رأى في عينيها خليطا من القلق والإنهاك لا فرحا صاخبا ولا خوفا صريحا.
قال بهدوء إن أردت أن نؤجل الحديث. أو أي شيء فالأمر لك.
نظرت إليه مطولا. كانت تلك أول مرة تشعر أن السيطرة ليست عبئا بل طمأنينة.
لا أريد تأجيلا همست بخجل ثم أضافت بصدق لكنني أحتاج أن أصدق أنني هنا لأنني اخترت.
اقترب خطوة واحدة فقط وتوقف. واختطفها اخيرا بين ذراعيه.
وأنا هنا لأني ما زلت أختارك لا لأن أحدا قرر ذلك. احبك صفا اكتملا معا.
اجتمعا لم تكن الجلسة مرتبة ولا الكلمات محفوظة.
كانت لحظة بشرية خالصة يسودها عشق خالص أكثر مما يسودها الشغف.
تحدثا عن أشياء صغيرة عن الأطفال
عن الغربة عن السنوات التي مرت ولم تمنحهما فرصة الفهم.
قال فجأة وهو يحتويها وكأنه يعترف بشيء ظل يؤجله كنت أخشى هذه الليلة. ليس لأنني لا أريدها بل لأنني أردتها طويلا.
شعرت بقلبها يلين. يعشق. وأنا خشيتها لأنني ظننت أنني لا أستحق بداية جديدة.
ساد صمت لكنه لم يكن صمت خوف بل صمت تعارف متأخر.
مد يده ببطء لا ليستولي بل ليطمئن.
وحين لم تسحب يدها شعر أن المسافة بينهما لم تعد جدارا.
لم يكن الاقتراب مفاجئا بل طبيعيا كأنه تأخر أكثر مما يجب.
في تلك الليلة لم يكن الجسد هو ما اجتمع أولا
بل الثقة. ناما وقد انزاح عن صدرهما ثقل سنوات من التردد.
لم تكن ليلة مكتملة بالمعنى التقليدي لكنها كانت صادقة.
وحين أشرقت الشمس لم تستيقظ وهي تتساءل إن كانت قد أخطأت.
بل شعرت للمرة الأولى منذ زمن طويل أنها في مكانها الصحيح.
نظر إليها وقال بصوت مبحوح من أثر السهر صباح الخير يا عشقي العمر
ابتسمت. صباحك بكل الحب
لم يكن ما جمعهما انتصارا على العادات ولا تعويضا
عن خسارة قديمة
بل اتفاقا صامتا على ألا يضيعا أنفسهما مرة أخرى.
وكان ذلك كافيا.
لم يكن الاعتراف سهلا رغم أن كل شيء كان قد صار واضحا.
فبعض الكلمات مهما تأخرت تحتاج شجاعة أكبر حين تأتي في وقت الأمان لا في لحظة الخوف. حكايات اسما السيد
كانت تجلس قرب النافذة في الصباح التالي تراقب الضوء وهو يتسلل إلى الغرفة ببطء.
شعرت بسكينة لم تعهدها منذ زمن سكينة لا تأتي من غياب الألم بل من غياب القلق. اقترب منها وجلس على مسافة قريبة دون استعجال.
قال بعد صمت قصير هل تشعرين بالندم
التفتت إليه وبدا السؤال أعمق مما احتملته كلماته.
ابدا. قالت بثبات اشعر بشيء لم أعرفه من قبل. أشعر بالأمان.
تنفس بعمق وكأن الكلمة لامست شيئا ظل يبحث عنه طويلا.
هذا كل ما كنت أريده لك. ولي.
سكت قليلا ثم تابع بصوت أكثر صدقا أقل حذرا
أحببتك منذ زمن ولم يتغير ذلك. تغير شكلي وتغيرت حياتي لكن هذا لم يتغير.
لم تقل شيئا فورا.
لا لأنها لم تشعر بل لأن الاعتراف حين يأتي متأخرا يحتاج ترتيبا داخليا.
قالت أخيرا كنت أظن أن الحب رفاهية لا نملكها. وأن الحكمة تعني التنازل عنه.
نظرت إليه وأضافت لكنني اكتشفت أنني كنت أخاف أكثر مما أتعقل.
ابتسم ابتسامة هادئة خالية من العتاب.
وأنا كنت أظن أن الصبر يعني الغياب. حتى تعلمت أن البقاء أحيانا أشجع.
مد يده لا ليأخذ بل ليطمئن. وضعت يدها في يده دون تردد.
أحبك قالتها أخيرا لا كاعتراف متفجر بل كحقيقة استقرت.
لم يجب فورا. شد على يدها برفق ثم قال
كنت أنتظر هذه الكلمة لا لأطمئن على قلبي فقط بل لأطمئن أنك هنا لأنك تريدين. حكايات اسما السيد.
مالت برأسها قليلا وقالت أنا هنا لأنني أريد حياة لا أضطر
فيها للدفاع عن اختياراتي. حياة أكون فيها نفسي.
قال بصوت يحمل وعدا أمنيتي الوحيدة أن
تم نسخ الرابط