رواية ما لم تقله العادات أن الامان يصبح حبا كاملة جميع الفصول بقلم اسما السيد
المحتويات
سافر. قيل إنه وجد فرصة عمل بعيدة وقيل إنه لم يعد يحتمل البقاء.
لم تسأل. واعتبرت الغياب حلا نهائيا.
تزوجت وبدأت حياتها الجديدة. كانت زوجة صالحة وأما حريصة وأقنعت نفسها مرارا أن ما مضى قد انتهى.
لكن بعض الأشياء لا تنتهي. تختبئ فقط.
وحين عاد بعد سنوات بعد موت أخيه أدركت أن الماضي لم يكن صفحة أغلقت بل جرحا تأجل نزفه.
وقفت أمام صورته القديمة في ذاكرتها وسألت نفسها للمرة الأولى بصدق
هل كانت تضحية أم خوفا لبس ثوب الحكمة لم تجد جوابا.
لكنها كانت تعلم أن الأسئلة التي تجاهلتها يوما قد عادت الآن لتطالب بإجابات.
لم تمض اشهر كثيرة على انتهاء العزاء حتى بدأت العائلة تتحرك وكأن الحزن واجب أدوه وانتهى وقته.
كانت تدرك أن الصمت الذي يحيط بها ليس احتراما لمصابها بل انتظارا للحظة المناسبة لفتح الحديث. دعيت إلى مجلس العائلة بعد العصر.
دخلت وهي تشعر أن الخطوات أثقل من المعتاد وأن الهواء في المكان أقل مما تحتاجه للتنفس.
كان الرجال يجلسون في صف شبه دائري يتوسطهم كبار السن وتعلو وجوههم ملامح الجدية التي تسبق القرارات المصيرية.
جلس هو بينهم صامتا كعادته. لم ينظر إليها حين دخلت لكنها شعرت بحضوره أكثر مما شعرت بحضور الآخرين.
بدأ الحديث بعبارات عامة. الدعاء للميت والكلام عن الأبناء وضرورة الحفاظ عليهم. ثم جاء الانتقال السلس المتوقع إلى ما كانوا جميعا ينتظرونه.
قال أحد كبار العائلة بصوت هادئ الأولاد صغار ولا يصح أن يعيشوا بلا رجل يرعاهم. عمهم يتزوجها ويتولي رعايتهم
تابع آخر بنبرة بدت حانية لكنها لم تخل من الحسم وأنت ما زلت شابة ولا يجوز أن تبقي وحدك.
كانت تسمع الكلمات وكأنها موجهة إلى امرأة أخرى. أدركت أن
قال كبيرهم بعد لحظة صمت نحن نرى أن زواجك من أخ زوجك هو الأصلح للجميع.
لم تتفاجأ. لكن سماع الجملة بصوت مسموع جعلها تشعر بثقلها الحقيقي.
رفعت رأسها وقالت بهدوء حاولت أن تحافظ عليهانا لا أريد الزواج.
ساد صمت قصير.
تبادلت الوجوه نظرات سريعة هو وهي ثم قال أحدهم هذا رفض مؤقت. مع الوقت ستفهمين. انتي هنا الموافقه فقط.
قالت بإصرار أكبر لا هو رفض نهائي.
تدخل رجل آخر بنبرة أقل صبرا وماذا عن الأولاد
كان السؤال كالسهم. نظرت إلى الأرض ثم قالت هم أولادي ولن أتركهم.
قال كبير العائلة بصوت لم يحمل تهديدا صريحا لكنه لم يخل منه
العرف واضح. إما أن تبقي بيننا زوجة أو. ما إن صرخ هو . ابي لا تجربوها علي شيء. دعوها وشانها
توقف عن الكلام لكنه لم يحتج إلى الإكمال.
شعرت بقلبها يخفق بعنف. رفعت نظرها فالتقت عيناه بعينيها للمرة الأولى منذ دخلت. كان ينظر إليها بثبات لكن في عينيه شيء يشبه الغضب المكبوت.
لم يعاتبها . لكنه يدافع عنها. رحل وترك الجميع وانتهى المجلس دون قرار معلن لكن الرسالة كانت واضحة. خرجت وهي تشعر أن الأرض تميد تحت قدميها.
في الأيام التالية ازداد الضغط بطرق غير مباشرة.
كلمات النساء نظرات الشفقة التلميحات المتكررة.
كل شيء كان يدفعها نحو خيار واحد.
أما هو فكان حاضرا دائما غائبا في الوقت نفسه.
يرى أبناء أخيه يساعدهم يقف إلى جوارهم لكنه لا يقترب منها.
كانت تراه أحيانا ينظر إليها من بعيد وكأن بينهما جدارا غير مرئي.
تساءلت إن كان صمته عقابا لها أم احتراما لرفضها. وفي إحدى الليالي وجدته يقف في فناء الدار. لم يكن هناك أحد سواهما.
قالت بهدوء لماذا قلت هدا في
نظر إليها طويلا ثم قال كنت أظن أن صمتك قديما كان كافيا. لم أتوقع أن أحتاج إلى تبريره بنفسي. انت لم تحبيني يوما.
شعرت بمرارة كلماته انا لا أريد هذا الزواج
أجاب بحدة مكبوتة وأنا لا أريد أن أكون بديلا.
ترددت ثم قالتإذن لماذا تقبل
قال بصوت منخفض لكن نبرته كانت مشحونة أنهم لا يرون أمامهم سوى خيار واحد ولأنك ترفضين حتى التفكير.
سكت قليلا ثم أضاف كنت مستعدة للتضحية بي سابقا فهل ستضحين بالأولاد الآن
تراجعت خطوة وكأن السؤال دفعها إلى حافة لا تريد الوقوف عليها.
تركها وغادر وبقيت وحدها تواجه حقيقة مؤلمة أن الماضي والحاضر قد تشابكا وأن أي قرار ستتخذه سيكسر شيئا ما.
وفي تلك الليلة أدركت أن الرفض لم يعد سهلا كما كان يبدو.
وأن الصراع الحقيقي لم يبدأ بعد.
لم يكن القرار قد اتخذ لكن المسافة بين الرفض والقبول بدأت تضيق على نحو لم تكن تتوقعه.
لم تعد العائلة تضغط صراحة بل تركت الأمر يسير بثقله الخاص وكأن الأيام ستتكفل بما عجزوا عنه.
كان هو حاضرا أكثر من ذي قبل.
لا بالكلام ولا بالمواجهة بل بالفعل.
يأخذ الأولاد معه إلى الحقل يعود بهم قبل الغروب يشتري لهم ما يحتاجون إليه ويصغي إلى أسئلتهم الصغيرة بصبر لم تعهده فيه من قبل.
لم يكن يحاول أن يحتل مكان أبيهم لكنه لم يبتعد عنه أيضا.
كانت تراقب ذلك من بعيد.
تشعر بالامتنان ثم بالقلق ثم بشيء يشبه الذنب.
في إحدى الأمسيات التقاه ابن عمه خارج الدار.
كان الأخير أكبر منه بقليل وأهدأ طبعا لا يندفع خلف العرف دون تفكير.
قال له بعد صمت قصير أراك تبتعد مع أنك الأقرب.
أجابه بمرارة الاقتراب لم يجلب لي يوما سوى الخسارة.
ابتسم ابن العم ابتسامة خفيفة وقال
سكت قليلا ثم تابع لا تضغطها ولا تبتعد. اقترب كما لو كنت إنساناابن عم صديق اخ لا واجبا.
نظر إليه وكأن الكلمات لامست شيئا داخله انت محق هي ترى في الأخ الأصغر فقط.
هي أكبر منك بعام واحد. عام لا ينقصك ولا يزيدها.
لم يجب. لكنه للمرة الأولى فكر في الاقتراب لا كحل مفروض بل كخيار إنساني.
في اليوم التالي وجدها وحدها في فناء الدار. كانت ترتب بعض الأشياء وملامح التعب بادية على وجهها.
همس بهدوء الأولاد يحتاجون إلى دفاتر جديدة للمدرسة.
رفعت رأسها وقالت سأتدبر الأمر.
أجاب دون إلحاح لقد اشتريتها بالفعل.
ترددت ثم قالت شكرا.
كان الشكر بسيطا لكنه حمل أكثر مما بدا.
جلس على مسافة مناسبة لم يقترب كثيرا ولم يبتعد.
هتف بعد لحظة لن أتحدث عن الزواج.
نظرت إليه بدهشة إذن لماذا تتحدث
أجاب لأننا لم نتحدث يوما كما يجب.
ساد صمت قصير لكنه لم يكن ثقيلا. كان صمتا مريحا على غير العادة.
هتفت أخيرا أنا لا أراك خيارا. بل مسؤولية وهذا ما يخيفني.
نظر إليها وقال بصراحة لم تعهدها فيه من قبل وأنا لا أريد أن أكون مسؤولية. أردت يوما أن أكون اختيارا ولم أمنح تلك الفرصة.
ارتبكت. لم تجد ما تقوله.
نهض هامساا قبل أن يبتعد لن أطلب منك شيئا. فقط. لا تحكمي علي بما كنت عليه. تركها وبقيت الكلمات معلقة في ذهنها.
في الأيام التالية تغير شيء ما. لم يعد وجوده يثير فيها التوتر ذاته.
بدأت ترى فيه الرجل الذي عاد من الغربة لا الشاب الذي رفضته قديما.
وحين وقفت ذات مرة في مواجهة كلام جارح من إحدى النساء وجدته يتدخل بهدوء دون صخب دون استعراض. قالت المرأة شيئا عن السنأ
فأجاب
نظرت إليه وشعرت للمرة الأولى أن دفاعه
متابعة القراءة