الارملـه الفـاتنه كامـلة وحصـري
تغزو الأرملة ممتلكات المالك الثري لكن ما فعله جعلها عاجزة عن الكلام!
سقطت شمس سبتمبر فوق حقول قشتالة كنعمة دافئة لكنها لم تكن كافية لتدفئة ما كانت تحمله كاتالينا مورينو في صدرها كان الطريق الترابي المغبر والمليء بآثار العجلات يجرح قدميها الحافيتين لكنها واصلت السير وقد شدت فخرها بين أسنانها حاملة سلة من الخوص بين ذراعيها
داخل السلة كانت ملابس مغسولة حديثا قمصان صغيرة فستان متعب وبقايا حياة كان لها نظام يوما ما ولم يعد يبقيها اليوم سوى العناد الخالص
خلفها كان يسير توأماها دييغو وروزا أربع سنوات من الجوع واللعب المرتجل أحيانا يتشاجران على غصن يابس وأحيانا يضحكان كأن العالم لا يستطيع الوصول إليهما نظرت إليهما كاتالينا وقلبها ممزق بين الحنان والذنب
لأنهما ما زالا قادرين على الغناء بلا كلمات وبناء بيوت من الحجارة والابتسام للريح
ولأنها وحدها تعرف الحقيقة التي لا تريد أي أم الاعتراف بها أنها بدأت تفقد قوتها على حمايتهما
ظهر البيت الصغير بين شجرتين كجرح قديم حاول الزمن إخفاءه دون نجاح
حجارة عتيقة سقف من القرميد الأحمر مليء بالفراغات وجدران متشققة استسلم فيها الجير للسنين كان بيتا مهجورا في أبعد زاوية من أملاك آغيري قبل سنوات حين كان برناردو زوجها يعمل في تلك الأراضي
قال لها ذات ظهيرة
كان رئيس العمال يعيش هنا مات بلا عائلة ولم يهتم أحد بإصلاحه
آنذاك لم تعر الأمر اهتماما كان لديهما بيت مستأجر في القرية وطاولة متواضعة وروتين بسيط
أما الآن فقد صار هذا البيت كل شيء
سقف ناقص نعم لكنه سقف
مكان ينام فيه الأطفال دون أن يبلل المطر وجوههم دون أن تطاردهم رائحة الكلاب الضالة ودون أن تقترب منهم نظرات الرجال السكارى وضحكاتهم القذرة حين يرون أرملة وحيدة
مكثوا هناك ثلاثة أسابيع
ثلاثة أسابيع من العيش كالأشباح
مدت كاتالينا حبلا بين غصنين وبدأت تنشر الغسيل قطعة قطعة ويداها الخشنتان المتشققتان ترتجفان في الماء البارد تشبث دييغو بطرف ثوبها
أمي أنا جائع
لم تعد كلمة الجوع ألما عابرا بل حضورا دائما مسحت كاتالينا شعره الأشعث وابتلعت ريقها
أعلم يا حبيبي سنتعشى قريبا
كانت روزا جالسة على الأرض تصنع أكواما من الأغصان وتهمهم لحنا اخترعته نظرت إليها كاتالينا فاندفعت الذكريات فجأة
يدي برناردو القويتين ضحكته السهلة والزهور البرية التي كان يحملها لها حين كانا ما يزالان صغيرين ومتفائلين تزوجا بلا احتفال لكن بنعم صادقة بدت كأنها أبدية وكانت كذلك لفترة
حتى جاء الشتاء القاسي
حمى برناردو
توفي برناردو في مارس في ليلة باردة ويده في يدها كأنه يحاول البقاء
وبعد أسبوع واحد فقط جاء الواقع مرتديا أحذية ثقيلة
الدائنون الديون والتهديدات
منحهم صاحب المنزل أسبوعين للمغادرة خرجت كاتالينا تبحث عن عمل من باب إلى باب تعرض الغسيل والخياطة والتنظيف بعضهم أغلق الأبواب دون أن يسمعها وآخرون عرضوا عملات زهيدة أو ابتسامات مقززة
اختارت الجوع على أن تبيع كرامتها أو تعرض أطفالها للخطر
ناموا أياما حيثما استطاعوا عند بوابة الكنيسة في حظيرة تحت شجرة كانت تضم التوأم المرتجفين إلى صدرها وتنظر إلى السماء متسائلة
هل يراهم الله أم أن الفقراء منسيون
ثم تذكرت البيت
في تلك الليلة قطعت خمسة أميال وهي تحمل طفلين نصف نائمين وجدت الجدران صامدة والسقف منقسما وموقدا حجريا ونافذة بلا زجاج يتدلى منها مصراع مكسور دخلوه كمن يدخل ملجأ بعد حرب
وعدت نفسها أنها ستبقى أياما قليلة فقط حتى تجد حلا أفضل
لكن الأيام صارت أسابيع
كانت تستيقظ قبل الفجر تذهب إلى الجدول حين لا يراها أحد
كان الأطفال يأكلون أولا دائما
تعلمت كاتالينا صنع عصيدة مرة من البلوط المطحون وكررت لنفسها أن الشبع رفاهية وأن الأهم أنهم ما زالوا أحياء
لكن ما لم تكن تعرفه هو أن وجودها في هذا المكان لم يمر دون أن يلاحظه أحد
لكن ما لم تكن كاتالينا تعرفه
هو أن وجودها في ذلك المكان لم يمر دون أن يلاحظه أحد
في صباح اليوم الثاني والعشرين بينما كانت الشمس بالكاد تلامس قمم الأشجار سمع وقع حوافر بعيد
توقفت كاتالينا عن فرك الملابس وارتجف قلبها
الصوت لم يكن كصوت فلاح عابر أو قطيع ماعز كان إيقاعه منتظما حازما
أمسكت بسرعة بالقميص الذي بين يديها وهرعت نحو البيت الصغير
دييغو وروزا كانا نائمين على الحصير وجهاهما شاحبان لكن هادئان
همست اصمتا لا تصدرا صوتا
لم تغلق الباب فالأبواب المغلقة تثير الشك أكثر من المفتوحة
توقفت الحوافر أمام البيت
ثم صمت
بعد لحظة جاء صوت رجل من هنا
لم يكن غاضبا
لم يكن سكيرا
كان صوتا معتادا على أن يسمع ويطاع
خرجت كاتالينا ببطء
كان الرجل يقف قرب شجرة الزيتون القديمة
في الأربعين من عمره تقريبا طويل القامة يرتدي