رواية اجبـرت على الزواج كاملة بقلم اسما السيد

لمحة نيوز

أجبرت على الزواجلم يكن الفستان الأبيض الذي ارتدته ميرهان ناصر رمزا للفرح كما يفترض أن يكون بل كان تضحية كاملة مغلفة بالحرير والدانتيل الفاخر. كذبة أنيقة لن يصدقها أحد وبالأخص الرجل الذي كان ينتظرها في قاعة الزواج.
كل خطوة كانت تخطوها نحوه كانت خطوة أعمق داخل قفص ذهبي مستقبل يبدو لامعا في عيون الناس لكنه خاو من أي معنى حقيقي للحياة.
كانت ميرهان تبيع نفسها لتنقذ الجميع. لم يكن الأمر حبا ولا حتى قبولا بل استسلاما كاملا للظروف. زواجها لم يكن اتحادا بل صفقة قاسية تحولها إلى زوجة رجل لا يكتفي بعدم حبها بل يحتقر وجودها من الأساس.
هذا لم يكن زفافا بل كان تنفيذا أنيقا وبطيئا لحكم الإعدام على كل أحلامها.
عندما نظرت إلى المرآة لم تتعرف على المرأة التي تنظر إليها. وجه شاحب عينان واسعتان تلمعان بدموع ترفض السقوط وجسد محاصر داخل فستان زفاف يفوق ثمنه قيمة بيت أهلها بأضعاف. ابتلعت ريقها بصعوبة فقد كانت الغصة في حلقها خانقة لدرجة أن التنفس أصبح مؤلما. كان قماش الساتان باردا على بشرتها ثقيلا كالثقل الذي تحمله في صدرها منذ أسابيع منذ اللحظة التي اتخذت فيها القرار.
خلفها كانت والدتها تعدل طرحة العروس بيدين مرتجفتين تحاول أن تبدو قوية رغم احمرار عينيها الواضح.

همست بصوت مكسور تخالطه الدموع
أنت جميلة يا ابنتي جميلة جدا. ستكونين زوجة صالحة بإذن الله.
كانت الكلمات لطيفة في ظاهرها لكنها اخترقت ميرهان كخناجر. زوجة صالحة لرجل لا يراها سوى ملحق بعقد وبند إضافي في اتفاق تجاري بارد.
أجبرت نفسها على الابتسام ابتسامة متصلبة لم تصل إلى عينيها وردت بهدوء مصطنع
شكرا يا أمي.
شعرت في تلك اللحظة وكأنها ممثلة تؤدي دور العروس السعيدة في مسرحية سوداء. كانت على وشك الزواج من محمد إمام رجل الأعمال الأقوى والأكثر نفوذا في المدينة الرجل الذي يفتح له كل باب ويحسب له كل حساب. ولم يكن دافعها لذلك إلا سبب واحد إنقاذ عائلتها.
إنقاذ المشروع العائلي الصغير محل الزهور الذي أسسته جدتها قبل سنوات طويلة والذي أصبح الآن غارقا في ديون خانقة لا قبل لهم بسدادها. وقبل كل شيء إنقاذ شقيقها الصغير الذي تتطلب حالته الصحية علاجا مكلفا استنزف كل ما ادخرته العائلة حتى آخر قرش.
كان الاتفاق بسيطا بوحشية. عرضه والد محمد إمام قبل وفاته ثم نفذ بحذافيره على يد محمد نفسه ببرود يجمد الدم في العروق.
هو سيتكفل بإنقاذ المشروع من الإفلاس وسيدفع تكاليف علاج شقيقها مهما بلغت وفي المقابل ستصبح ميرهان زوجته.
صفقة واضحة. تبادل صريح. وكانت هي الثمن.
شرح لها والدها
الأمر يومها وهو يتجنب النظر في عينيها منكسرا مهزوما أمام قسوة الواقع. قال بصوت منخفض
ده الحل الوحيد يا ميرهان محمد إمام يقدر يحل كل حاجة. هو رجل محترم.
لكن ميرهان كانت قد التقت بمحمد إمام في الاجتماع الوحيد الذي عقد لإتمام الاتفاق ولم تجد في نظرته الداكنة الحاسبة أي أثر للاحترام أو الرحمة. نظر إليها كما يقيم شيء معروض للبيع كحصان أصيل أو لوحة نادرة ثم قال ببرود قاطع
موافق على الشروط. الزواج خلال شهر.
لا كلمة إضافية لا مجاملة ولا حتى محاولة لتخفيف وطأة القرار.
ما إن حان وقت الخروج إلى القاعة حتى شعرت ميرهان بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها. ألقت نظرة أخيرة على نفسها في المرآة ثم استدارت وخرجت من الغرفة بخطوات بطيئة. في الممر كان والدها ينتظرها. ارتدى بدلة قديمة بعض الشيء لكنها نظيفة ومكوية بعناية. بدا عليه الإرهاق وكأن السنوات أثقلته فجأة في هذا اليوم تحديدا.
نظر إليها طويلا بعينين ممتلئتين بالندم والحزن ثم مد لها ذراعه. أمسكت به دون كلمة. لم يكن أي منهما قادرا على الكلام. الكلمات لم تعد تجدي نفعا.
حين فتحت أبواب القاعة ارتفع همس الحضور والتفتت الرؤوس كلها نحوها. وجوه لا تعرف معظمها وجوه تنتمي إلى عالم آخر عالم المال والنفوذ والصفقات. شعرت وكأنها
تسير وسط قطيع من الذئاب بينما هي الحمل الذي يقاد بهدوء إلى مصيره.
في نهاية الممر كان محمد إمام ينتظر.
كان طويل القامة عريض الكتفين يرتدي بدلة فاخرة مفصلة بعناية. شعره الأسود مصفف بإتقان وملامحه حادة توحي بالقوة والسيطرة. لا يمكن إنكار وسامته لكنها وسامة باردة خالية من أي دفء. أكثر ما أرعب ميرهان كانت عيناه عينان داكنتان سوداوان تقريبا لا تحملان أي تعبير. كان ينظر إليها كما لو كان ينظر إلى شيء بعيد بلا اهتمام بلا فضول بلا مشاعر.
سلمها والدها له بصمت. حين لامست يد محمد يدها شعرت ببرودة تسري في جسدها رغم أن قبضته كانت دافئة وقوية قوية أكثر مما ينبغي كأنها إعلان امتلاك. لم ينظر إليها حتى. كانت عيناه مثبتتين على المأذون.
مرت مراسم العقد عليها كضباب كثيف. كلمات عن المودة والرحمة والسكينة بدت لها سخرية قاسية. حين سئلت عن القبول خرج صوتها هامسا بالكاد يسمع.
أما محمد فقد قالها بصوت ثابت واضح الصوت ذاته الذي يغلق به صفقة بملايين.
وحين أعلن المأذون تمام الزواج دوى التصفيق في القاعة. للحظة شعرت ميرهان بدوار. انتهى الأمر. أصبحت زوجته.
عندما حان وقت التهنئة اقترب محمد منها أخيرا وأدار وجهه نحوها. التقت عيناهما للمرة الأولى. لم تر فيها حبا ولا فرحا بل لمحت
ومضة ضيق كأن اللحظة بأكملها
تم نسخ الرابط