رواية اجبـرت على الزواج كاملة بقلم اسما السيد
عالم آخر. غادرت الأحياء الراقية والأسوار العالية وعادت إلى شوارع تعرفها مليئة بالحركة والحياة. حين توقفت السيارة أمام المحل الصغير شعرت براحة لم تشعر بها منذ أيام.
دخلت فاستقبلتها رائحة الزهور التي حفظتها عن ظهر قلب. خرج والدها من الداخل وما إن رآها حتى أشرق وجهه ثم لاحظ القلق في عينيه.
قال متعجبا
ميرهان إنت هنا ليه كل حاجة تمام
ابتسمت محاولة طمأنته
آه يا بابا حبيت أعدي بس وأطمن.
امسكته بقوة كأنها تستمد منه بعض الثبات. في تلك اللحظة رن جرس الباب ودخل شاب تعرفه جيدا. كان صديقا قديما للعائلة يعمل معهم من وقت لآخر.
توقف حين رآها وقال بدهشة
ميرهان مبروك ما توقعتش أشوفك هنا.
ابتسمت له بأدب وردت
شكرا.
تبادل معها بضع كلمات ونظر إليها نظرة متفحصة قبل أن يسأل بصوت منخفض
إنت فعلا كويسة
ترددت لحظة ثم أجابت
كويسة.
كان واضحا أنه لم يقتنع لكنه لم يضغط عليها. بعد قليل انشغل والدها بأحد الزبائن وبقيت ميرهان تتحدث مع صديقها عن أمور عادية عن الزهور والعمل وكأنها تحاول التشبث بحياتها السابقة.
لم تكن تعلم أن سيارة سوداء كانت تمر ببطء في الشارع في تلك اللحظة وأن محمد إمام كان يجلس في المقعد الخلفي ينظر عبر الزجاج
لم يشعر بالغيرة بالطريقة التي يعرفها الناس لكنه شعر بشيء أثقل وأخطر غضب امتلاكي مفاجئ. تلك المرأة التي تحمل اسمه والتي قال عنها إنها لا تعنيه كانت هناك تضحك مع رجل آخر.
قال للسائق بحدةامشي.
لكن الصورة بقيت عالقة في ذهنه.
عادت ميرهان ناصر إلى القصر مع حلول المساء وقد خف ثقل صدرها قليلا بعد الزيارة القصيرة لمحل الزهور. أغلقت باب غرفتها وخلعت حذاءها محاولة استعادة هدوئها. لم يدم ذلك طويلا. بعد منتصف الليل بقليل دوى صوت باب القصر وهو يغلق بقوة تلاه وقع خطوات حادة تصعد الدرج بلا تردد.
توقف قلبها لحظة ثم جاء الطرق على الباب الفاصل بين الغرفتين. لم يكن طرقا بقدر ما كان أمرا.
افتحي.
فتحت ميرهان الباب ببطء. كان محمد إمام يقف أمامها وقد بدا عليه توتر غير معتاد. ربطة عنقه مفكوكة وأزرار قميصه العلوية مفتوحة. دخل دون أن ينتظر إذنا وأغلق الباب خلفه.
انبسطتي النهارده
قالها بصوت منخفض مشحون.
مش فاهمة.
أجابت بحذر.
اقترب خطوة
في محل الزهور.
اتسعت عيناها دهشة
إنت بتراقبني
العربية كانت هناك.
قالها ببرود ثم أضاف
ارتفعت نبرتها لأول مرة
أنا ما عملتش حاجة غلط. ده مكان عيلتي.
ونسيتي إنك بقيتي مراتي
على الورق.
قالتها بثبات.
سكت لحظة ثم أمسك بذراعها دون أن يؤلمها لكن قبضته كانت حازمة
اسمك وصورتك بقوا ليهم حساب. مش هقبل أشوفك بتتصرفي بالشكل ده.
نظرت إليه بحدة
إنت قلت بنفسك إني مش زوجتك. يبقى ما يخصكش أضحك مع مين.
اقترب حتى صارت المسافة بينهما نفسا واحدا
كونك مش مهمة في مشاعري ما يمنعش إنك مسؤوليتي.
أنا مش ملك.
قالتها بصوت مرتجف.
ترك ذراعها فجأة وقال بلهجة قاطعة
خلي بالك. في حدود. وابعدي عن الراجل ده. دي آخر مرة.
ثم خرج.
جلست ميرهان على السرير وقلبها يخفق بعنف. كانت خائفة لكنها شعرت أيضا بغضب لم تعرفه من قبل. شيء ما تغير.
في الصباح التالي نزلت إلى المطبخ ووجدته هناك. وقف أمام الطاولة يتصفح هاتفه. قالت بهدوء
صباح الخير.
تأخر رده لحظة
صباح النور.
جلست مقابله. كان الصمت بينهما مشدودا.
أنا خارجة النهارده.
قالتها متعمدة.
رفع عينيه
فين
محل الزهور.
قلتلك تبعدي عنه.
قلت عن شخص مش عن المكان.
ردت بثبات.
ميرهان
قاطعته
مش هحبس نفسي علشان أريحك. ولا هقطع صلتي بحد علشان غيرة مش معترف بيها.
دي مش غيرة.
ابتسمت ابتسامة موجعة
يبقى سيطرة.
وقف واحتك الكرسي بالأرض
إنت ناسية نفسك.
وقفت هي أيضا
لا. أنا لأول مرة فاكرة نفسي.
اقترب
إنت مراتي.
نظرت في عينيه مباشرة
يبقى عاملني كده.
لم يجد ردا. خرجت من القصر ورأسها مرفوع.
في المساء عاد مبكرا ودخل القصر فلم يجدها. سأل أمينة فأخبرته أنها لم تعد بعد. نظر إلى الساعة ثم إلى الباب وصعد إلى غرفته. توقف أمام الباب الفاصل وفتحه. كانت الغرفة خالية. جلس على طرف السرير ومرر يده على وجهه بعنف. شعر بانقباض في صدره لم يعتده.
حين عادت ميرهان كان ينتظر في الردهة. نظر إليها طويلا وقال بصوت منخفض
اتأخرت.
كنت محتاجة أفكر.
وأنا كمان.
عند باب غرفتها قال
اللي حصل ما كانش لازم أتكلم بالطريقة دي.
ثم أضاف مش متعود حد يقف قصادي.
قالت بهدوء
أنا مش ضدك بس مش هعيش مكسورة.
أنا مش عايزك مكسورة.
خرجت الكلمات منه على غير توقع.
قال بعدها
خلينا نبدأ من غير اتفاقات.
دخلت غرفتها تلك الليلة ونامت بهدوء نسبي. في الأيام التالية تغير الإيقاع ببطء. لم تختف الحدة تماما لكنها لاحظت الأسئلة الانتظار على العشاء وباب الغرفتين الذي صار مواربا ليلا.
وفي مناسبة رسمية لاحقة وقف إلى جوارها ووضع يده على ظهرها
لسه فاكر الاتفاق
أجابها بصوت لا يسمعه سواها
بحاول أنساه.
تمت. تمصير اسما السيد