رواية اجبـرت على الزواج كاملة بقلم اسما السيد

لمحة نيوز

عبء عليه. مال قليلا فقط من أجل الناس والكاميرات.
التصفيق تعالى من جديد لكن ميرهان شعرت كأنها داخل فقاعة صامتة منفصلة عن كل شيء.
أقيم حفل الاستقبال في قاعة فخمة داخل أحد أفخم الفنادق. ثريات ضخمة موسيقى هادئة موائد عامرة بأصناف لا تحصى. كان محمد يتحرك بثقة وسط المدعوين يصافح هذا يبتسم لذلك ويتبادل كلمات سريعة عن العمل والاستثمار. أما هي فكانت تسير إلى جواره كظل تبتسم حين يجب أن تبتسم وتومئ برأسها حين ينتظر منها ذلك.
كان يقدمها دائما بنفس الصيغة
دي مراتي ميرهان.
لا أكثر.
في إحدى اللحظات وجدت نفسها وجها لوجه مع والدته امرأة أنيقة المظهر صارمة النظرات. تأملتها من رأسها إلى قدميها بنظرة فاحصة لا تخلو من ازدراء ثم قالت بصوت منخفض حاد
أتمنى تكوني فاهمة كويس مكانتك دلوقتي. اسم إمام مش سهل وليه متطلبات.
اكتفت ميرهان بالإيماء شاعرة بأن صغرها يتضاعف.
الوحيدة التي بدت أكثر لطفا كانت شقيقته الصغرى التي اقتربت منها بابتسامة صادقة وقالت
أهلا بيكي متقلقيش أخويا شكله ناشف بس.
لم تستطع ميرهان مشاركة تلك الطمأنينة.
بعد ساعات طويلة من المجاملات والابتسامات المصطنعة اقترب رجل من محمد وهمس له بشيء. نظر محمد إلى ميرهان وقال بجفاف
يلا. العربية مستنية.
لم يمد يده. فقط استدار منتظرا أن تتبعه.
ودعت والديها.
امسكتهاا أمها طويلا وهمست وهي تكتم بكاءها
ربنا يحفظك يا بنتي.
أما والدها فاكتفى بالتربيت على رأسها وعيناه مليئتان بذنب لن يفارقه أبدا.
ركبت السيارة السوداء الفاخرة التي أقلتها إلى حياتها الجديدة. طوال الطريق ساد الصمت. كانت تنظر من النافذة إلى أضواء المدينة تشعر بأنها تبتعد عن نفسها أكثر فأكثر.
وصلوا إلى القصر بناء ضخم على تلة مرتفعة تحيط به حدائق مشذبة بعناية. كان المكان جميلا لكنه بارد خال من أي إحساس بالدفء. دخلت خلفه وكل خطوة داخل هذا البيت كانت تثقل صدرها.
صعد محمد الدرج دون أن يلتفت ودخل الجناح الرئيسي. توقفت ميرهان في منتصف الغرفة متوترة وقلبها يخفق بعنف. هذه هي اللحظة التي كانت تخشاها أكثر من أي شيء.
خلع محمد سترته وألقاها على أحد المقاعد ثم فك أزرار قميصه ببطء. اتجه إلى الطاولة صب لنفسه كوبا من الماء شربه دفعة واحدة ثم التفت إليها. نظر إليها من رأسها حتى قدميها وتوقفت عيناه عند فستان الزفاف.
قال بصوت منخفض خشن بلا مقدمات
اقلعي الفستان.
تجمدت ميرهان في مكانها. شعرت بالخوف يطبق على صدرها ولم تستطع أن تتحرك أو تتكلم. لاحظ رعبها فارتسمت على شفتيه ابتسامة قاسية.
قال ببرود
متخافيش مش هلمسك.
اقترب خطوة ثم أضاف
الجواز ده مجرد عقد قدام الناس. بالنسبة لي إنت مش زوجتي.
كانت كلماته كصفعة
مباشرة.
أشار بيده إلى باب في الجهة المقابلة من الغرفة
دي أوضتك. كبيرة ومجهزة زي دي بالظبط. ليكي حمامك ودولابك.
ثم أشار إلى الجهة الأخرى
ودي أوضتي. ما تعديش الباب ده إلا لو البيت بيولع.
ابتلعت ميرهان دموعها ورفعت رأسها بصعوبة.
طالما كده ليه وافقت
رد دون تردد
علشان وعد قديم. وعلشان مصلحتي.
ثم استدار وقال بلهجة قاطعة
دلوقتي اتفضلي. مش عايز أشوفك.
سارت نحو الغرفة التي أشار إليها بكل ما تبقى لها من كرامة. ما إن أغلقت الباب خلفها حتى انهارت. استندت إلى الخشب البارد وانهمرت دموعها بصمت. كانت آمنة جسديا لكنها أدركت في تلك اللحظة أن قلبها وكرامتها دخلا سجنا أشد قسوة.
كان صباحها الأول في القصر غريبا وثقيلا. استيقظت ميرهان ناصر في سرير واسع داخل غرفة لا تشبه أي مكان عرفته من قبل. الجدران نظيفة الأثاث فخم لكن كل شيء بدا بلا روح كغرفة فندق فاخرة لا تقيم فيها سوى ليلة واحدة. استغرقت لحظات حتى تذكرت أين هي ثم عاد كل شيء دفعة واحدة فشعرت بوخز حاد في صدرها.
نهضت ببطء وتوجهت إلى الحمام الرخامي الواسع. انعكس وجهها في المرآة شاحبا متعبا وعيناها تحملان آثار ليلة بلا نوم. اغتسلت وارتدت ملابس بسيطة من تلك التي جلبت من بيت أهلها ولاحظت أن كل أغراضها كانت مرتبة بعناية داخل الخزانة وكأن يدا خفية أعادت تنظيم
حياتها دون أن تسألها.
نزلت الدرج بخطوات مترددة. كان الصمت يخيم على القصر لا يسمع سوى صوت أجهزته الحديثة. في المطبخ وجدت امرأة مسنة نسبيا شعرها الرمادي مرفوع بعناية وملامحها هادئة.
ابتسمت المرأة وقالت
صباح الخير يا مدام.
ثم أضافت بلطف أنا أمينة مدبرة البيت. تحبي تفطري الأستاذ محمد خرج بدري.
شعرت ميرهان بانقباض في قلبها عند سماع اسمه بتلك الصيغة لكنها أجابت بهدوء
صباح النور قهوة بس لو سمحتي. وناديني ميرهان.
أومأت أمينة بابتسامة وقدمت لها فنجان القهوة. وأشارت إلى ظرف أبيض موضوع على الطاولة
الأستاذ ساب ده ليكي.
فتحت ميرهان الظرف بيد مرتجفة. في داخله بطاقة بنكية وملاحظة قصيرة مكتوبة بخط واضح وحاد
دي مصاريفك. العربية والسواق تحت أمرك. أي مناسبة رسمية السكرتارية هتنظمها. ما تحرجنيش.
لم تكن هناك تحية ولا كلمة إنسانية واحدة. فقط أوامر.
قضت بقية اليوم تتجول في القصر بلا هدف. غرف واسعة مكتبة مليئة بكتب لم تفتح صالة رياضية مسبح وحديقة منظمة بدقة. كل شيء متوفر ومع ذلك شعرت بأنها أفقر من أي وقت مضى.
مع مرور الساعات أصبح الصمت خانقا. شعرت بحاجة شديدة إلى مكان مألوف إلى شيء يربطها بذاتها القديمة. ترددت قليلا ثم ذهبت إلى أمينة وقالت
ممكن أخرج
أجابتها المرأة فورا
طبعا السواق جاهز.
طلبت منها أن يأخذها
إلى محل الزهور الخاص بعائلتها.
كان الطريق بمثابة انتقال إلى
تم نسخ الرابط