رواية حين كبرت كبرتُ كاملة جميع الفصول بقلم نرمين عادل همام
بسم الله والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
حين كبرت كبرت وحدي.
لا لأنني بلا أهل بل لأن الخذلان حين يأتي من العائلة يترك الإنسان يتيما وهو ما زال حيا.
عشت وحدة لم يصنعها الغياب بل صنعها أقرب الناس إلي حين خاضوا في شرفي وكأنهم ينتقمون من مجرد وجودي.
وهذه ليست حكاية فتاة أسيء إليها بل شهادة روح نجت من أهلها.
اسمي خلود أنا الكبرى بين إخوتي عند والدي. أنجبتني أمي ثم جاءت أختي التوأم عهد وبعد خمسة أشهر فقط حملت أمي برغد ولم تكمل رغد عامها الأول حتى رزقها الله بتوأم آخر بنتا وولدا.
كنا جميعا صغارا أطفالا متلاحقين في العمر حتى أصاب الذهول والدي من ثقل المسؤولية خصوصا أن أمي كانت تعمل في مستشفى حكومي وأبي موظفا في شركة كبيرة بالقاهرة. فاقترحت أمي الاستعانة بعاملات يساعدن في رعاية الأطفال والبيت وبالفعل جلب أبي ثلاث عاملات واستقر حالنا فترة من الزمن.
في إحدى الأمسيات كانت أمي تجلس متعبة بعد يوم عمل طويل وأبي يقلب في دفاتره والقلق ظاهر على ملامحهما من ثقل الأعباء.
قالت أمي بنبرة منهكة لكنها حاسمة
مفيش حل غير إننا نجيب ناس تساعد في البيت العيال كتير والضغط علينا مش طبيعي.
أطرق أبي لحظة ثم رفع عينيه إليها وفي صوته استسلام هادئ
عندك حق أنا هظبط الموضوع من بكرة.
لكن زيارة واحدة غيرت مجرى حياتي إلى الأبد.
جاءت جدتي من قريتها إلى بيتنا في القاهرة وأقامت معنا أشهرا رأت خلالها وضعنا بعينيها أطفال كثيرون صغار يحتاجون إلى رعاية دائمة. ذات يوم طرحت فكرة قلبت كل شيء.
في ظهيرة ثقيلة كانت جدتي تجلس قرب أمي تراقبنا ونحن نملأ المكان صراخا وضجيجا ثم تنهدت بعمق وكأنها تحسم أمرا في صدرها
الوحدة قتلاني
ارتفع صوت أبي فورا بلا تردد
خلاص تمام اختاري اللي إنت عايزاها.
أما أمي فبقيت صامتة تنظر إلي وإلى إخوتي بعينين مضطربتين وكأن قلبها يتمزق نصفين.
كنت في الرابعة من عمري لا أفهم شيئا سوى أنني أحتاج أمي أحتاج دفئها
في ليلة السفر كنت متشبثة بثوبها والدموع تنهمر دون فهم
ماما أنا هروح فين
انحنت علي قبلت رأسي وصوتها مرتعش
مع جدتك شوية وترجعي بسرعة.
لكنني لم أعد سريعا.
ومع مرور السنوات خفتت أصوات أهلي في حياتي.
في البداية كانت أمي تتصل بي كل يوم ثم كل أسبوع ثم مرة في الشهر ثم تمر شهور لا أسمع فيها صوتها.
في أحد المساءات كنت أجلس قرب الهاتف القديم أراقبه في صمت وقلبي معلق برنينه.
يا جدتي هي ماما مش هتكلم النهارده
كانت تضع يدها على رأسي بحنان وتقول محاولة التخفيف
بكرة يا بنتي بكرة تكلمك.
لكن بكرة كانت تتأخر كثيرا.
كنت أراهم فقط في عيد الفطر.
كنت أقف عند أول الطريق أنتظرهم وما إن أراهم حتى أتشبث بهم كأنني أخشى أن يختفوا مرة أخرى.
كنت أحتضن عهد بقوة أضغط وجهي على كتفها وأنا أضحك وأبكي في آن واحد
وحشتيني قوي.
كانت تبعدني عنها برفق وفي صوتها نفاد صبر
خلاص يا خلود خلاص.
ثم أركض نحو أمي أتشبث بها وكأن العمر كله مختبئ في حضنها
خليكي معايا شوية.
فتربت على ظهري وتقول بهدوء غريب
حاضر.
لكنها لم تبق طويلا.
كبرت وأنا أحمل سؤالا واحدا لا يفارقني
لماذا أنا
لماذا اختاروني أنا وحدي
في إحدى الليالي كنت أستلقي قرب جدتي أراقب سقف الغرفة المظلم وخرج السؤال من فمي كجرح مفتوح
يا جدتي ليه أنا
سكتت لحظة ثم شدت الغطاء علي بحنان وقالت
ربنا كاتب لك طريق غيرهم يا بنتي.
لكنني لم أفهم وقتها معنى الطريق ولا معنى الاختيار.
كانت نشأتي بعيدة تماما عن أي معرفة بأنوثة البنات أو تفاصيل العناية بالنفس. لم تكن لدي أي خلفية عن ذلك ولا جدتي كانت تعرف من شؤون الحياة سوى الكفاح والعمل اليومي في الأرض.
كنت أرى أختي التوأم عهد كأنها لوحة من الجمال شعرها طويل ناعم بشرتها مشرقة ملامحها أنثوية مكتملة. بينما أنا رغم أن شعري كان طويلا وكثيفا كنت أتركه نهبا للغبار والشمس والإهمال. أركض بين الغنم والدجاج منذ طفولتي فترك ذلك أثره علي بوضوح.
ومع هذا كله لم أكن أدرك أنهن أجمل مني ولم يخطر ببالي يوما أن أقارن. كنت ساذجة أعيش بمشاعر مبالغ فيها أفرح بقدوم الجميع وأعتبر نفسي مسؤولة عن إسعادهم.
في أحد أيام العيد كنت أتنقل بين أرجاء البيت أضع الأطباق أشعل الموقد وأراقب بعيني المشهد الذي يتكرر كل عام وكأنني جزء منه لا يرى.
خلود حطي القهوة هنا.
حاضر.
خلود فين الشاي
حاضر.
خلود روحي هاتي الصحون.
كنت أتحرك بينهم بلا توقف ألهث من كثرة الحركة وقلبي ممتلئ برغبة طفولية في أن يكون الجميع راضين وسعداء.
في صباحات العيد كانت البيوت تمتلئ بأصوات الفرح ضجيج المجففات ضحكات البنات طلبات المكياج تبادل العطور أجواء احتفال مكتملة.
أما أنا فكنت أبدأ يومي في المطبخ أعد الإفطار أغسل الصحون أرتب الموائد للرجال والنساء وأتنقل بين إعداد القهوة والشاي وكل ذلك وأنا بملابس النوم شعري مرفوع بشكل فوضوي متعبة ولا أحد يلتفت إلي أو يقول لي حتى كلمة واحدة بدلي ملابسك اعتني بنفسك استعدي للعيد.
كنت أسمع أصواتهن من الغرفة المجاورة ضحكات تعليقات حماس
هاتي المسكرة من الشنطة.
فين البرفان
إنت
لا لسه شوية.
وأنا وحدي في المطبخ أعد العالم لهم ولا أعد نفسي.
وأنا أقف خلف باب المطبخ أمسح يدي في المئزر وأحدق في انعكاسي المرتجف على زجاج النافذة أقول لنفسي بصمت ينهش القلب
المهم إنهم مبسوطين.
كنت أظن أن ما أفعله هو الصواب وأن العيب كل العيب أن يعودوا فيجدوا البيت فوضى وأن تتقدم راحتي على راحتهم. كنت أتحمل مسؤولية منزل كامل وأنا في السادسة عشرة بينما أرى بنات عمومتي وأخواتي يتحدثن عن المكياج والمدارس والبرامج والاهتمامات وأشعر أنني أعيش في عالم آخر لا يشبه عالمهن في شيء.
وفي إحدى المرات جلست بجوارهن حملت زجاجة طلاء الأظافر ووضعتها على أصابعي بحماسة بريئة كطفلة تظن أن خطوة صغيرة قد تجعلها تنتمي
بصوا حلو كده
يا نهار أبيض! خلود بتحط مناكير!
بصوا ضوافرها كلها تراب!
تعالت الضحكات وجلست أخواتي معهن يضحكن أيضا كأنني لم أكن بينهم كأنني لم أكن واحدة منهن. لم يدافع عني أحد ولم أسأل أحدا لماذا لكن السؤال ظل محفورا في داخلي إلى الأبد.
كبرت وأنا أعيش هذا التناقض المؤلم
أنا أراهن جميلات ناجحات مدللات
وهن ينظرن إلي ككائن غريب عن عالمهن لا ينتمي إلى صورته ولا لغته ولا أحلامه. الكاتبة نرمين عادل همام
وخزانة ضيقة وملابس قليلة وغرفهن الفاخرة الممتلئة بالعطور والملابس والمجوهرات والذكريات والهدايا.
ورغم ذلك كنت في داخلي ما أزال بريئة أفرح لفرحهن وأقارن في صمت دون حسد دون كراهية بل بدهشة حزينة تشبه الوقوف أمام مرآة لا تعكس ملامحك.
شرفوني في صفحتي الكاتبة نرمين عادل همام
وحين ذهبت إلى بيت أهلي بعد غياب خمسة عشر عاما استقبلني أبي بحنان كاد يعوض سنوات الحرمان دفعة واحدة.
نورت بيتك يا بنتي.
وحشتني يا بابا.
أما
وحشتيني قوي يا خلود.
وأنا كمان