رواية حين كبرت كبرتُ كاملة جميع الفصول بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

قوي.
لكن أخواتي بقين كما هن سلام بارد مسافات صامتة أبواب تغلق في وجهي وأحاديث أقصى عنها. كنت أرى بوضوح أنني لا أنتمي إلى عالمهن وأن السنوات التي عشتها بعيدا صنعت بيننا مسافة لا تردم بسهولة مسافة من الصمت والاختلاف والغياب الطويل.
في صباح اليوم التالي حين طلبت أمي من أخواتي الاستعداد للسفر إلى القاهرة لم أكن أملك سوى حقيبة صغيرة تضم بضع قطع قديمة من الملابس.
سيبي الشنطة دي.
ليه
خدي من هدوم عهد.
للمرة الأولى في حياتي ارتديت فستانا أنيقا. نظرت إلى نفسي في المرآة بدهشة صامتة كأنني أكتشف شخصا آخر لم أعرفه من قبل.
حتى في تلك اللحظة الأولى لم أحتج أن ينطق أحدهم بما يشعر نظرات أخواتي كانت كافية. تبادلوا النظرات كتموا الضحكات وظهرت تلك الابتسامات الجانبية التي لا تخطئها العين. كنت واقفة أمام المرآة وفي صدري خليط غريب من الفرح والارتباك يشبه خوفا جميلا من حياة لم أختبرها من قبل.
دخلت أمي فجأة وقالت بلهجة سريعة حاسمة
يلا اخلعي الهدوم دي وخدي دش.
مدت لي أشياء لم أعرف أسماءها يوما كريمات عطور مستحضرات وطلبت من العاملة أن ترتب حاجبي وتسرح شعري. وقفت أمام المرآة أراقب الخصلات وهي تتحول بين يديها من شيء مهمل إلى لوحة ناعمة كثيفة براقة. وفي تلك اللحظة وحدها شعرت بالغبن غصة حادة صعدت إلى حلقي وأنا أرى نفسي جميلة لأول مرة في حياتي جميلة على نحو لم أعرفه من قبل.
وضعت أمي بعض المكياج على وجهي علقت في عنقي إكسسوارا أنيقا ناولتني حذاء وحقيبة مرتبة ثم خرجنا إلى الطريق.
في السيارة كنت غارقة في نشوتي الجديدة. أتحدث مع عهد فلا تلتفت أوجه حديثي إلى رغد فتبتسم وتجاوبني وكأنني
أمسك بالفرح من أطرافه لأول مرة. كنت أراقب ملامحها وهي تحكي لي عن مدرستها وصديقاتها وأهز رأسي بإعجاب وفي قلبي فرح لا يشترى بمال الدنيا.
المدرسة عملت لنا مفاجأة الأسبوع اللي فات.
بجد احكيلي احكيلي.
وصلنا إلى القاهرة وكان الاستقبال صاخبا بالحب والدهشة. جدي وجدتي وخالاتي التفوا حولي عناق طويل كلمات دافئة نظرات فخر. لأول مرة أشعر بهذا الاحتواء بهذا الدفء الذي يشبه العائلة حقا.
إلى أن انطلقت فجأة عبارة عهد كسهم أصاب صدري
دي ملابسي والشوز بتاعي والشنطة بتاعة رغد.
ساد صمت ثقيل للحظة. تجاهلت خالتي كلامها عمدا وأكملت الحديث معي بنبرة دافئة بينما كانت أمي ترمق عهد بنظرة حادة صامتة تأمرها أن تصمت.
في الليل سمعت صوت عهد يتسلل من الغرفة المجاورة همسات ثم كلمات واضحة. كانت تحكي عني تصفني بالجهل والإهمال تقول إنني لا أعرف كيف ألبس ولا أنظف نفسي وإن أمي اضطرت إلى تهيئتي حتى لا يقال إنها أهملتني.
كنت أقبض على الغطاء بقوة أشعر بالكلمات كسكاكين تغرس في صدري ولم أستطع أن أواجه فقط بكيت بصمت.
وفي الصباح أعلنوا الذهاب إلى السوق. دفعتني أمي مبلغا صغيرا وهمست لي أن أشتري ما أحب لكنني خرجت معهم كمن يمشي خارج المشهد. أخواتي يتنقلن بين المحلات يضحكن يخيرن يتبادلن الآراء وأنا خلفهن أركض أراقب من بعيد كأنني ظل لا يرى.
حين عدنا إلى البيت سألتني جدتي بلطف
ها يا خلود ليه ما اشتريتيش حاجة
وقبل أن أجيب قفزت عهد بضحكتها الجافة
هتلبسهم فين عند البهايم ولا المعزة اللي بتربيها
تجمد المكان. ارتجف قلبي. شعرت أن الدنيا ضاقت بي رغم اتساع القصر من حولي. رفعت جدتي صوتها فجأة
عيب عليك! دي
أختك دي توأمك استحي.
سكت الجميع وسكت معهم. الكاتبة نرمين عادل همام
لكن في داخلي انكسرت قطعة لا تصلح. ومنذ تلك اللحظة لم تعد الأمور كما كانت. فهمت أنني إن لم أتحرك الآن فلن أتحرك أبدا.
كانت تلك الأيام أقسى ما مر علي في حياتي ضغط من كل اتجاه اختناق صامت ووحدة لم أختبرها من قبل. عماتي لا يتوقفن عن الاتصال أبي يرسل الرسائل واحدة تلو الأخرى يطالبني بالعودة أن أعود فورا إلى جدتي أن أكف عن البقاء حيث أنا. لم يتركوا لي لحظة واحدة أستجمع فيها نفسي ولا حتى لحظة أفرغ فيها قلبي بين يدي الله أستغفر أتنفس أهدأ. كنت أشعر وكأن كل شيء يتآمر علي ليجرني من قدمي إلى حياة لم تعد تشبهني.
كنت أقضي الإجازة وحيدة في القرية صمت جدتي يملأ البيت وصمت المكان يضغط على صدري. أفتح هاتفي فأرى حياة الجميع تمر أمامي كفيلم. أخواتي المتزوجات مع أزواجهن في رحلات وسهرات ووجوه ضاحكة وأخواتي غير المتزوجات بين سفر وتجوال وأمي لا تنقطع صورها بين تجمعات وحفلات وأسفار وأنا وحدي بلا حياة بلا قيمة بلا صوت.
بنات عماتي وأعمامي يطفن الدول وأنا أحفظ أسماء تلك الدول من كثرة ما أراها في صورهم كأنني أتعلم العالم من خلف شاشة وأنا محبوسة في غرفتي. الكاتبة نرمين عادل همام
كان قلبي يختنق. وكنت أسأل نفسي بصوت داخلي لا يرحم
أنت خايفة على مشاعر مين خايفة على عماتك اللي تركوا أمهم وحرموك من كل حاجة علشان تفضلي تخدمي خايفة على أمك اللي ما تعرفيش عنها حاجة غير لما أنت تبادري خايفة على جدتك اللي فرضت عليك حياة مش حياتك
ثم جاء القرار قرار مؤلم لكن لا مفر منه.
وقفت أمام جدتي قبل أسبوع من بدء الدراسة. قلبي يرتجف
وصوتي يكاد يخونني لكنني قلت لها
لو سافرت يا جدتي وما رجعتش القرية تاني هتعملي إيه
كان وجهها يتحول ببطء والصدمة تتسلل إلى عينيها.
تسيبيني وتمشي أشتكي لأبوك يضربك وتسيبيني لوحدي
مدت يدها إلى هاتفها. سحبت الهاتف من يدها بسرعة وقلبي يتمزق.
بهزر يا جدتي بهزر خلاص ما حدش يمزح معاك.
لكن قلبي كان مكسورا. كنت أعرف أنني سأتركها. كنت أعرف أن مستقبلي أهم من أي شيء وأن التضحية بخمس وعشرين سنة لا يمكن أن تمتد إلى العمر كله.
جهزت لها الطعام وضعت لها الماء رتبت الدواء نظفت البيت حتى صار يلمع غسلت ملابسها وصففتها في الخزانة جلست عند قدميها أشرح لها مواعيد الدواء وهي ترد علي بهدوء وثقة
حاضر يا بنتي ما تقلقيش. الكاتبة نرمين عادل همام
ذهبت إلى جارتها وطلبت منها أن تعتني بها ثم عدت أقبل رأس جدتي ويديها وقدميها أحتضنها وأنا أبكي ألتقط معها صورا كأن قلبي كان يشعر أن هذا وداع أخير.
بعد أيام اتصلت بي الجارة لتطمئنني
جدتك تعبانة ما بتاكلش ولا بتنام وبتقول رجعوا لي خلود. كنت أختنق وأنا أسمع.
ومع مرور الوقت دخلت مرحلة الوعي المؤلم.
بدأت أرى الفارق الحقيقي بين حياتي وحياتهن بين غرفتي الصغيرة في بيت جدتي التي لا تحوي سوى سرير بسيط وبين عوالمهن الواسعة.
ومع بدء الدراسة لم أعد أملك رفاهية التراجع.
وفي أحد الأيام اتصلت جدتي. حاولت أن أشرح لها بهدوء
يا جدتي لقيت فرصة أتعلم ولازم أكمل. هاجي أزورك في الإجازة.
كانت تسألني ببراءة موجعة
إمتى بترجعي الساعة كام
كنت أعيد الكلام ولا تفهم.
أرسلت صورة لجدتي إلى عمتي على الهاتف وكتبت لها أن الأمانة انتهت. انهالت الاتصالات. تجاهلت الجميع حتى
لم أعد أحتمل تجاهل أبي.
أنا خايف عليك فيك إيه حصل
تم نسخ الرابط