رواية حين كبرت كبرتُ كاملة جميع الفصول بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

لك إيه فين إنت
أخبرته أنني انتقلت إلى مدينة أخرى لأدرس ولم أذكر أين.
ثم جاءت رسائل عمتي نورة. رسائل قاسية كلماتها كانت كالسكاكين
حسبي الله ونعم الوكيل فيك. سبتيها لوحدها علشان تروحي تلعبي. ما عندكش شرف. كنت شاكة فيك من زمان.
كنت أقرأ وقلبي يتشقق وخوفي يلتهمني وشعور الذنب يطحنني.
لكنني لم أعد أملك التراجع.
كانت كلمات عمتي نورة أشبه بسم بطيء. قرأتها وأنا أرتجف من الغضب حرارة جسدي ترتفع ووجهي يحترق. ابتلعت كل شيء ولذت بالصمت لا لأنني قوية بل لأنني كنت خائفة ضعيفة مذهولة مما يجري حولي.
بعد أن علموا أنني التحقت بالدراسة بدأت عمتي ترسل رسائل أقسى من سابقاتها. كلمات تتقطر شماتة واحتقارا تذكرني بعلامات الشهادة القديمة بتلك الكلمة التي كانوا يرفعونها في وجهي في كل مناسبة مقبول. تعيدها الآن كسوط على ظهري بعد كل تلك السنوات.
هو إحنا نسينا المقبول اللي كان في شهادتك بعد ما شاب ودوك الكتاب بنات عمرك جابوا الطفل التاني والتالت وإنت لسه بتدرسي. هو إنت أصلا بتعرفي تدرسي ولا أكتر حاجة بتتقنيها تحلبي الغنم
كانت تلك الجملة وحدها كفيلة بأن تهدم ما تبقى من داخلي.
تلك الذكريات المؤلمة للحفلات العائلية حين كانوا يقفون جميعا ويصيحون أمام الجميع
خلود مقبول وفلانة ممتاز وعلانة ممتاز
عادت الآن مضاعفة قاسية موجعة.
لم أرد.
لا حرفا واحدا.
لا أدري أكان ذلك خوفا أم وهنا أم شعورا داخليا بأنني اقترفت جريمة لا تغتفر.
نشأت على الخوف. حتى مزرعتنا الصغيرة لم أكن أخرج منها إلا وجدتي واقفة على الباب ترجوني أن أعود تخاف علي من الكلاب من الطريق من الهواء.
والآن أنا بعيدة عنها عشر ساعات وحدي بكل هذا الصراع.
عمي أستاذ الجامعة في القاهرة
بدأ يتصل بي بإلحاح. لم أجرؤ على الرد. كنت أخشى أن تكون له سلطة تخرجني من الجامعة. لهذا لم أخبر أحدا أنني في القاهرة. قلت لهم مدينة أخرى.
لكنهم عرفوا في النهاية. وبمساعدة أحد الموظفين وصل اسمي إلى العميد وبدأت المشاكل. هدد عمي الإدارة وطالب بفصلي واتهم الموظفة التي توسطت لي.
استدعتني مديرة الجامعة. شرحت لها كل شيء. نظرت إلي طويلا ثم قالت بهدوء
خلاص روحي القاعة وانسي الموضوع.
لا أعرف أين هي الآن لكنني أدعو لها في صلاتي منذ ذلك اليوم.
دخلت أسبوعين فقط من الدراسة وكانت عمتي نورة لا تزال تنفث سمها في كل مكان حتى في مجموعة العائلة أمام الجميع تكتب
يا بنات اشكروا ربكم على نعمة التربية بين الأب والأم. شوفوا خلود عبرة. قالت رايحة تدرس وهي كذابة. نسبتها ما تدخل جامعة. ومعروفة هربت مع مين. الأيام هتبين. خبر النهارده بفلوس وبكرة ببلاش.
فتحت المجموعة متأخرة في اليوم التالي. قرأت الكلمات.
رأيت الردود القليلة واحدة كتبت لا حول ولا قوة إلا بالله ثانية سألت باستغراب ثالثة وضعت رمز تعجب.
ثم رأيت ما هو أوجع
أمي خرجت من المجموعة. ورغد خرجت.
أمي هربت.
لم تدافع.
لم تسأل.
لم تقل كلمة.
في ذلك اليوم بكيت كما لم أبك من قبل. ليس بسبب عمتي بل بسبب أمي.
خرجت من كل مجموعات العائلة ثم وجدت الواتس قد أصبح فارغا. سبع وعشرون امرأة من العائلة حذفنني في لحظة واحدة.
بقيت أمي وأخواتي لكن بلا كلمة بلا سؤال بلا اهتمام.
الوحيدة التي كتبت لي كانت رغد
أتمنى لك طريقا آمنا.
كانت تلك الجملة حضنا وسط العاصفة. حفظتها صورتها قرأتها عشرات المرات عبر السنين.
بعد ذلك حذفت الجميع أمي أخواتي إخوتي. أغلقت الباب على كل شيء.
كان أبي يتصل يوميا يعاتبني
يقول إنني أحرجته وإنني خيبت ظنه وإن رضاه عني مشروط بعودتي إلى القرية. قال لي إنه لن يرسل لي مصروفا بعد اليوم.
أغلقت الهاتف وأنا في أول أيام الدراسة بلا سند بلا مال بلا عائلة.
في تلك الأيام فكرت في الموت. فكرت في الاختفاء.
لكنني تشبثت بالحياة كما تشبثت بها طفلة في مزرعة جدتي. قلت لنفسي
أنت قوية يا خلود مهما كان الألم.
تذكرت ثماني سنوات من عمري وأنا أخدمهم جميعا أضحك لهم أوزع الحب ولا أتلقى سوى التجاهل.
وتذكرت كيف علمت بزواج أخواتي من خلال الواتس.
وتذكرت أنني لم أكن يوما ابنتهم بحق.
كانت أحداث زواج عهد أول اختبار حقيقي لمدى هشاشتي أمامهم.
قبل الزفاف بأيام في يوم جمعة سألت أمي بهدوء ممتزج بشيء من العتاب لماذا لم يخبروني بالموعد منذ البداية ولماذا تدار الأمور وكأنني بعيدة عنهم تماما
أجابتني ببرود معتاد وكأن الأمر لا يستحق الشرح
إنت بعيدة يا بنتي ومش لازم تيجي علشان يوم واحد. نعوضك إن شاء الله في عيد الفطر نعمل لعهد حفلة وتكوني حاضرة فيها.
قلت لها وأنا أبتلع خيبتي
مش محتاجين تعملوا حاجة عشاني. ربنا يبارك لها وخلاص.
وفي العام التالي جاء زواج عهد فعلا. هذه المرة دعوني وكان الزفاف في القاهرة. أبي حجز لي تذكرة في اليوم نفسه وأصر أن أعود في اليوم التالي مباشرة بحجة أن جدتي لا يجوز أن تترك وحدها.
ذهبت.
كانت أمي قد خاطت لي فستانا وحجزت لي في صالون تجميل. لأول مرة شعرت أنني أعامل فعلا كأخت العروس كأنثى كاملة.
كنت جميلة. لم أكن أقل من أخواتي.
لكنني كنت أحتاج كلمة واحدة من أمي نظرة رضا عبارة صغيرة تقول لي إنني كافية وإنني أستحق هذا الاهتمام.
في تلك الليلة شعرت أنني أملك الدنيا.
حضرت زفاف أختي وكان أول زفاف
أحضره في مدينة كبيرة لا في القرية. كل شيء كان فخما مترفا متكلفا. حضور لشخصيات معروفة لنساء لهن هيبة ومكانة بسبب خالاتي.
كنت مبهورة لكنني كنت منكسرة في داخلي.
جلست أغلب الوقت وحدي. لا أختلط بأحد. ليس لأن أحدا أساء إلي بل لأنني كنت مكسورة من قبلهم. أشعر أنني مختلفة أقل غريبة وأن جلوسي بينهم قد يحرجهم.
بعد ذلك عدت إلى جامعتي.
عشت خمس سنوات كاملة لا أعرف أخبار أهلي إلا من خلال واتس رغد.
أرى زواج أخي.
أرى أن عهد أنجبت طفلها الثالث.
أرى حفل تقاعد أبي.
وفي تلك الفترة كان أبي قد قطع المصروف تماما لكن الجامعة كانت تصرف لي مبلغا يكفيني.
ثم جاء الخبر الذي كسر ظهري وفاة جدتي.
انهرت.
لم يخبرني أحد.
علمت من واتس رغد.
وحتى هي لم تكلمني. كانت أحيانا ترد على تعليقاتي وأحيانا لا تفتحها أصلا.
بعد تخرجي زميلاتي في الغربة أقمن لي حفلة. لأول مرة أضع صورة لي على حالة الواتس.
رغد شاهدتها ولم تعلق.
لا تسأليني لماذا كنت أربط حياتي بهم.
هذا وجع لا يشرح.
ثم توظفت معيدة في الجامعة. تحسن وضعي. استأجرت شقة مع زميلة لي. وجدت بشرا يحبونني. طالباتي لا ينظرن إلي كأستاذة فقط بل كصديقة.
في يوم المعلم قرأت كلمات لم أسمعها في حياتي إلا من أبي وجدتي.
كنت أبنى من جديد.
ثم جاءت الصدمة من حيث لا أتوقع.
ابنة عمي التي كانت طفلة يوم رحلت التحقت بالجامعة التي أعمل بها. رأيتها أحببتها شعرت بدفء غريب. ناديتها يوما وقلت لها
أنا خلود.
نظرت إلي بدهشة صادقة وقالت
والله ما عرفتك بس شكلك مش غريب علي.
في اليوم التالي جاءتني تقول إن أمها تريد رقمي. أعطيته دون تردد.
فجاءتني الرسالة
اعتبري بنتي طالبة زي أي طالبة ومش عايزاكي تقربي منها. ومش ناسيين يوم
ما هربتي مع واحد.
توقف كل شيء داخلي.
رددت عليها وأنا أرتجف
واحد إيه والله العظيم أنا جيت
تم نسخ الرابط