امرأة تنقذ نفسها ورجلًا بلا مأوى… وما حدث بعد ذلك قلب حياتهما رأسًا على عقب
لم يكن الموت هو الصدمة الأولى بل ما جاء بعده.
بعد أن أغلق التابوت وتفرق المعزون وعادت الأصوات إلى طبيعتها اكتشفت ليلى أن العالم لم يتوقف احتراما لفقدها. السيارات واصلت المرور المتاجر فتحت أبوابها والسماء أشرقت في الصباح التالي بلا اكتراث. عندها فقط شعرت بالصفعة الحقيقية أن الفاجعة حدثت داخلها وحدها.
شقة الطابق السابع التي كانت يوما مكانا للحياة تحولت إلى مساحة ثقيلة بالذكريات. كل زاوية تحمل أثرا فنجان قهوة لم يكمل شربه ساعة الحائط التي أصلحها بيده الستارة التي أصر على اختيار لونها رغم اعتراضها. لم تكن تبكي طوال الوقت بل كانت تسير داخل الفراغ كمن يخشى أن يلمس أي شيء فينهار.
كانت الليالي الأصعب. الصمت في غياب شخص واحد ليس صمتا عاديا بل كائن ضخم يتمدد مع الظلام. كانت تستلقي على السرير تنظر إلى السقف وتحاول أن تتذكر متى كانت آخر مرة نامت دون أن تشعر بالذنب لأنها ما زالت هنا.
مرت أسابيع ثم شهور بلا علامات واضحة للفصل بينها. الزمن فقد شكله. حتى المرآة صارت غريبة امرأة أقل امتلاء أهدأ ملامح وعينان تنظران وكأنهما تنتظران شيئا لن يأتي.
لكن الحياة بعنادها المعتاد طالبت بثمن الاستمرار.
اضطرت ليلى للعودة إلى العمل. لم يكن
طريقها اليومي إلى العمل أصبح طقسا صامتا. تمشي بخطوات ثابتة تعبر الجسر الحجري وتتفادى النظر إلى النهر حتى لا تتذكر النزهات القديمة. كانت تحاول أن تعيش بأقل قدر ممكن من الإحساس.
وفي أحد الصباحات الباردة لفت انتباهها شيء لم تنتبه له من قبل.
رجل يجلس على درج مكتبة قديمة مبناها مهمل لكن مهيب كأن الزمن نسي أن يهدمه. لم يكن يشبه المتسولين المعتادين. لم يمد يده لم ينظر للمارة برجاء فقط جلس هناك ظهره مستقيم ونظره ثابت يراقب الشارع كما لو كان يعرف قصصه كلها.
تجاهلته في اليوم الأول.
وفي اليوم الثاني لاحظت أنه ما زال في المكان نفسه.
في اليوم الثالث شعرت بشيء غريب إحساس بأن وجوده ليس مصادفة.
توقفت للحظة أخرجت ورقة نقدية من حقيبتها ووضعتها قربه دون أن تنظر إليه.
قال بصوت منخفض لكنه واضح
صباح الخير.
تجمدت ليلى لثانية.
لم يكن الصوت صوت رجل منكسر بل شخص يعرف تماما أين يقف.
ومن تلك اللحظة بدأت سلسلة أحداث
لم تفهم ليلى متى بدأ وجوده يتحول من مشهد عابر إلى جزء ثابت من يومها. في البداية كان مجرد تفصيلة تمر بجانبها وهي في طريقها إلى العمل ثم صار علامة زمنية تعرف أنها تأخرت إذا لم تجده في مكانه وتشعر بشيء يشبه القلق إذا مرت ولم تلمح معطفه الداكن على درجات المكتبة.
كان يجلس دائما في الوضعية نفسها يضع حقيبة قماشية صغيرة إلى جواره ويمسك بكوب ورقي فارغ معظم الوقت لا لطلب المال بل كأنه يحتاج شيئا يضع يده عليه. لم تكن ترى أحدا يتوقف عنده كثيرا لكنه لم يبد منزعجا. كان حضوره هادئا ثابتا كصخرة اعتادت عليها المياه.
في المرة التالية التي توقفت فيها لم تضع المال فقط. سألت دون أن تخطط
هل أنت بخير
رفع رأسه ببطء تأملها للحظة ثم ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد ترى.
على قدر ما تسمح به الأيام.
لم تعرف لماذا ضحكت. ربما لأن إجابته لم تكن شكوى ولا ادعاء قوة. كانت مجرد حقيقة.
تكرر الحوار وتكرر التوقف. لم تكن الأحاديث طويلة جمل قصيرة عن الطقس عن ازدحام الشارع عن المكتبة التي لم تعد تفتح أبوابها منذ سنوات. ومع ذلك كان هناك شعور غير معلن بالراحة. لم يسألها عن حياتها ولم يحاول أن يعرف أكثر مما تقدمه هي طواعية.
بعد
عارف قالها ببساطة وكأنه يذكر اسم شارع لا أكثر.
في المقابل لم تعرف نفسها. ليس لأنها لا تثق به بل لأنها لم تعد تعرف أي اسم يمثلها الآن. الاسم مثل كل شيء آخر بدا متعلقا بحياة سابقة.
اشتد البرد مع اقتراب الشتاء وصارت الصباحات أكثر قسوة. لاحظت أن يديه ترتجفان أحيانا وأن تنفسه يصبح أثقل مع الرياح. في أحد الأيام تركت بجانبه قفازات صوفية دون تعليق. نظر إليها طويلا ثم قال
لا أحد يفعل هذا دون سبب.
أجابت وهي تشد معطفها
ربما السبب أننا بشر.
في تلك اللحظة رأت شيئا تغير في عينيه. كأن جدارا داخليا تصدع قليلا.
مرت الأيام على هذا النحو حتى جاء ذلك الصباح المختلف.
كان الجو هادئا بشكل غير معتاد السماء رمادية بلا حركة والمدينة تمشي على أطراف أصابعها. توقفت ليلى كعادتها لكن قبل أن تنطق تحدث عارف.
الليلة القادمة لا تعودي إلى شقتك.
ضحك قلبها عصبيا.
ماذا تقصد
نظر حوله وكأنه يتحقق من خلو المكان ثم خفض صوته.
اقضيها في أي مكان آخر. لا تسألي الآن.
ارتفع توترها.
هذا غير منطقي.
أعلم. لكنه ضروري.
حاولت أن تسأله لماذا لكنه لم يجب. فقط قال
ثقي بي هذه المرة كما وثقت أنا بأنك ستتوقفين عندي ذات يوم.
تركت المكان بخطوات مترددة. عقلها
وفي تلك الليلة للمرة الأولى