امرأة تنقذ نفسها ورجلًا بلا مأوى… وما حدث بعد ذلك قلب حياتهما رأسًا على عقب
المحتويات
منذ شهور حسمت أمرها بناء على صوت داخلي لا على منطق واضح.
وكان ذلك القرار هو الفارق بين الحياة والرماد.
لم يكن قرار ليلى مدفوعا بالشجاعة بل بالارتباك. طوال المساء وهي تحزم حقيبة صغيرة كانت تحاول إقناع نفسها بأنها تبالغ. رجل غريب يجلس أمام مكتبة مهجورة لا يمكن أن يعرف شيئا عن حياتها أو عن شقتها. ومع ذلك كانت يدها تتحرك بعكس ما يقرره عقلها. وضعت بعض الملابس شاحن الهاتف وكتابا لم تقرأه منذ شهور كأنها تحتمي بشيء مألوف.
اختارت نزلا صغيرا في الطرف الآخر من المدينة. مكان بلا ذاكرة بلا تفاصيل فقط سرير نظيف وجدران صامتة. عندما أغلقت باب الغرفة خلفها شعرت بفراغ مفاجئ إحساس يشبه الخيانة كأنها تركت حياتها وحدها دون تفسير.
حاولت النوم لكن النوم لم يكن كريما معها. كانت تستيقظ كل ساعة تقريبا تنظر إلى شاشة هاتفها ثم إلى السقف وتعود لتقلب جسدها بلا راحة. كلمات عارف ترددت في رأسها بإلحاح مزعج لا تعودي الليلة. لم يقل خطر لم يقل حريق لم يقل موت ترك الفراغ يتكلم بدلا عنه.
في الثالثة إلا ربعا فجرا اخترق الصمت صوت حاد. صافرات إنذار بعيدة في البداية ثم أقرب ثم قريبة جدا. جلست ليلى مفزوعة قلبها يخفق بعنف والنافذة تعكس ومضات حمراء وزرقاء. اقتربت ببطء سحبت
الاتجاه الذي تقع فيه شقتها.
تجمد الدم في عروقها. أمسكت هاتفها بيد مرتجفة فتحت الأخبار ثم وسائل التواصل. لم تحتج وقتا طويلا لتجد الخبر حريق في مبنى سكني بشارع نورث بريدج. الصور الأولى كانت مشوشة لكنها عرفت الواجهة فورا. النوافذ نفسها الشرفات نفسها الدخان الكثيف يخرج من الطوابق السفلى.
جلست على السرير وكأنها فقدت القدرة على الوقوف. شعرت بموجة باردة تجتاح جسدها من الداخل. لو لم تستمع إليه لو عادت كعادتها لم تكمل الفكرة لأن عقلها رفض الذهاب إلى هناك.
مع بزوغ الصباح تأكدت التفاصيل. تماس كهربائي في شقة بالطابق الخامس امتد بسرعة عبر الأسلاك القديمة. أخلي المبنى نقل أحد السكان إلى المستشفى وتضررت عدة شقق من بينها شقتها.
عادت ليلى إلى المكان بعد الظهر. الشرطة شريط التحذير رائحة الحريق التي لا تخطئها الأنف. وقفت أمام المبنى تشعر بأنها تنظر إلى حياة أخرى كان يمكن أن تنتهي.
لم تدخل. لم تستطع.
بدلا من ذلك اتجهت مباشرة إلى المكتبة.
كان عارف هناك كما لو أن شيئا لم يحدث. واقف هذه المرة لا جالس ينظر إلى الشارع بنفس النظرة الهادئة. عندما رآها لم يبد متفاجئا.
أنت بخير قالها كحقيقة لا كسؤال.
اقتربت منه عيناها ممتلئتان بشيء بين الدموع والذهول.
كيف
تنفس بعمق.
بعض الأشياء نعرفها لأننا عشناها طويلا.
لقد احترق المبنى.
أعلم.
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
لو لم أستمع إليك
قاطعها بلطف
لكنك استمعت. وهذا يكفي الآن.
في تلك اللحظة لم تر فيه رجلا بلا مأوى بل شاهدا على خط رفيع يفصل بين النهاية والاستمرار. خط لم تكن تعلم بوجوده لكنه كان موجودا طوال الوقت.
ومن هنا لم تعد قصتها عن النجاة فقط
بل عن الحقيقة التي لم يرد أحد أن تقال.
لم تعد ليلى إلى النزل تلك الليلة. بعد خروجها من المكتبة ظلت تسير بلا اتجاه كأن قدميها تعرفان طريقا لم يخطر ببالها. المدينة بدت مختلفة الشوارع نفسها لكن الإضاءة أضعف والوجوه أكثر تعبا وكأنها رأت المكان لأول مرة بعد أن نجت من نهاية لم تعشها.
جلست على مقعد حجري قرب النهر. أخرجت هاتفها فتحت صور شقتها القديمة قبل الحريق. الجدران المكتب الخشبي النافذة التي كانت تطل على شارع ضيق. كل شيء صار ذكرى في ساعات قليلة. الغريب أنها لم تشعر بالحزن كما توقعت بل بشيء أقرب إلى الانفصال. كأن حياتها السابقة كانت تخص شخصا آخر.
ظل سؤال واحد يطاردها بإلحاح
من يكون عارف
لم يكن تفسير الصدفة كافيا. ولم يكن عقلها مستعدا لتصديق المعجزات.
في اليوم التالي عادت إلى المكتبة في الصباح الباكر. كانت تأمل أن تجده هناك لكن المكان كان فارغا. ظلت واقفة دقائق شعرت خلالها بخيبة غير مبررة. لماذا تهتم أصلا لماذا تبحث عن رجل بالكاد تعرفه
قبل أن تغادر لاحظت دفترا صغيرا موضوعا بعناية على حافة النافورة. غلافه جلدي قديم وعليه أثر طي متكرر. ترددت ثم فتحته.
لم يكن مذكرات بل تواريخ. صفحات كاملة مليئة بأيام أماكن وأسماء. بعض الصفحات احتوت جملة قصيرة فقط مثل تحذير أو نتيجة. توقفت عند تاريخ الأمس فوجدت سطرا واحدا مكتوبا بخط واضح
نورث بريدج حريق. نجت.
انقبض قلبها. أغلقت الدفتر بسرعة وكأنها ارتكبت خطأ. رفعت رأسها فوجدته يقف على بعد خطوات.
لم أقصد أن أتركه قال بهدوء.
هذا هذا عني قالت بصوت منخفض.
أومأ.
ليس عنك وحدك.
جلس هذه المرة على المقعد المقابل لها. لم يبد عليه القلق بل نوع من الاستسلام الهادئ.
أنا لا أتنبأ بالمستقبل قال قبل أن تسأله.
أنا أتذكره.
سكتت. كانت العبارة ثقيلة أكثر مما يجب.
أتذكر نهايات حدثت وأخرى كان يمكن أن تحدث. في كل مرة أحاول تغيير واحدة يتشقق شيء آخر.
نظرت إلى الدفتر مرة
ولماذا أنا
ابتسم ابتسامة خفيفة خالية من
متابعة القراءة