رواية صدمـه في ليلة العرس ياسين وسلمى كاملة جميع الفصول بقلم اسما السيد
دخل علي عروسته ليله الدخله واول ما شافها صرخ انصرفي.. اعوذ بالله.. انصرفي الحقيني يا امه..
عازب رافض للجواز كله.. امه يأست منه فخططت تحطه قدام الامر الواقع فجوزته بالتوكيل اللي معاها بنت اختها واول ما دخل عليها صرخ.. اعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. انتي مين.. ياامه
دخل عليها في ليلة الدخلة وهو يحمل في صدره ضيقا قديما لا يعرف له سببا واضحا ولا يعترف به أمام أحد لأنه كان يظن أن الرجال لا يحق لهم أن يقولوا أنا خائف وأن كلمة خائف وحدها تجرح هيبته وتفتح باب سخرية لا يرحمها الناس ولا ترحمها الأمهات حين يشتد قلقهن على مستقبل ابنهن.
كان اسمه ياسين وكان في أوائل الثلاثينات رجلا يبدو لمن يراه من الخارج ثابتا مهذبا ناجحا يعرف كيف يبتسم وكيف يغلق النقاش بكلمة قصيرة وكيف يعتذر بلطف دون أن يفتح قلبه لأحد وكان يعمل عملا محترما يكفيه ويكفي أمه ويجعل الجميع يقولون ما شاء الله لكنهم حين يصلون إلى السؤال المعتاد لماذا لم يتزوج بعد تصبح كل صفاته فجأة بلا قيمة ويصير كأنه ناقص مهما كان كاملا في عيونهم.
هو نفسه لم يكن يكره النساء ولم يكن يكره الزواج لأنه فعل محرم أو شيء قبيح بل كان يكره ما يحيط به من ضجيج وتهديد وتحويل إنسانة إلى مشروع تكملة سيرة وتحويل بيت إلى ساحة امتحان دائم ورأى ذلك بعينيه في بيت أبيه حين كان صغيرا ورأى كيف تحولت أمه من امرأة تضحك إلى امرأة تقيس أنفاسها وتختار كلماتها بدقة لأن كلمة واحدة قد تشعل غضب رجل لا يعرف كيف يعترف بتعبه فكان ياسين قد أقسم في نفسه أنه لن يدخل تلك الدائرة وأنه إن تزوج يوما فسيتزوج وهو
لكن الأمهات حين يخشين الوحدة لا يسمعن تلك التفاصيل الدقيقة ولا يلتفتن إلى فلسفة النفس بل يسمعن كلمة واحدة ابنك لا يريد الزواج وينامين على خوف واحد سيظل وحيدا بعد موتي وسيضيع في الدنيا دون بيت ودون أولاد ودون امرأة تحفظه وتخفف عنه.
كانت أمه أمينة امرأة تجاوزت الخمسين بقليل لكنها في عينيها قلق أكبر من العمر كله وكانت تحب ابنها حبا مخلوطا بالتملك لأن حياتها بعد وفاة زوجها صارت تدور حوله وحده وحول نجاحه وحده وحول خوفها عليه وحده وكانت كل مرة تحاول أن تفتح معه موضوع الزواج ينهي الحديث بهدوء مهذب ثم ينسحب كأنه يغلق الباب على نار لا يريد أن تشتعل.
قالت له مرة بصوتها الذي حاولت أن تجعله حنونا لا آمرا.
يا ياسين يا ابني إحنا هنفضل كده لحد إمتى.
قال وهو يبتسم ابتسامة قصيرة.
لحد ما ربنا يكتب الخير يا أمي قالت وقد ضاقت. هو الخير ده مش بييجي غير لما الواحد يسعى قال وهو ينهض.
أنا بسعى في شغلي وفي حياتي يا أمي قالت وهي تلحقه بالكلمة قبل أن يغلق الباب والجواز قال دون أن يلتفت مش دلوقتي.
ومرت مش دلوقتي سنوات حتى صارت لا تعني وقتا بل تعني رفضا دائما وفي كل مناسبة عائلية كانت أمينة تسمع التعليقات المبطنة وتسمع الضحكات التي تخفي الشفقة وتسمع نساء يقلن لها بينهن إن ابنك أكيد فيه حاجة وإنه لو كان طبيعيا لتزوج وإنك أنت السبب لأنك دللته زيادة أو خنقته زيادة وكانت تمشي في بيتها وتختنق وتبكي وحدها ثم تمسح دموعها قبل أن يراها وتبتلع الغضب
وفي بيت أختها هناء كانت هناك فتاة اسمها سلمى ابنة أختها بنت في منتصف العشرينات جميلة هادئة تحب القراءة وتتعلم بصمت وتساعد أمها في البيت وتنام مبكرا لأن بيت أمها لم يكن يحب الضجيج وكان فيه أب متعب لا يهتم إلا بأن تسير الأمور كما يريد وكانت سلمى قد تعلمت منذ الصغر أن الهدوء أحيانا وسيلة نجاة لا طبعا أصيلا.
كانت هناء أم سلمى تحمل في قلبها هي الأخرى خوفا مختلفا لأنها ترى ابنتها تكبر وتخشى أن يفوتها القطار كما يقولون وتخشى كلام الناس أكثر مما تخشى حزن ابنتها وكانت ترى في ياسين فرصة مريحة لأن نسبته طيبة وأخلاقه معروفة ووضعه مستقر وأمه امرأة تعرفها وتثق بها فصار الموضوع بين الأختين يطبخ على نار صامتة حتى صارت الخطة جاهزة.
كانت أمينة تملك توكيلا قديما من ابنها كتبه لها بعد وفاة أبيه لتسهيل بعض المعاملات لأنها كانت لا تحسن الذهاب وحدها ولم يكن ياسين يتوقع أن التوكيل الذي أعطاه بدافع البر سيصير بابا لقرار مصيري لم يشارك فيه.
وفي ليلة كانت أمينة قد وصلت إلى أقصى يأسها قالت لأختها هناء بوجه شاحب أنا خايفة يموت مني وأنا عايشه قالت هناء بحدة فيها حنان يبقى نحطه قدام الأمر الواقع قالت أمينة وكأنها تهمس لنفسها بس أنا مش عايزة أكسره.
قالت هناء هو اللي كاسرنا يا أمينة من غير ما يقصد.
ثم قالت الجملة التي قلبت حياتهما. زوجيه.
كان القرار في قسوته يبدو لهما رحمة لأنهما لم تريدا فضيحة ولا مواجهة ولا انكسار أمام الناس فأقنعتا نفسيهما أنهما إن فعلتا ذلك فسيستسلم ياسين بعد الصدمة ثم يعتاد ثم يحب ثم يشكرهما لاحقا كما
أما سلمى فلم تكن تريد هذا الزواج بهذه الطريقة ولم تكن تحلم بالثروة أو البيت أو اللقب بل كانت تريد حياة بسيطة تختارها بنفسها لكنها لم تكن تملك صوتا قويا في بيتها وكانت أمها تقول لها بنبرة لا تقبل النقاش.
ده نصيبك يا بنتي ومتتعبيش دماغك.
فتقول سلمى في داخلها نصيبي الذي لم أسع له ولم أستشر فيه ولم أفرح به كيف يكون نصيبا.
وفي ليلة الزواج تم كل شيء بسرعة غريبة كأنهم يسرقون لحظة من الزمن قبل أن يفيق ياسين ويفهم وقيل له إنهم سيذهبون إلى مناسبة عائلية وإن أمه تريد أن يرافقها فذهب وهو لا يعلم أن توقيعه الحقيقي سبق حضوره وأن اسمه صار على عقد يربط حياته بحياة فتاة لم يخترها ولم يرها.
وحين وصل إلى البيت ورأى الزينة والنساء والرجال والتهاني شعر أن الدم ينسحب من وجهه وأن الهواء صار أثقل وأن الكلمات حوله صارت بعيدة كأنه يسمعها من قاع بئر.
اقترب من أمه وقال بصوت منخفض كأنه يخشى أن يسمعه أحد.
إيه اللي بيحصل يا أمي.
قالت وهي تمسك يده بقوة.
ده فرحك يا ابني.
قال وهو يحدق فيها.
فرحي.
قالت وهي تتجنب عينيه.
إحنا كتبنا كتابك.
قال وهو لا يصدق الكلمة.
كتبتم كتابي.
قالت بسرعة كأنها تطفئ نارا.
بالتوكيل يا ياسين متكبرش الموضوع.
قال وهو يشعر بأن قلبه يضرب في صدره كأنه يريد أن يخرج.
إنتي عملتي كده من ورايا.
قالت وهي تبكي.
أنا عملته عشانك.
لم يصرخ يومها لأن الناس حوله كانت كثيرة ولأنه كان يعرف أن أي فضيحة ستكسر أمه قبل أن تكسره لكنه ظل طوال الحفل كأنه يمشي فوق أرض غير ثابتة