رواية صدمـه في ليلة العرس ياسين وسلمى كاملة جميع الفصول بقلم اسما السيد
المحتويات
أن كلمة شكرا تخرج من فمه كذبا لا يليق به.
وحين انتهت الليلة ودخل البيت الذي أعدوه لهما وأغلقوا عليه باب الغرفة لأول مرة شعر أن كل ما هرب منه صار خلف الباب لا أمامه وأنه الآن وحده مع القرار المفروض عليه.
فتح الباب ودخل.
كانت سلمى واقفة في طرف الغرفة طويلة القامة ترتدي ثوبا بسيطا لكنه مرتب وتضع على وجهها قناعا أسود كاملا لا يظهر منه سوى فتحتين عند العينين وكانت تقف بصلابة مصطنعة لأن قلبها كان يرتجف ولأن أمها قبل أن تتركها قالت لها بصوت قاس.
إوعي تبيني له وشك.
قالت سلمى وهي مذهولة.
ليه يا أمي.
قالت هناء.
عشان يكرهك من أولها وما يمدش إيده ولا يلمسك ويعدي الليلة زي ما إحنا عايزين.
قالت سلمى وهي تشعر أن جسدها يسقط في حفرة.
إنتي عايزة إيه بالظبط.
قالت أمها.
عايزاه يهدى وما يعملش مشكلة ومع الوقت يتعود.
ثم أضافت بنبرة لا تسمح بالاعتراض.
اعملي اللي بقولك عليه.
فوقفت سلمى بالقناع لأنها لم تعرف كيف ترفض وهي تشعر أنها لعبة بين أيدي الأمهات.
لكن ياسين حين رآها لم ير خطة أمها بل رأى فجأة صورة من ذاكرة بعيدة صورة حكاية قديمة كان يسمعها وهو طفل عن امرأة مقنعة كانت تظهر في الليل وتسرق الأطفال وكان يخاف منها لدرجة أنه كان ينام وهو يضم غطاءه إلى وجهه ثم كبر ونسي الحكاية لكنه في تلك اللحظة عاد الطفل داخله مرة واحدة عاد الخوف غير المعقول وخرج صوته صرخة لم يخرج بها في حياته.
انصرفي.
أعوذ بالله.
انصرفي الحقيني يا أمه.
تراجع خطوة ثم أخرى وتعلقت عينه بالقناع أكثر من جسدها وشعر أن الغرفة تدور وأن قدميه لا تحملانه فانهار فجأة وسقط مغشيا عليه أمامها.
أما سلمى فحين سمعت صرخته شعرت أن شيئا انكسر في صدرها ليس
دخلت أمينة وهي تصرخ بعد أن سمعت صوته ووجدته ممددا على الأرض فصرخت بدورها ونادت على الرجال ثم حملوه إلى السرير وأفاق بعد دقائق وهو يتنفس بصعوبة وعيناه تبحثان عن تفسير سريع قبل أن ينهار مرة أخرى.
قال بصوت مكسور.
هي مين دي.
قالت أمه وهي تبكي.
دي مراتك يا ياسين.
قال وهو يضغط على رأسه كأن الألم فيه.
مراتي.
قالت أمه.
بنت أختي سلمى.
قال وهو ينظر إلى القناع الذي ما زال على وجهها.
إيه اللي على وشها ده.
قالت أمينة وقد التفتت إلى هناء التي دخلت هي الأخرى بسرعة.
إيه يا هناء اللي عملتيه ده.
قالت هناء بعصبية.
أنا اللي عملته ده كان عشان يعدي الموضوع من غير مشاكل.
قال ياسين بصوت مرتفع لأول مرة.
من غير مشاكل.
أنتم عملتوا أكبر مشكلة في حياتي.
في تلك الليلة لم يحدث شيء سوى أن سلمى خرجت إلى غرفة أخرى وأمينة بقيت تبكي عند ابنها وهناء تحاول أن تبرر وأن تهون وأن تعطي كلاما جاهزا لكن ياسين كان يشعر أن الكرامة التي كان يحافظ عليها طوال عمره سحبت منه فجأة وأنه صار رجلا بلا قرار.
مرت أيام ثقيلة كأنها أعوام وكان البيت يعيش في توتر صامت والناس خارج البيت يباركون ويضحكون وهم لا يعرفون أن الداخل ليس فرحا بل جرح مفتوح.
لم يقترب ياسين من سلمى ولم يجلس معها وحدهما وكان يتجنب النظر إليها لأنه كان يشعر بالذنب كلما تذكر صرخته الأولى لكنه في الوقت
وفي يوم بعد أسبوع تقريبا طلب من أمه أن تأتي معه إلى غرفة الجلوس وجلس أمامها كما يجلس رجل أمام قاض ثم قال بنبرة هادئة لكنها تحمل حدا قاطعا.
أنا مش هكمل كده.
قالت أمه وهي ترفع يدها ترتجف.
هتطلقها يا ياسين.
قال.
أنا مش عايز أظلمها ولا أظلم نفسي.
قالت أمه وهي تكاد تنهار.
دي بنت أختي يا ابني والناس هتقطع فينا.
قال.
الناس مش هتعيش مكاني.
قالت وهي تبكي.
أنا عملت كده عشانك.
قال وهو يزفر ببطء.
أنا عارف يا أمي بس نيتك ما بتغيرش إن اللي حصل غلط.
ثم قال جملة خرجت منه كاعتراف مؤلم.
أنا اتخضيت منها لأن أنا أصلا مخضوض من الجواز كله.
صمتت أمه لحظة لأنها لأول مرة تسمع منه اعترافا بهذه الصراحة ثم قالت بصوت خافت.
ليه يا ابني.
قال وهو ينظر إلى الأرض.
عشان خوفت أطلع زي أبويا.
وعشان خايف أظلم واحدة.
وعشان أنا مش بعرف أحب بسهولة.
ثم رفع رأسه وقال.
بس اللي عملتوه خلاني أكره الفكرة أكتر.
في تلك الليلة خرج ياسين وحده ومشى في الشارع طويلا ثم عاد ووقف أمام باب غرفة سلمى وطرق طرقا خفيفا ثم قال من خلف الباب بصوت متردد.
يا سلمى.
لم تجبه أولا ثم قالت بصوت خافت كأنها تخشى أن يسمعها أحد.
نعم.
قال.
ممكن نتكلم.
قالت بعد صمت.
اتفضل.
دخل وهو يشعر أن صدره ضيق وأن الكلمات لا تأتي سهلة لكنه قرر أن يفعل الشيء الوحيد الذي لم يفعله في حياته وهو أن يكون واضحا دون زينة ودون دفاع.
كانت سلمى جالسة على كرسي قرب النافذة والقناع لم يعد موجودا وكانت ملامحها هادئة لكنها شاحبة وعيناها تحملان تعبا أكثر مما يحمل عمرها.
قال وهو يقف على
أنا جاي أعتذر.
قالت بلا انفعال ظاهري.
اعتذارك مش هيرجع اللي اتقال.
قال وهو يبتلع ريقه.
عارف.
بس أنا لازم أقوله.
أنا كنت غلطان.
أنا اتصرفت كأني شايف قدامي حاجة تخوف مش إنسانة.
قالت وهي تحدق فيه.
هو أنت شفتني أصلا.
قال بصراحة جارحة لكنها صادقة.
لا.
أنا شفت خوفى.
ثم سكت قليلا وأضاف.
وشفت اللي اتعمل فيا.
قالت بعد لحظة.
وأنا كمان اتعمل فيا.
أنا اتجوزت غصب عني.
والقناع ده ما كانش اختياري.
قال وهو يشعر بضغط في قلبه.
يعني إنتي كمان.
قالت وهي تبتسم ابتسامة قصيرة بلا فرح.
كلنا هنا مغصوبين يا ياسين.
تردد ثم قال.
أنا مش عايز أظلمك.
ولا عايز أعيش معاك كأنك عقوبة.
قالت بصوت ثابت.
ولا أنا عايزة أعيش مع حد شايفني كده.
ثم حدث الصمت الذي يسبق القرار.
قال ياسين أخيرا.
أنا قدامي طريقين يا سلمى.
يا إما ننهي ده كله باحترام من غير فضيحة ومن غير انتقام.
يا إما نحاول نصححه من الأول.
بس مش بالطريقة اللي حصلت.
بالشرع وبالرضا وباختيار جديد.
نظرت إليه طويلا كأنها تبحث عن خداع جديد ثم قالت.
يعني إيه اختيار جديد.
قال.
يعني أنا مش هلمسك ولا هقربلك ولا هتعامل معاكي كزوجة إلا لما يكون في عقد جديد بحضورك وإيجاب وقبول منك أنت مش من أمك ولا من أمي.
يعني تقولي أنا موافقة بصوتك إنتي.
ووقتها بس أبقى راجل قد الكلمة.
اهتزت عيناها بشيء يشبه الدمع لكنها تماسكت وقالت.
وإنت ليه عايز ده.
قال وهو صادق على نحو مربك.
لأني لما بصيت في وشك دلوقتي حسيت إني جرحت إنسانة ما تستاهلش.
ولأني تعبت من الهروب.
يمكن تكون دي أول مرة أواجه نفسي.
سكتت طويلا ثم قالت بصوت منخفض.
أنا مش بحبك.
قال وهو يهز رأسه.
ولا أنا بحبك.
بس ده مش شرط عشان
قالت.
وأنا خايفة.
قال.
وأنا كمان خايف.
بس يمكن نكون خايفين مع بعض أحسن ما نكون خايفين لوحدنا.
في اليوم التالي جمع ياسين أمه
متابعة القراءة