رواية صدمـه في ليلة العرس ياسين وسلمى كاملة جميع الفصول بقلم اسما السيد

لمحة نيوز

وهناء وسلمى في غرفة واحدة ووقف مثل رجل قرر أن يحمل مسؤولية نفسه أخيرا وقال دون مقدمة طويلة.
اللي حصل غلط.
وأنا مش هكمل غلط.
يا إما سلمى توافق قدامكم على عقد جديد وهي فاهمة ورايحة بإرادتها.
يا إما ننهي الموضوع فورا.
صرخت أمينة.
يا ياسين الناس.
قال وهو ينظر إليها بنظرة حادة لأول مرة.
الناس مش ربنا يا أمي.
ثم التفت إلى سلمى.
إنتي قولى.
نظرت سلمى إلى أمها ثم إلى أمينة ثم إلى ياسين وكأنها ترى لأول مرة أنها تملك الحق في النطق ثم قالت بصوت متردد لكنه واضح.
أنا.
أنا موافقة نبدأ من جديد بس بشرط.
قال ياسين.
قولي.
قالت.
إن محدش يتدخل بيني وبينك تاني.
لا أمك ولا أمي.
ولا كلمة من بره البيت تدخل بينا.
وإن لو يوم من الأيام حسيت إنك مش قادر تكمل تقولها في وشي.
متسبنيش معلقة.
قال ياسين فورا.
وعد.
تم العقد من جديد في حضور شيخ وشهود وكان عقدا بسيطا لكن في قلبه شيء كبير لأنه كان أول عقد في حياتهما لا يبدأ بالكذب ولا بالخطة بل يبدأ بجملة واحدة قالتها سلمى بصدق وهي تنظر إلى الأرض.
قبلت الزواج منك.
بعد العقد لم تتحول الحياة إلى جنة كما تتخيل الحكايات لأن الجروح لا تلتئم في يوم واحد ولأن الخوف لا يخرج من القلب بسهولة ولأن سلمى كانت تحمل في داخلها حسرة إهانة ليلة أولى لا تنسى وياسين كان يحمل شعورا بالذنب والغضب من أمه ومن نفسه لكنه قرر أن يعالج ذلك بالصبر لا بالصمت.
كانت الأيام الأولى أشبه بتعلم المشي في بيت جديد لا يعرفان قواعده كان يجلس معها على المائدة ويسألها عن يومها فتجيب بإجابات قصيرة ثم تصمت وكان يحاول أن يجعل صوته عاديا فلا يبدو كأنه يعتذر دائما ولا كأنه يطلب الصفح دائما وكان يقول لها أحيانا بنبرة خفيفة.
عايزة تشربي إيه.
فتقول.
أي حاجة.
فيضحك ضحكة بسيطة ويقول.
أي حاجة دي مش مشروب يا سلمى.
فتضطر أن تبتسم
ابتسامة صغيرة ثم تعود إلى صمتها.
وفي الليل كان كل واحد منهما ينام على طرف من السرير كأن بينهما مسافة عالم وكان ياسين يترك لها مساحة كاملة لأن الوعد عنده صار مقدسا ولأن اقترابه قبل أن تطمئن سيكون نسخة أخرى من الإجبار الذي يكرهه.
مرت أسابيع ثم شهور وكانا يتغيران ببطء لا يراه الناس لأن الناس لا ترى إلا النتائج لكن التغير الحقيقي كان يحدث في التفاصيل الصغيرة حين بدأت سلمى تتكلم أكثر وحين بدأ ياسين يحكي لها عن أبيه وعن خوفه وعن اللحظة التي صار فيها يرى الزواج سجنا لا بيتا وحين بكت سلمى لأول مرة أمامه بلا خوف وقالت له إنها في تلك الليلة شعرت أنها قبيحة وأنها لن تنسى صرخته مهما حاولت وأنها كانت تريد أن تخلع القناع وتصرخ هي الأخرى لكنها لم تستطع لأن أمها علمتها أن الصراخ عيب.
قال لها ياسين وهو ينظر إليها بصدق.
أنا آسف يا سلمى.
مش آسف الليلة دي بس.
آسف عن كل مرة كنت جبان فيها قدام خوفي.
قالت وهي تمسح دموعها.
وأنا آسفة إني سكت كتير.
قال.
إنتي ما غلطتيش.
اللي غلطان اللي سلبك صوتك.
وفي يوم جاءته رسالة من رجل كبير في العائلة يقول له إن أم سلمى تتدخل كثيرا وإنها تحاول أن تفرض على سلمى أشياء في بيتها وإنها تكرر الخطأ نفسه فتذكر شرط سلمى وتذكر وعده فوقف مرة أخرى أمام أمه وأمام هناء وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة.
محدش يدخل بيني وبينها تاني.
هي مراتي وأنا مسؤول عنها.
واللي عايز يطمن يطمن بس من بعيد.
غضبت هناء وقالت.
يعني إحنا عملنا كل ده وفي الآخر تقفل علينا الباب.
قال ياسين.
أيوه.
عشان اللي عملتوه كان غلط.
وأنا بصححه.
وفي تلك الليلة حين عاد إلى البيت وجد سلمى تجلس في الصالة تنتظره ووجهها متوتر فقال لها.
فيه حاجة.
قالت بصوت خفيض.
أنا سمعت كلامك لأمي.
قال.
إيه رأيك.
قالت وهي تنظر إليه بعينين لامعتين.
أول
مرة حد يقف عشانى.
ثم سكتت وأضافت.
يمكن.
يمكن أنا أبدأ أحبك.
لم يقل لها أنا أحبك فورا لأنه لم يرد أن يحولها إلى جملة سهلة لكنه اقترب منها قليلا وقال بصوت دافئ.
خدي وقتك.
أنا هنا.
ومنذ تلك الليلة بدأ الجليد ينكسر قليلا قليلا وصارت تضحك أحيانا دون أن تخجل وصار هو يضحك معها وصارت تترك له باب قلبها مفتوحا بعض الشيء وصار هو يدخل برفق لا بعجلة وفي لحظة ما بعد شهور كانت سلمى تجلس قرب النافذة تقرأ كتابا وحين دخل ياسين رأت التعب على وجهه فقامت دون كلام وأحضرت له كوب ماء ثم جلست بجواره وأمسكت يده ببطء كأنها تختبر الشعور لأول مرة وقالت له بنبرة خفيفة.
متخافش.
قال وهو يبتسم.
أنا مش خايف دلوقتي.
قالت.
لا.
أقصد متخافش من إنك تبقى زوج.
أنت مش زي أبوك.
ثم قالت جملة جعلت قلبه يلين على نحو موجع.
أنت بتتعلم.
وهنا فقط شعر ياسين أن الزواج لم يعد فخا بل صار فرصة وأن المرأة التي دخل عليها ليلة الدخلة بقناع لم تكن تريد أن تخيفه بل كانت هي أيضا محاصرة وأن أمه حين خططت كانت ظالمة لكن خوفها كان حقيقيا وأن الحياة لا تصلحها النوايا بل تصلحها الشجاعة.
وفي فصل من وجهة نظر أمينة كانت تجلس وحدها في غرفتها بعد كل ما حدث وتشعر أن ابنها ابتعد عنها وأنها خسرت شيئا كانت تظنه حقا طبيعيا وكانت تبكي لأنها كانت تريد أن تراه سعيدا لكنها لم تعرف الطريق الصحيح إلى سعادته ولم تتعلم في عمرها كيف تسأل ابنها ماذا تريد بدل أن تقول له افعل ما أريده أنا وكانت تسمع ضحكة سلمى من بعيد فتشعر بوخز غيرة ثم تشعر بالذنب لأن الغيرة من سعادة ابنها قبح لا يليق بأم فتقوم وتصلي وتدعو ثم تقول لنفسها أنا التي كنت أريد أن أحميه فجرحته وجرحتها ثم تقول في قلبها يا رب اغفر لي جهلي.
أما سلمى ففي فصلها كانت تعترف لنفسها أنها في البداية لم تكن تحبه وأنها كانت
تراه صورة رجل صرخ في وجهها وأنها كانت تتمنى أن ينتهي كل شيء بسرعة لكنها الآن تشعر أنها تعيش أول مرة حياة تملك فيها حق النطق وحق الشرط وحق الرفض وحق القبول وأن ياسين حين وقف ضد أمه وأمها لم يكن يتكبر بل كان يعلن أنها إنسانة مستقلة لا هدية في يد أحد وأن هذا وحده كان بداية حب حقيقي لأن الحب عندها لم يكن كلاما بل كان حماية واحتراما.
وفي فصل ياسين كان يكتب في هاتفه ملاحظة صغيرة يقول فيها إنني كنت أظن أن الزواج نهاية حريتي ثم اكتشفت أنه بداية مسؤوليتي وأن المسؤولية ليست سجنا إذا كانت بالاختيار وأنني حين صرخت أول مرة لم أصرخ على سلمى بل صرخت على خوفي القديم وأن الخوف حين تسميه يصغر.
وبعد عام تقريبا لم يعد أحد يذكر القناع ولم يعد أحد يجرؤ أن يفتح الموضوع لأن سلمى صارت في البيت صاحبة قرار وياسين صار أكثر هدوءا وأمينة صارت تتعلم أن تحب دون أن تمتلك وأن الندم لا يغير الماضي لكنه قد يصلح ما بقي.
وفي ليلة هادئة كانا يجلسان على الشرفة والهواء لطيف وسكون الحي يحيط بهما فقالت سلمى
وهي تبتسم تلك الابتسامة التي صار يعرف أنها صادقة.
تفتكر لو الزمن رجع كنت هتصرخ تاني.
قال ياسين وهو ينظر إلى السماء.
لو الزمن رجع كنت همنع كل ده من أوله.
ثم التفت إليها وقال.
بس يمكن لو ما حصلش ما كناش اتعلمنا نختار.
قالت.
أنا كنت هكرهك طول عمري لو فضلت ساكت.
قال.
وأنا كنت هكره نفسي.
ثم قال الجملة التي لم يقلها بسهولة إلا بعد أن صارت حقيقة في سلوكه قبل لسانه.
أنا بحبك يا سلمى.
لم ترد بسرعة لأنها كانت تعرف قيمة هذه الكلمة حين تخرج بعد تعب لا حين تخرج بسهولة ثم قالت بصوت خفيض ممتلئ.
وأنا كمان بحبك.
ولم تكن النهاية صاخبة ولا مثالية لكنها كانت صادقة وهذا وحده يكفي لأن بعض البيوت لا تبنى بالزينة بل تبنى حين يتوقف الجميع عن التلاعب
بالقلوب ويبدؤون أخيرا في الاعتراف بأن الإنسان لا يقاد إلى السعادة بالحيلة بل يقاد إليها بالاحترام.

تم نسخ الرابط