مليونير يذهب لاستلام فستان ابنته فيعثر على طفلة… وما تقوله له يملؤه غضبًا
حين بدأ النهار يخلع آخر ضوئه لم يكن الغروب في المدينة احتفالا بالألوان بل نهاية يوم آخر من التمثيل المتقن. السماء اكتست بدرجة باردة من النحاس كأنها مرآة كبيرة تعكس حياة لا يراها من يعيشون داخلها.
في أحد القصور المرتفعة حيث تغلق النوافذ على الضجيج وتفتح على العزلة كان الصمت مقيما دائما. ليس صمت سلام بل صمت يشبه الفراغ بين شخصين لا يعرف أحدهما كيف يصل إلى الآخر.
وقفت سيدة البيت أمام مرآتها لا لتسألها من تكون بل لتتأكد أن القناع في مكانه الصحيح. رتبت تفاصيلها بعناية امرأة اعتادت أن تقاس قيمتها بما يرى لا بما يحس. لمع الألماس وانتشر العطر وظهرت تلك الابتسامة التي تؤدى كواجب اجتماعي لا كحالة شعورية. حياتها كانت سلسلة من المواعيد اللامعة التي لا تترك أثرا.
خلفها وقفت طفلة لم تتجاوز السادسة أنيقة أكثر مما ينبغي لطفلة ساكنة أكثر مما يسمح به عمرها. كانت تراقب أمها كما يراقب التلميذ أستاذه الأول. لم تتعلم الكلمات بعد لكنها تعلمت الدرس القرب يشترى والانتباه يكافأ والطلب لا يرفض إن صيغ كأمر.
قالت بصوت صغير لكن معتاد على السمع
هل ستشاهدين فستاني
لم تأت الإجابة من القلب بل من جدول مزدحم
ليس الآن. هناك ما هو أهم.
لم يكن الرفض قاسيا في نبرته بل في بساطته. فالأشياء التي تقال بلا إحساس تترك جرحا أنظف وأعمق.
خرجت المرأة وأغلق الباب وبقي في الغرفة عطر فاخر وطفلة تحاول فهم معنى أن يكون لديك كل شيء ولا أحد.
بعد قليل عاد الأب. رجل يعرف كيف يربح الصفقات ويخسر اللحظات. كان صوته أدفأ لكن حضوره متقطع. أحب طفلته بصدق لكنه لم يعرف لغة الحب إلا حين تترجم إلى بطاقات ائتمان وأكياس تسوق.
طلبت فأجاب. رغبت فنفذ. هكذا تصنع الطفولة حين يغيب الوقت.
في الطرف الآخر من المدينة حيث لا يشبه الغروب لوحة بل إعلانا بانتهاء الطاقة كانت امرأة أخرى تعود إلى بيت أصغر من تعبها.
داخل البيت كان الزوج يجلس أمام طاولة فارغة. المال القليل الذي كان يجب أن يحمي الغد تبخر كعادته. الأعذار جاهزة والصمت أثقل من أي شجار.
لم ترفع صوتها. الغضب الذي عاش طويلا لا يصرخ بل يرتجف.
وفي الزاوية كانت طفلة أخرى أكبر قليلا أفهم مما يجب. استمعت لكل كلمة لا لتفهم المشكلة بل لتلخصها في جملة واحدة داخل رأسها وجودي عبء.
اقتربت من أمها وقدمت ما يقدمه الأطفال حين يشعرون بالذنب عن حياة لم يختاروها التنازل عن حقهم.
ذلك العناق الصغير الصادق كان الشيء الوحيد غير القابل للكسر في البيت.
وعندما ظهرت المساعدة من الأقارب بدت كطوق نجاة. بوتيك أنيق وابتسامات محسوبة وكلمات دعم جاهزة. لم تر الأم المنهكة ما وراء الواجهة فالمنهكون لا يملكون رفاهية الشك.
أما الطفلة فقد دخلت عالما آخر بعد المدرسة.
عالم لا مكان فيه للعب
ولا وقت فيه للأحلام
ولا أحد يسأل إن كانت يدها الصغيرة تحتمل كل هذا الصمت.
وهكذا في مدينتين داخل مدينة واحدة
كانت طفلتان تتعلمان الدرس نفسه
لكن من جهتين متعاكستين تماما.
لم تكن الطفلة تعرف متى تحديدا فقدت اسمها داخل ذلك العالم الجديد.
في البداية كانت تنادى باسمها كاملا ثم صار النداء مختصرا ثم تحول إلى إشارة باليد أو نظرة ذات معنى واحد افعلي.
وهكذا بلا إعلان صريح انتقلت من كونها طفلة تأتي بعد المدرسة إلى كونها جزءا من المكان قطعة من نظامه الصامت.
كان البوتيك يفتح أبوابه قبل وصول الزبائن بساعة وفي تلك الساعة كانت الطفلة تصل.
تخلع حذاءها المدرسي عند العتبة وتستبدله بحذاء أخف كأنها تغير جلدها لا حذاءها.
تبدأ بجمع ما سقط ليلا خيوط دبابيس بقايا أوراق تغليف.
لم يكن العمل شاقا في ظاهره لكنه كان متواصلا بلا
لم تسألها أي من المرأتين إن كانت قد تناولت طعامها.
لم يخطر السؤال على بالهما فالطفلة لم تشتك.
والصمت في نظر الكبار دليل قدرة.
كانت تقف طويلا أمام المرايا لا لترى نفسها بل لتمسك الفساتين من الخلف بينما تقاس على أجساد أخرى.
أجساد تعرف قيمتها وتطلب مقاسا آخر ولونا آخر ورأيا آخر.
أما
هي فكانت تتعلم كيف تختفي دون أن تغادر المكان.
في بعض الأيام كانت ترى الطفلة الأخرى.
طفلة تأتي مع أمها أو مربيتها أو أبيها المنشغل بهاتفه.
كانت تلك الطفلة تجلس على الأريكة تتأفف تمل تطلب العصير ثم ترفضه.
لم تكن تعرف أن هذا الضجر ذاته امتياز.
كانت تراقبها من بعيد لا بحسد واضح بل بدهشة بطيئة.
كيف يمكن لطفلة أن ترفع صوتها هكذا
كيف تقول لا دون أن تخاف من العواقب
لم تكن الغيرة شعورا مفهوما لها لأنها لم تتعلم يوما أن تقارن تعلمت فقط أن تتحمل.
في المساء حين تغلق الأبواب الزجاجية كانت تعطى قطعة حلوى أو بقايا طعام أو جملة جاهزة
أحسنت اليوم.
وكان ذلك كافيا ليمنحها شعورا غامضا بالجدوى.
في بيتها لم تكن تحكي.
لم يكن هناك وقت للحكايات.
الأم متعبة والبيت هش والكلمات قد تسقط ما تبقى واقفا.
كانت تقول إنها كانت عند عمتها والجملة تمر كما تمر كل الأشياء التي لا أحد يريد التوقف عندها.
ومع مرور الوقت تغير شيء في داخلها.
لم تعد تنتظر نهاية اليوم.
لم تعد تعد الساعات.
صار الزمن سطحا واحدا بلا علامات بلا طفولة تفصل بين بدايته ونهايته.
وفي الجانب الآخر من المدينة كانت الطفلة الأولى تكبر هي الأخرى لكن في اتجاه مختلف.
تعلمت أن العالم يستجيب حين ترفع النبرة وأن التأخير إهانة وأن الرغبة حق فوري.
لم تكن شريرة لم تكن قاسية كانت فقط نتاجا طبيعيا لبيت يلبي قبل أن يسمع.
وهكذا وبين غرف القياس المضيئة وغرف المعيشة الصامتة
كانت الأقدار تنسج ببطء
خيطا خيطا
يدا صغيرة بعد يد صغيرة.
كانت إحداهما تتعلم أن تطلب أكثر
والأخرى تتعلم أن تحتاج أقل.
ولم يكن أي منهما يعرف
أن الطريقين مهما بديا متناقضين
سيتقاطعان يوما
عند نقطة لا يجدي فيها الصمت
ولا ينفع فيها الطلب.
لم يكن التحول فجائيا بل زاحفا يشبه الرطوبة التي تتسلل إلى الجدران دون صوت حتى تكتشف يوما أن البيت كله صار هشا.
الطفلة لم تستيقظ ذات صباح لتقول لم أعد طفلة.
الأمر حدث دون إعلان دون لحظة فاصلة يمكن الإشارة إليها.
كبر جسدها قليلا لكن روحها كانت تكبر أسرع مما ينبغي.
صار وجودها في البوتيك مفترضا.
لم تعد تنتظر بل يبنى اليوم على أساس أنها ستكون هناك.
إن تأخرت دقائق سجل التأخير في النظرات لا في الكلمات.
وإن غابت بدا المكان مختلا كأن قطعة صغيرة من الآلة توقفت عن العمل.
تعلمت ترتيب الفساتين بحسب الألوان والمقاسات.
تعلمت قراءة الوجوه من انعكاسها في المرآة.
تعلمت متى تبتعد ومتى تقترب ومتى تنحني قليلا لتلتقط شيئا دون أن ترى.
وكان هذا هو الدرس الأخطر
أن تكون حاضرة بالكامل من دون أن يلاحظك أحد.
في بعض الأمسيات كانت كاميلا تجلس قرب صندوق الحسابات تعد الأرقام بتركيز صارم بينما تيريزا تتبادل الضحكات مع زبونة دائمة.
وفي الخلفية كانت الطفلة تتحرك بين الغرف تحمل تنظف تنتظر.
لم يكن أحد يأمرها مباشرة
لقد تجاوزوا مرحلة الأوامر.
صار الصمت كافيا.
كانت تسمع أحاديث لا توجه إليها لكنها تزرع في داخلها.
عن المال وعن النساء وعن من يستحق ومن عليه أن يعرف حدوده.
لم تفهم كل الكلمات لكنها فهمت موقعها بينها.
في إحدى المرات انكسرت مرآة صغيرة في غرفة القياس.
لم تكن هي من كسرها لكنها كانت الأقرب.
ساد صمت ثقيل ثم نظرة واحدة كانت كافية لتدرك
الخطأ في هذا العالم لا يبحث عن فاعله بل عن الأضعف.
لم تعنف لم يرفع صوت.
فقط قيل لها بهدوء بارد
كوني أكثر انتباها.
ومنذ تلك اللحظة صار الانتباه خوفا دائما.
الخوف من الخطأ من السقوط من الصوت من أن تكون عبئا جديدا.
في البيت كانت أمها تلاحظ تغيرا غامضا.
صمت أطول.