الهيكل العظمي في القبو والفتاة التي لم تعد إلى المنزل أبدًا في سان فيسنتي ديل سور

لمحة نيوز

الهيكل العظمي في القبو والفتاة التي لم تعد إلى بيتها أبدا في سان فيسنتي ديل سور
ظل خوسيه كارلوس مينديز واقفا بلا حراك لثوان طويلة بينما كانت يده ترتجف ممسكة بهاتفه المحمول ويهتز شعاع الكشاف مسلطا ضوءه على التجويف الذي فتح حديثا في جدار القبو. لم يكن كبيرا بالكاد مترا ونصف المتر عمقا لكنه كان كافيا لإخفاء جسد إنسان على عجل وبنية واضحة لإخفائه إلى الأبد.
كان الهيكل العظمي مسندا إلى الجدار الخلفي والساقان مطويتان كما لو أن صاحبه وضع هناك بعناية أو أجبر على اتخاذ تلك الوضعية. بقايا قماش أزرق وأبيض كانت لا تزال عالقة بالعظام مهترئة متآكلة تحولت إلى خيوط هشة بفعل الزمن. وبجواره استقرت حقيبة ظهر بنية اللون سليمة على نحو غريب كأنها تنتظر أن يعود أحد ما ليأخذها.
ابتلع رودريغو ريقه بصعوبة. لم ير ميتا من قبل خارج مراسم عزاء فما بالك بمشهد كهذا. بدا هواء القبو أثقل من المعتاد مشبعا بصمت غير طبيعي صمت قديم. أطفأ خوسيه كارلوس الكشاف للحظة وكأنه بحاجة إلى التأكد أن ما يراه ليس وهما سببه الإرهاق والحر. وحين أعاد تشغيله كان الهيكل العظمي ما يزال هناك كما هو.
وصلت الشرطة بعد أربعين دقيقة. سيارتا دورية أضواء زرقاء تنعكس على واجهات البيوت المجاورة العتيقة. كانت سان فيسنتي ديل سور بلدة صغيرة هادئة الشوارع حيث أي صوت مرتفع يلفت الانتباه. خلال دقائق خرج عدد من الجيران إلى الأرصفة يتهامسون فيما بينهم. لم يكن أحد يعرف ما الذي حدث بعد لكن الجميع شعر أن الأمر ليس عاديا.
نزل مفوض الشرطة المناوب إلى القبو برفقة خبير أدلة جنائية. التقطت الصور قيس المكان ووضعت الأشرطة لتحديد المنطقة. أبعد خوسيه كارلوس ورودريغو وأجلسا في الفناء الخلفي حيث كانت شمس العصر قاسية بلا رحمة. شعر خوسيه كارلوس بعقدة في معدته. هذا المنزل الذي اشتراه ليرمم ثم يباع تحول فجأة إلى شيء آخر تماما مكان أخفى الزمن داخله سرا أكبر مما يحتمل.
وفي الوقت نفسه وعلى بعد عدة كيلومترات من هناك داخل شقة متواضعة في عاصمة الإقليم كانت امرأة تجاوزت الخمسين تطوي ملابس مغسولة حديثا دون أن تدري أن اسم ابنتها بعد عقود من الصمت كان على وشك أن ينطق من جديد.
قبل ثلاثين عاما كانت سان فيسنتي ديل سور أصغر مما هي عليه الآن. كان الجميع يعرف الجميع ويعرف من يسكن كل بيت. كان العام 1976 عاما مثقلا بالمخاوف الصامتة بالأشياء التي لا تسأل وبالإجابات التي لا تقال.

كانت مارينا سانتوس في الرابعة عشرة من عمرها تعيش روتينا بسيطا مدرسة في الصباح واجبات في المساء ومساعدة والدتها في شؤون المنزل. لم تكن فتاة متمردة ولا مثيرة للمشاكل. وصفها معلموها بالمجتهدة الهادئة المستعدة دائما للمساعدة.
بدأ يوم اختفائها كأي يوم آخر. كانت الشمس حارقة فوق الأرصفة والحرارة تتسلل إلى فصول مدرسة دومينغو فاوسطينو سارمينتو الثانوية. قضت مارينا صباحها تنسخ الملاحظات وتسرح بخيالها في مستقبل كانت ترسمه لنفسها. أن تصبح معلمة أن تدرس في مدرسة كهذه أن تبقى في البلدة أو ربما ترحل إلى المدينة. أحلام بسيطة لكنها كانت أحلامها.
عند خروجها من المدرسة التقت بلوسيا صديقتها الأقرب. سارتا معا عدة شوارع تتحدثان عن حفلة السبت وعن فتى يعجبهن وعن أشياء صغيرة كانت تعني لهما العالم كله. عند زاوية شارع بيلغرانو ودعتا بعضهما كعادتهما. وداع عادي بلا عناق طويل ولا إحساس مسبق بالخطر. عدلت مارينا حقيبة الظهر البنية على كتفها وتابعت طريقها نحو الجنوب.
ولم تصل أبدا.
حين أشارت الساعة إلى السادسة مساء ولم تكن مارينا في البيت بدأ القلق يتسلل إلى قلب كارمن سانتوس. كانت تعرف ابنتها وتعرف أنها لا تتأخر دون أن تخبر. عند السابعة تحول القلق إلى خوف. عند الثامنة إلى يأس. خرج خورخي سانتوس إلى الشوارع القريبة سأل الجيران دخل المتاجر الصغيرة. لم يرها أحد.
في مركز الشرطة استمع المفوض هيكتور رويث إلى الرواية بملامح متعبة. لم يكن رجلا قاسيا لكنه كان معتادا على التقليل من الأمور. في تلك السنوات كانت أشياء كثيرة تكنس تحت السجادة. كانت الاختفاءات تفسر بالهرب بالقرارات المتهورة بالصمت المريح. أصر خورخي ضرب المكتب بقبضته وطالب بالبحث عن ابنته. وعد رويث بإرسال دوريات لكن نبرته لم تحمل أي استعجال.
ضاعت الساعات الأولى بين إجراءات بطيئة وعمليات بحث سطحية. فتشت الساحات وسئل أصدقاء المدرسة وجابت الدوريات الشوارع الرئيسية. لم يفكر أحد في النظر أبعد في الأماكن غير المريحة في البيوت المهجورة في الأقبية المغلقة.
مع مرور الأيام بدأت القضية تبرد تدريجيا وظهرت الشائعات تباعا حتى صارت تحيط بالاختفاء من كل اتجاه وتمنح الناس إجابات سهلة بدل مواجهة حقيقة مؤلمة.
قيل إن مارينا رحلت مع حبيب يكبرها سنا وقيل إن أحدهم رآها تصعد إلى سيارة وقيل إنها عبرت إلى بلدة أخرى ولم تر بعدها.
كانت كل رواية تعاد وتشوه تتغير تفاصيلها مع كل
فم ينطق بها إلى أن دفنت الحقيقة تماما تحت طبقات كثيفة من الافتراضات.
كارمن توقفت عن النوم وعاشت ليالي طويلة بعينين مفتوحتين بينما خورخي شاخ فجأة كأن السنوات انقضت عليه دفعة واحدة بلا إنذار.
ظلت غرفة مارينا على حالها لسنوات طويلة لم يمسها أحد كأنها مزار صامت يحتفظ بآثارها وينتظر عودتها التي لم تأت.
أما الحقيبة البنية فلم تظهر مرة أخرى أبدا أو هكذا اعتقد الجميع وبمرور الوقت صار غيابها حقيقة لا يناقشها أحد.
إلى أن بعد ثلاثين عاما انهار جدار زائف تحت ضربة معول وأجبر القرية بأكملها على مواجهة ما اختارت نسيانه طويلا.
انتشر الخبر بسرعة هيكل عظمي عثر عليه داخل منزل قديم يرجح أنه يعود لفتاة شابة فبدأ القلق يتسلل إلى البيوت.
راح الجيران يربطون النقاط التي ظلت منفصلة لعقود بعضهم تذكر اختفاء مارينا بوضوح مفاجئ وآخرون اختاروا الصمت عمدا.
في القرى الصغيرة الصمت ليس ضعفا بل وسيلة للبقاء واتفاق غير معلن على تجاهل ما قد يهدد استقرار الجميع.
وتحت ذلك المنزل بين الغبار والطوب المتآكل كانت الحقيقة تنتظر صابرة ثقيلة رافضة أن تنسى إلى الأبد.
هز اكتشاف الهيكل العظمي بلدة سان فيثينتي ديل سور كزلزال متأخر لم يكن صاخبا بل بطيئا وعميقا يتسلل تحت الأقدام بصمت.
لم يكن الأثر فوريا أو انفجاريا بل أشبه بشق يتسع تدريجيا في الأرض يجعل الجميع يشعر بعدم الأمان دون أن يعرف السبب.
في البداية جرى تداول الخبر بحذر شديد مجرد جسد عثر عليه داخل منزل قديم بلا تأكيدات بلا أسماء وبلا استنتاجات.
لكن في القرى الصغيرة الكلمات لا تبقى ثابتة بل تتحرك وتكبر وتتغير ومع كل تكرار تفقد شكلها الأول.
خلال أقل من أربع وعشرين ساعة كان الجميع يتحدث عن فتاة اختفت منذ عقود وكأن الذاكرة الجماعية استيقظت فجأة.
أرسلت الشرطة الإقليمية فريقا جنائيا كاملا أغلق القبو ووضع المنزل تحت الحراسة واستدعي خوسيه كارلوس مينديز للشهادة.
روى ما حدث بدقة كل ضربة معول ذلك الصوت الأجوف وضوء المصباح الذي كشف الفراغ مكررا جملة واحدة كاعتذار.
كان يقول مرارا لم نكن نعلم أنها هناك لم يكن أحد يعلم أو هكذا كانوا جميعا يصرون.
أخرج الهيكل العظمي بحذر شديد كل عظمة كل قطعة قماش وكل غرض جرى توثيقه وتصنيفه بعناية بالغة.
لفتت الحقيبة البنية الانتباه فورا كانت جافة لكنها محفوظة بشكل مدهش كأن الزمن قرر تجاهلها.
داخلها وجدت كراسات شبه مطموسة ومقلمة أقلام ومنديل مطرز
بحروف بالكاد ترى لكنها كانت كافية.
حرفان فقط م. س.
لبعضهم لم تعن شيئا ولآخرين كانت ضربة مباشرة في الصدر لا يمكن تجاهلها.
عندما ظهر اسم مارينا سانتوس في التقارير الأولية عاد الماضي دون استئذان ثقيلا واضحا وغير قابل للإنكار.
كانت كارمن سانتوس جالسة في المطبخ حين رن الهاتف صوت الرنين وحده جعل جسدها يرتجف دون وعي.
لسنوات طويلة عاشت بهذا الخوف كأن كل مكالمة قد تحمل الخبر الذي انتظرته وخشيت وصوله في آن واحد.
على الطرف الآخر طلب صوت رسمي تأكيد هويتها ثم نطق بكلمات انتظرتها كارمن وخافتها ثلاثين عاما.
قالوا إنهم عثروا على رفات بشرية ويعتقدون أنها قد تعود لابنتها مارينا.
لم تصرخ ولم تبك بقيت صامتة يدها على الطاولة تشعر بشيء يستقر داخلها بطريقة مؤلمة لكنها نهائية.
كان الجهل جرحا مفتوحا أما المعرفة حتى وإن كانت الأسوأ فكانت شيئا آخر تماما.
لم يكن خورخي حيا ليسمع الخبر فقد مات قبل عشر سنوات حاملا معه شعور الذنب لأنه لم يعثر على مارينا.
ذنب أنه لم يفعل أكثر ولم يعرف أين يبحث ولم يصل إلى أي إجابة تطمئنه.
تذكرت كارمن زوجها تلك الليلة وتخيلت كيف كان سيتصرف لو سمع الخبر بنفسه.
ربما كان سيضرب الحائط وربما كان سيصرخ مطالبا بالعدالة وربما كان سيبكي كما لم يسمح لنفسه يوما.
استغرق التعرف على الهوية وقتا طويلا فحوصات حمض نووي تحاليل أسنان ومقارنات مع سجلات قديمة.
كل خطوة كانت تطيل الانتظار لكنها في الوقت نفسه تجعل النتيجة أكثر واقعية وأكثر اقترابا من الحقيقة.
وخلال ذلك كان أهل البلدة يراقبون بعضهم بفضول مريض وبعضهم بخوف صامت.
لأن وجود مارينا هناك طوال تلك السنوات يعني أن أحدا ما كان يعلم أو على الأقل كان يشك.
بدأ الصحفيون في الوصول أولا من الإذاعات المحلية ثم من
القنوات الإقليمية ومعهم الكاميرات والأسئلة الثقيلة.
وقفوا أمام مركز الشرطة ميكروفونات ممدودة وعيون تبحث عن متهم أو عن ذنب قديم.
عاد اسم المفوض هيكتور رويز للظهور رغم أنه كان متقاعدا منذ سنوات طويلة.
بعضهم دافع عنه وآخرون أشاروا إليه بأصابع الاتهام فهو كان أعلى سلطة أمنية في البلدة عام 1976.
القرارات أو غيابها كانت قد مرت عبر يديه في ذلك الوقت.
المنزل الذي عثر فيه على الجثة لم يكن بلا تاريخ فقد كان مملوكا لعائلة غادرت منتصف السبعينيات.
ظل المنزل مهجورا لسنوات يتغير مالكوه دون أن يسكنه أحد طويلا.
مكان منسي مثالي لإخفاء شيء لا ينبغي أن
يكتشف.
أكد خبراء الطب الشرعي أن الرفات بقيت في ذلك المكان لعقود
تم نسخ الرابط