بعد طلاقي بشهري
بعد طلاقي بشهرين، شفت طليقتي قاعدة لوحدها خالص في طابوقة المستشفى وفي اللحظة اللي عرفتها فيها، في حاجة جوة قلبي اتكسرت.
عمر ما جه في بالي إن ممكن أشوفها بالمنظر ده تاني.
كانت لابسة روب مستشفى دبلان، وقاعدة في سكات في زاوية الممر، وعينيها السرحانة مش باصة على حاجة معينة. كان باين عليها التعب والضعف، وكأن محدش شايفها من الناس اللي بتعدي من جنبها.
في لحظة، حسيت إن نفسي اتقطع.
دي كانت طليقتي، مريم، اللي لسة مطلقها من شهرين بس.
أنا اسمي أحمد، عندي أربعة وثلاثين سنة، مجرد موظف عادي في شركة بحاول أعدي أيامي وخلاص.
أنا ومريم اتجوزنا خمس سنين.
من برة، كان جوازنا هادي ومستقر. مريم كانت هادية وصوتها واطي، وطيبة، وعمرها ما كانت من النوع اللي يحب يلفت الأنظار.
بس بالرغم من كده، كانت بتعرف تخلّي البيت ليه روح وحنية. مهما كان يومي صعب، أول ما أشوفها وأنا
داخل من الباب، كان في حاجة جوايا بتهدى.
وزي أي اتنين متجوزين، كان عندنا أحلام.
بيت بتاعنا، وأطفال، وعيلة صغيرة مليانة حب ودفء.
بس بعد ثلاث سنين جواز وتجربتين إجهاض يوجعوا القلب، في حاجة بينا بدأت تتغير بالراوي.
مريم بقت ساكتة أكتر.
حزن تقيل سكن في عينيها، مابيفارقهاش، زي ما تكون تعبت وخلاص حيلها اتهد ومبقتش قادرة تخبي.
وأنا كمان اتغيرت.
بقيت برجع البيت متأخر،
المشاكل الصغيرة بدأت تبقى هي العادي.
مش خناقات كبيرة ولا دراما.
مجرد اتنين طحنتهم الأيام وبقوا يبعدوا عن بعض، ومش عارفين يرجعوا تاني إزاي.
مش هعمل فيها بريء، أنا مكنتش بريء.
في ليلة من ليالي أبريل، بعد خناقة ملهاش أي لازمة سابتنا إحنا الاتنين مهدودين نفسياً، قلت
الكلام اللي محدش فينا كان عنده الشجاعة يقوله
مريم يمكن المفروض نتطلق.
بصتلي وقت طويل أوي!
وبعدين سألتني بهدوء
انت كنت واخد القرار ده من قبل ما تنطقه، صح؟
ملقتش رد، هزيت رأسي بس.
معيطتش! وما انهارتش!
وهذا بالذات وجعني أكتر.
نزلت عينيها في الأرض وبدأت تلم حاجتها بالليل.
الطلاق تم بسرعة أوي.
وكأن إحنا الاتنين كنا بنستعد للنهاية دي من زمان قبل ما نوقع الورق حتى.
بعد ما كل حاجة انتهت، أأجرت شقة صغيرة في القاهرة ودخلت نفسي في روتين ملوش طعم.
شغل بالنهار، قعدة على القهوة مع زمايلي، أفلام بالليل، والسكوت حاطط عليا في كل حتة.
مافيش أكل سخن مستنيني، مافيش خطوة رجليها المألوفة كل الصبح، ولا صوتها الحنين وهو بيسأل
أكلت ولا لسة؟
وبرضه، كنت بفضل أقول لنفسي إن ده كان القرار الصح.
أو دي الكذبة اللي صدقتها وريحت نفسي بيها.
عدى شهرين
عايش زي
الخيال!
في ليالي، كنت بأصحى من النوم خاېف وعرقان بعد ما أحلم إن مريم بتنادي باسمي.
لحد ما جه اليوم اللي شقلب كل حاجة.
كنت رايح مستشفى القصر العيني أزور أعز أصحابي كريم بعد ما عمل عملية.
وأنا ماشي في قسم الباطنة، في حاجة لمحتها بعيني خلتني أقف مكاني.
وبعدين أخدت بالي منها.
مريم.
كانت قاعدة في سكات جنب الحيطة، لابسة روب المستشفى الأزرق الباهت.
شعرها الطويل الجميل مابقاش موجود، وقصته قصير أوي.
وشها كان أصفر وخاسس.
وهالات سودة تحت عينيها الدبلانة.
وكان في محلول متعلق جنب الكرسي بتاعها.
اتسمرت مكاني.
أسئلة كتير ضړبت في دماغي في نفس اللحظة.
جرالها إيه؟ إيه اللي جابها هنا؟ وليه قاعدة لوحدها كده؟
مشيت ناحيتها بالراوي، وإيديا بتترعش.
مريم؟
بصتلي فجأة.
ولثانية واحدة، الصدمة بانت على وشها المرهق.
أحمد؟
صدري اتعصر بالۏجع.
إيه اللي جرالك؟ سألتها بسرعة.
انتِ بتعملي إيه هنا؟
دورت وشها الناحية التانية فوراً.
مافيش حاجة، همست بصوت واطي. شوية تحاليل وبس.
قعدت جنبها وأخدت إيدها بالراوي.
كانت سقعانة تلج.
مريم أرجوكِ متكذبيش عليا.
بلعت ريقي بصعوبة.
أنا شايف وشايف إنك مش كويسة خالص.
فضلت ساكتة كذا ثانية.
وفي الآخر بدأت تتكلم.
فضلت مريم ساكتة، بصاصة للأرض وهي بتسحب إيدها من إيدي بالراحة، وكأن حتى
مريم... أرجوكِ اتكلمي، صوتي خرج مبشروخ ومخڼوق، كنت حاسس إن في حجر ضاغط على صدري ومخليني مش عارف أتنفس طبيعي. يعني
إيه شوية تحاليل وبس؟ الإيدين اللي بتترعش دي، وشعرك اللي... واللي أغمى عليه الورد ده، ده مش شكل واحدة جاية تعمل تحاليل وتمشي. أنتِ عيانة بإيه؟ وليه محدش معاكِ؟ فين أهلك؟ فين أي حد؟
رفعت عينيها ليّا بالبطء الشديد، ورموشها كانت بتترعش. الدوائر السودة تحت عينيها كانت أعمق بكثير من إنها تكون مجرد قلة نوم. كانت شبه ظلال المۏت نفسه. ابتسمت ابتسامة باهتة ومکسورة، ابتسامة أوجعتني أكتر من لو كانت بكت أو صړخت في وشي.
أحمد... أنت إيه اللي جابك هنا؟ همست بصوت ضئيل وكأن كل كلمة بتكلفها طاقة مش عندها. القصة دي خلاص مقتصرة عليا أنا لوحدي. الورق اتوقع، وكل واحد راح لحيّاله. أنت مبقتش مدين لي بأي حاجة، ولا أنا المفروض أشيلك همي تاني.
مدين لك؟ رديت بعصبية امتزجت بالخۏف، وعيني بدأت
خمس سنين! خمس سنين شاركنا