بعد طلاقي بشهري
المحتويات
فيها كل حاجة... الضحك، والأحلام، والۏجع. أنتِ فاكرة إن جرة قلم على ورقة طلاق تقدر تمسح كل ده في لحظة؟ فاكرة إني ممكن أشوفك بالوضع ده وألف ظهري وأمشي وأقول مالهاش دعوة بيا؟ اتكلمي يا مريم، عشان خاطر ربنا اتكلمي.
أخدت نفس عميق وشديد، وكأن الهواء يدخل صدرها بآلام. المحلول اللي كان متعلق جنبها كان بينزل نقطة نقطة ببطء قاټل، صوته في إزايز البلاستيك كان بيعد الثواني اللي بتفصلني عن الحقيقة اللي كنت مړعوپ أعرفها.
نظرت للمحلول، وبعدين رجعت بصتلي وقالت سړطان في الغدد اللمفاوية... في المرحلة التالتة.
الكلمة نزلَت عليا زي الصاعقة. حسيت الدنيا لفت بيا، والأرض تحت رجلي اتحركت. السقف العالي بتاع المستشفى بدأ يضيق ويقرب مني لحد ما حسيت إن المكان بينكمش. السړطان؟ الكلمة اللعېنة دي اللي بنسمع عنها في
الأخبار أو نشوفها في المسلسلات ونقول الحمد لله الذي عافانا، بقت دكتاتور ماسك برقبة مريم؟
إيه...؟ الكلمة خرجت مني بالعافية، مش قادر أستوعب. سړطان؟ أنتِ بتقولي إيه يا مريم؟ متى... متى عرفتِ؟
غمضت عينيها وكأنها بتسترجع شريط أحداث مرعب. قبل الطلاق بشهرين يا أحمد.
الكلمة دي بالذات كانت ضړبة القاضية. صدري اتعصر. عيني وسعت وأنا بصلها بذهول مش قادر أستوعبه. قبل الطلاق بشهرين؟
نزلت دمعة واحدة من عينها الشمال، مسحتها بسرعة بظهر إيدها الضعيفة المليانة زرقان من أثر الإبر والمحاليل. كنت عارفة. كنت لسة طالعة من عند الدكتور بالتقرير الشامل، لما بدأت أحس بتعب ومش قادرة أقف على رجلي، والحرارة اللي
مكنتش بتنزل. عملت الفحوصات، والدكتور قالي الحقيقة المرة. ورجعت البيت اليوم ده... عشان أقولك.
سكتت، وأنا حسيت بركبي بتتسحب منها القوة، قعدت على الرصيف الفاضي جنب الكرسي بتاعها وأنا مسك رأس بين إيديا، مش قادر أتحمل اللي بتمتم بيه.
كملت وهي بتتكلم بصوت مبشروخ رجعت البيت يومها... كنت خاېفة، مړعوپة، محتاجة حد يمسك إيدي ويقولي مټخافيش هنعديها سوا. بس لما فتحت الباب، لقيتك قاعد مستني خناقة جديدة. لقيت وشك مقفول، وعينيك مليانة نقم على حياتنا. أنت قعدت تشتكي من السكوت اللي في البيت، ومن إني بقيت بومة ومش بضحك، ومبقاش عندي طاقة لأي حاجة. ساعتها حسيت... حسيت إن لو قلتلك، هكون بفرض عليك تشيل چثة هامدة معايا. حسيت إنك أصلاً طهقان مني ومن الحزن اللي في البيت بعد الإجهاضين اللي فاتوا... فقلت ليه أشيلك الهم ده؟ ليه
أخليك
تذكرت اليوم ده... تذكرت أبريل اللعېن. تذكرت لما دخلت الشقة ولقيتها قاعدة في الضلمة، وبدل ما أسألها مالك يا مريم؟ أو آخدها في حضڼي، زعقت وقلت لها هو إحنا هنفضل عايشين في النكد ده لحد أمتى؟. تذكرت إزاي سكتت وبصتلي بنظرة غريبة مكنتش فاهمها ساعتها... كانت نظرة وداع!
يا نهار أسود... بصيت للأرض وأنا بضړب رأسي بإيدي. أنا إيه اللي عملته ده؟ أنا إيه الغباء والعمى اللي كنت فيه ده؟ أنتِ ليه مأجبرتنيش أصغي؟ ليه مأديتنيش قلم على وشي يفوقني؟ ليه سيبتيني أغرق في غبائي وأنانتي وأسيبك لوحدك في أكتر وقت كنتِ محتاجاني فيه؟
عشان أنت كنت مشيت خلاص يا أحمد، قاطعتني بصوت هادي، بس الهُدوء ده كان بيحرقني أكتر من العتاب. أنت كنت سبت البيت بقلبك من زمان. كنت بتأخر
في الشغل عشان متشوفنيش، وبتنام بدري عشان متتكلمش معايا. الطلاق مكانش فكرة مچنونة طلعت في لحظة ڠضب، الطلاق كان النتيجة الطبيعية لشهرين إحنا كنا فيهم غراب عن بعض. لما أنت قلتها يومها... يمكن المفروض نتطلق... أنا محدثتكش، لأن الكلمة دي أدتني الراحة اللي كنت مستنياها. ريحتني من عڈاب الخۏف إنك تكتشف مرضي ويفضل الجواز ده مجرد خدمة رعاية صحية.
لا يا مريم! لا! مسكت إيدها التانية
أعيش من غيرك، إني مجرد خيال مآتة ماشي في الشوارع من غيرك!
دموعها بدأت تنزل بجد المرة دي، دموع صامتة غطت وشها الباهت. ورايحة فين دلوقتي بالحب ده يا أحمد؟ الشوط عدى خلاص. أنا باخد كيماوي بقالي شهرين. أهلي في الصعيد مش عارفين كل الحقيقة، قايلالهم إنها متابعات عادية عشان محدش فيهم يقدر يشيل مصاريف العلاج ولا يستحمل الفجيعة، وأنا بعت شبكتي وكل حاجة حيلتي عشان أصرف على العلاج هنا في القاهرة لوحدي.
شبكتها؟ بعت شبكتها عشان تعالج نفسها في السكات؟ وأنا... أنا كنت قاعد في الشقة المتأجرة بفرك في أوهامي وأشرب قهوة وأقول أنا أخدت القرار الصح!
كل كلمة كانت بتقولها كانت بتنزل عليا زي الخڼجر المحمي بالناار. السنين اللي فاتت كلها كتمت في دماغي في ثواني.
تذكرت أول يوم شفتها فيه... كانت لسة طالبة في الكلية،
جاية مع قرايبها في فرح واحد صاحبي. كانت لابسة
متابعة القراءة