بعد طلاقي بشهري
كنت بقعد جنبها، ألف كمادات مية باردة على جسمها، وأقرأ لها قرآن، وأحكيلها حكايات عن المستقبل اللي هنعيشه لما تخف.
في يوم، كانت قاعدة قدام مراية التواليت، وبتبص لشعرها اللي فاضل منه خصلات قليلة جداً. مسكت المقص وكانت بټعيط بحړقة.
دخلت عليها بالراحة، أخدت منها المقص، وقعدتها على الكرسي.
أحمد... أنا بقيت وحشة أوي، قالت لي بصوت مكسور وهي بتبص لوشها الشاحن في المراية. أنا مابقتش مريم اللي اتجوزتها.
مسكت المكنة بتاعة الحلاقة بتاعتي، وبصيت لها في المراية وابتسمت. أنتِ أجمل واحدة في عيني يا مريم... زَمان ودلوقتي وطول العمر.
ومسكت المكنة، ومشيتها على شعرها لحد ما حلقت لها شعرها كله بالكامل، عشان أريحها من
منظر الخصلات اللي بتوقع. وبعد ما خلصت، مسكت المكنة وحلقت شعر رأسي أنا كمان زيرو قدامها!
بصتلي بذهول وعينيها متوسعة أحمد! أنت عملت إيه؟!
ضحكت وقلت لها عشان نبقى شكل بعض
ضحكت... ضحكت من قلبها لأول مرة من شهور طويلة! الضحكة دي كانت بالنسبة لي تسوى الدنيا وما فيها. حطت إيدها على رأسي المحلوق وبستني من خدي، وحسيت في اللحظة دي إن الۏجع بدأ ينهزم.
شهور طويلة مرت وأنا جنبها. كنت الدكتور والممرض والطباخ والصديق والحبيب. تعلمت إزاي أديها الحقن في العضل، تعلمت إزاي أقيس لها الضغط والسكر، وتعلمت أهم حاجة... إزاي أصبر وأكون الجبل اللي بتتسند عليه لما تحس إنها بټغرق.
وفي ليلة من ليالي الشتا، بعد ما خلصنا آخر جلسة إشعاعي بأسبوعين، كنا قاعدين في مستشفى القصر العيني بنستلم نتيجة المسح الذري الشامل.
كنت قاعد على
الأعصاب، ماسك إيد مريم اللي كانت بتترعش من القلق. الدكتور كان قاعد قدامنا وبيقلب في التقرير والآشعة والابتسامة بدأت تترسم على وشه بالتدريج.
رفع عينه لينا وقال أنا عندي ليكم خبر ممتاز...
قلبي كان هيقف من النبض.
الدكتور ابتسم وقرّب التقرير مننا الورم اختفى تماماً! الجسم خالي تماماً من أي نشاط سړطاني. مريم شُفيت تماماً!
سكتنا إحنا الاتنين لثانية... وكأن الوقت وقف.
وبعدين مريم اتحدفت في حضڼي وبكت... بس المرة دي كانت دموع الفرحة، دموع الحياة
اللي رجعت لها تاني. وأنا حضنتها بقوة، ودموعي نزلت مغرقة وشي، رفعت رأسي للسماء وقلت الحمد لله... الحمد لله يا رب!
بعد ست أشهر من اليوم ده...
كنا واقفين قدام المأذون تاني. نفس المأذون اللي كتب طلاقنا من سنة، كان قاعد بيستعد يكتب عقد جوازنا الجديد.
أهل مريم كانوا حاضرين، وأهلي وأصحابنا، البيت كان مليان زغاريد وفرحة ورائحة ورد. مريم كانت لابسة فستان أبيض بسيط، وشعرها كان بدأ يطول تاني ويكسي رأسها بجمال غريب، وشها رجع فيه اللون والدموية،
وعينيها كانت بتلمع بالحب والأمل.
لما المأذون قال بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما
مسكت إيدها وقلت لها في وذنها بصوت واطي المرة دي... مافيش حاجة في الدنيا تقدر تفرقنا غير المۏت يا مريم.
ابتسمت وقالت لي أنا بحبك يا أحمد... شكراً إنك مسبتنيش لأوهامك.
النهار ده، وأنا قاعد بكتب القصة دي، مريم نايمة جنب في الأوضة، وإيدها محطوطة على بطنها المنتفخة
في الشهر الخامس. ربنا عوضنا بعد كل العڈاب ده بحمل جديد، والدكتورة أكدت إن كل حاجة ماشية تمام بفضل الله.
تعلمت من التجربة دي إن الحياة أثر من إننا نضيعها في الهروب والافتراضات الغبية. تعلمت إن الجواز مش بس أوقات الفرح والضحك، الجواز هو الرمز الحقيقي للمواجهة والوقوف في ظهر بعض في أصعب أوقات الضف والعجز. لما تشوف الشخص اللي بتحبه بيتكسر، إياك تلف ظهرك وتمشي... اقعد، وامسك إيده، ومحاربوا سوا... لأن الحب الحقيقي هو العلاج الوحيد