أول ما شفت الطفلين نايمين في مطار أوهير

لمحة نيوز

أول ما شفت الطفلين نايمين في مطار أوهير، حسيت إن نفسي اتقطع.مش عشان وجود طفلين في المطار كان غريب…

ما كنتش أعي إن حياتي على وشك تنقلب رأسًا على عقب، وإن بعد ست سنين كاملة من الغياب هكتشف فجأة إني أب لتوأم عندهم خمس سنين… كل ده حصل في نص صالة الترانزيت بمطار أوهير، وبعد خمس وثلاثين دقيقة بس من ثورتي وغضبي بسبب تأخر رحلة كنت فاكر إن تأخيرها هيضيع مستقبلي المهني!

أنا كريم، عندي أربعة وأربعين سنة، وكنت وصلت لمكانة عمرّي ما كنت أتخيل أوصلها.

كنت بملك وأدير مجموعة فنادق فاخرة، وشغلي كان واخد معظم حياتي، لدرجة إن كلمة "تأخير" نفسها كانت كفيلة تخليني أفقد أعصابي.

وفي اليوم ده تحديدًا، كنت مسافر لندن علشان أحسم صفقة استحواذ على واحد من أقدم وأشهر الفنادق هناك.

كانت الصفقة دي بالنسبة لي مش مجرد صفقة…

كانت حصيلة سنين طويلة من الشغل والتعب والسهر.

وصلت مطار أوهير قبل موعد الرحلة بساعتين، وكنت مرتب كل دقيقة في يومي بدقة، لحد ما ظهرت فجأة على شاشة الرحلات جملة باللون الأحمر:

**"عطل فني — تأجيل الرحلة 35 دقيقة."**

مسكت تليفوني واتصلت بشريكي فورًا.

— "ابدأوا اجتماع مجلس الإدارة من غيري، وأنا هكون عندكم في نفس اللحظة اللي الطيارة تلمس فيها الأرض."

قفلت المكالمة وأنا متعصب، وقررت أهرب من زحمة المسافرين وأدور على مكان هادي أراجع فيه الملفات.

مشيت ناحية الواجهات الزجاجية الكبيرة، فتحت اللابتوب، وحاولت أركز في التقارير اللي قدامي.

لكن بعد ثواني قليلة، لقيت نفسي مش قادر أقرأ حتى سطر واحد.

لأن على بُعد كام متر مني، كانت فيه ست نايمة على الأرض، مسنودة بضهرها على الحائط، وجنبها شنطة سفر زرقاء قديمة ومتهالكة.

وإلى جوارها…

كان

فيه طفلين صغيرين.

توأم.

واحد منهم نايم ورأسه على رجل الست، والتاني كان نايم وهو قابض بإيده الصغيرة على مقبض الشنطة بقوة، كأنه خايف حد ياخدها منه.

في البداية ما اهتمتش.

كنت هعدي من جنبهم وأكمل طريقي.

لكن وأنا بعدي، لمحت الست وهي بتتحرك في نومها، ورفعت إيدها بطريقة عادية جدًا علشان تبعد خصلة شعر وقعت على وشها، وبعدها حطتها ورا ودنها.

الحركة دي…

أنا أعرفها.

عرفتها قبل ما أشوف وشها حتى.

وقفت مكاني.

قلبي دق دقة قوية.

رجعت خطوة.

وبعدين خطوة تانية.

بصيت لها كويس.

وشها كان أنحف بكتير، والتعب كان واضح في ملامحها، وهدومها بسيطة، وشكلها كله كان بيقول إن السنين اللي فاتت ما كانتش سهلة عليها.

لكن رغم كل ده…

ما كانش فيه أي شك.

**إيفلين.**

المرأة اللي اختفت من حياتي من ست سنين كاملة.

المرأة اللي كنت فاكر إنها اختارت تسيبني بإرادتها.

المرأة اللي قضيت سنين أحاول أقنع نفسي إني نسيتها.

وقفت قدامها مش قادر أتحرك.

ست سنين وأنا بدفن ذكراها وسط الشغل والسفر والاجتماعات وصفقات الاستحواذ.

ست سنين وأنا كل ما كنت أسأل أمي: "إيفلين راحت فين؟"

كانت ترد بنفس البرود:

— "هي اختارت تمشي يا كريم… إيفلين فهمت إنها مش من مستوانا، وقررت تسيبك قبل ما تفضح نفسها وتعيش حياة مش شبهها."

كنت بصدق أمي.

أو يمكن كنت عايز أصدقها.

لأن الحقيقة كانت مؤلمة جدًا.

أنا وإيفلين ما كناش مجرد حبيبين.

إحنا كنا متجوزين.

اتعرفت عليها قبل جوازنا بسنين، وكانت من أكتر الناس اللي قدرت تشوفني بعيد عن اسمي وفلوسي.

ما كانتش بتتملقني، وما كانتش بتخاف تقولي إني غلطان.

وده بالذات كان أكتر شيء أمي ليلى ما كانتش قادرة تستحمله.

في أول مرة قابلتها، قالت

لي بوضوح:

— "إنك تتسلى أو تعيش قصة مع واحدة زي دي، دي حياتك… لكن إنك تدخلها عيلتنا وتديها اسمنا؟ ده مش هيحصل طول ما أنا عايشة."

رديت عليها وقتها من غير تردد:

— "إيفلين هي مراتي، وهي الست اللي اخترتها."

وبالفعل اتجوزنا.

لكن بعد فترة قصيرة، اضطررت أسافر في رحلة عمل خارج البلد.

كنت فاكر إني هبعد عنها كام أسبوع وأرجع.

لكن لما رجعت…

لقيت الشقة فاضية.

هدومها اختفت.

موبايلها مقفول.

رسائلي ما بتوصلش.

وما كانش فيه أي أثر ليها.

واجهت أمي وقتها، فقالت لي إن إيفلين كلمتها قبل ما تمشي، وإنها طلبت منها ما تحاولش تدور عليها.

وقالت لي إنها قررت تنهي الجواز وتبدأ حياة جديدة بعيد عني.

وجرحي وقتها كان أكبر من إني أدور ورا الحقيقة.

غضبت.

واتوجعت.

وفي النهاية…

استسلمت.

لكنها كانت قدامي دلوقتي.

بعد ست سنين.

ومعاها طفلين.

في اللحظة دي، واحد من الولدين اتحرك في نومه، وفرك عينيه الصغيرتين، وبعدين فتح عينيه.

انقطع نفسي.

الشعر البني.

الفك المربع.

وشكل العينين.

لكن اللي خلاني أتجمد فعلًا…

كان الجزء الصغير المفقود من حاجبه الأيسر.

نفس العلامة اللي في حاجبي من وأنا طفل.

مديت إيدي لا إراديًا ولمست حاجبي.

وبصيت للولد تاني.

**مستحيل.**

قبل ما أقدر أفكر، إيفلين فتحت عينيها.

أول ما شافتني…

وشها شحب تمامًا.

اتعدلت بسرعة، وجذبت الطفلين ناحيتها، واحتضنتهم كأنها بتحاول تحميهم مني.

همست:

— "كريم؟!"

بصيت لها وأنا مش قادر أطلع صوت.

وبعد ثواني قلت:

— "إيفلين…"

نظرت لي وكأنها شايفة شخصًا خرج من الماضي.

— "إنت بتعمل إيه هنا؟"

ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.

— "أنا اللي أسأل… إنتِ بتعملي إيه هنا؟"

سكتت.

وبصت للطفلين.

وبعدين رجعت بصت لي.

— "كريم… إنت أمك ما قالتلكش حاجة؟"

قطبت حاجبي.

— "قالت لي إيه؟"

سكتت ثواني طويلة.

وبعدين قالت بصوت مكسور:

— "إنك كنت عارف إني حامل؟"

حسيت إن الدنيا وقفت.

— "حامل؟!"

إيفلين قفلت عينيها، والدموع بدأت تتجمع فيها.

— "أيوه."

بصيت للطفلين.

واحد كان بيبص لي بخوف وفضول، والتاني مستخبي نص جسمه ورا أمه.

سألت وأنا بالكاد قادر أتكلم:

— "عندهم كام سنة؟"

إيفلين ردت:

— "خمس سنين."

جسمي كله ارتخى فجأة.

جثيت على ركبتي فوق أرضية المطار الباردة.

— "اسمهم إيه؟"

همست:

— "ياسين ويوسف."

بصيت لهم.

وبعدين بصيت لها.

— "دول… ولادي؟"

إيفلين هزت رأسها ببطء.

إيماءة واحدة بس…

لكنها كانت كفاية تهد كل حاجة كنت فاكر إني عارفها عن حياتي.

**ولادي.**

أنا عندي طفلين.

طفلين عاشوا خمس سنين من غير ما يعرفوا إن ليهم أب اسمه كريم.

خمس سنين وأنا ما أعرفش حتى إنهم موجودين.

رفعت عيني لإيفلين.

— "ليه؟"

دموعها نزلت.

— "أنا حاولت أوصلك."

فتحت شنطتها القديمة، وبدأت تطلع منها مجموعة أوراق وخطابات.

حطتها قدامي.

— "بص."

مسكت أول خطاب.

كان موجهًا لمقر شركتي القديم.

ومكتوب عليه:

**العنوان غير صحيح — المرسل إليه غير موجود.**

فتحت خطاب تاني.

وتالت.

كلهم كانوا راجعين لها.

بعدها طلعت مطبوعات من رسائل إلكترونية أرسلتها على بريدي القديم، اللي كنت وقفته بعد سفري.

وبعدين حطت قدامي صورة تحويل بنكي.

المبلغ كان كبير جدًا.

والاسم الموجود عليه كان:

**ليلى.**

أمي.

بصيت لإيفلين.

— "إيه ده؟"

ضحكت بمرارة.

— "أمك عرضت عليا الفلوس دي علشان أختفي من حياتك."

حسيت بصدري بيضيق.

— "وليه؟"

— "قالت إنك خلاص اخترت

مستقبلك وشغلك… وإنك مش عايز واحدة زيي تكمل معاك."

هزيت رأسي بعنف.

— "ده كذب."

إيفلين قربت الأوراق مني.

— "أنا رفضت الفلوس. وقلت لها إني مش هسيب جوزي."

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

— "بعدها رجعت لي تاني… وقالت لي إنك عارف إني حامل، وإنك مش عايزني أرجع لك، وإنك طلبت منها تتخلص مني ومن الأطفال قبل ما ييجوا الدنيا."

تم نسخ الرابط