رواية حين استرددتُ نفسي كاملة جميع الفصول بقلم نرمين عادل همام
المحتويات
وهي تشد على يدي كأنها تنتشلني من هوة لا قرار لها
أيوه بيتك. بتحاول تقعدها وسط عيالك وتقول لهم دي أمكم الجديدة.
ثم تابعت بنبرة أكثر حنوا وصدقا
أنا معاكي في أي قرار بس خلي بالك اللي هيبقى لك في الدنيا دول عيالك وبس.
من تلك اللحظة لم أعد أرى نفسي. لم أعد أرى شيئا في هذا العالم سوى وجوه أطفالي. صرت أمشي وأنا أحملهم في صدري قبل أن أحملهم في يدي. جلست أفكر أسيب نفسي ولا أسيبهم أي طريق فيه نجاتي لا يمر عبرهم. صليت وبكيت ودعوت وقلت من قاع قلبي يا رب مفيش حد فاهمني غيرك.
وبعد أيام دخلت على أبي بهدوء غريب لم أعرف مصدره وقلت
أنا راجعة لجوزي.
صرخت أمي
مستحييييل!
نظرت إليها بثبات لم أعرفه في نفسي من قبل وقلت
راجعة علشان عيالي مش علشانه. ومن النهارده أنا هحارب علشان نفسي وعلشان ولادي وبس.
رجعت. دخلت البيت فوجدت الخراب في كل شيء في الجدران في الوجوه في الروح. أطفالي كانوا كالأيتام. بنتي شعرها معكوك ملابسهم بايظة البيت مقلوب. ركضوا نحوي وهم يصرخون
ماما متسيبناش تاني.
بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
لو عجبتك الرواية نوروني بصفحتي
ضممتهم وقلت
أنا عمري ما هسيبكم.
نظفت البيت غسلتهم سرحت شعر بنتي وضحكنا قليلا كأن الضحك محاولة يائسة لترميم ما تهدم.
وهو كان واقفا يراقب ينتظر أن أتكلم وأنا كأنني لا أراه. أكلت مع أطفالي ذاكرت لهم نممتهم ثم دخل ورائي وقال
مش هنتكلم
قلت ببرود لم أعرفه في نفسي يوما
نتكلم عن إيه روح سخن أكلك من المطبخ.
من تلك اللحظة انتهى مصطفى. وانتهت معه المرأة القديمة التي كنتها. وبدأت حياتي من جديد.
وفي رأسي انفتحت فجأة نافذة نور كأن غرفة مطفأة منذ سنين أضيئت دفعة واحدة. ليه ما أرجعش أكمل تعليمي أنا كنت شاطرة مجتهدة وتركت المدرسة علشان
قمت في نفس اليوم لبست وذهبت إلى المدرسة الثانوية التي درست فيها. دخلت وقابلت الأبلة التي كانت دائما تقول لي
يا فاطمة إنت لازم تدخلي جامعة.
فرحت حين رأتني وسألتني عن أخباري فقلت لها بهدوء شجاع
أنا عايزة أرجع أكمل تعليمي.
نظرت إلي باستغراب جميل وقالت
طبعا ينفع.
قلت
عندي أولاد والظروف صعبة ومش هقدر أداوم كل يوم.
ابتسمت وقالت
ولا يهمك بس لازم تمتحني اختبار القبول.
قلت
أنا مستعدة لأي حاجة.
خرجت من المدرسة وأنا أشعر أنني أتنفس لأول مرة منذ سنوات. مررت على البنت التي تبيع أشياء من المدينة اشتريت كل ما اشتهيته لبس شوزات عطور شنط. ثم قلت في نفسي مش لنفسي بس. فاشتريت لأولادي كل شيء.
عدت إلى البيت طبخت أوصلتهم من المدرسة أكلنا سويا ثم دخل مصطفى وقال باستغراب
غريبة مستنيتينيش للغدا.
قلت له بهدوء قاتل هدوء امرأة لم يعد في قلبها شيء يكسر
العيال جعانين ومش هستناك وإنت غالبا هتاكل عند مراتك.
بص لي مصدوما كأن الكلام ضربه في وجهه. تجاهلته والتفت إلى أولادي وقلت بصوت دافئ لا يشبه البرود الذي واجهته به
يلا يا حبايبي اللي خلص يذاكر واللي عايز ينام يريح شوية.
رجع لي وقال باستغراب حائر
إنت مالك
ابتسمت ابتسامة لم أعرفها في نفسي من قبل وقلت
أنا أبدا بالعكس شكرا ليك. إنت صحيتني.
سكت. ظل واقفا قليلا ثم عاد بعد لحظة يسأل بصوت منخفض
كان فيه فلوس في الدولاب راحت فين
قلت بهدوء ثابت
صرفتها عليا.
شهق
كلها!
قلت وأنا أنظر إليه بلا أي ندم
آه. النسخة القديمة الغبية ماتت.
ومن ذلك اليوم بدأت أعيش. اشتريت موبايل جديد بدأت أشتغل أونلاين طلبت حاجات لنفسي اهتميت ببشرتي بشعري بروحي. كنت أقف أمام المراية وأقول بصوت مسموع دي مش
واللي جاي هو اللي هيخلي القصة تقف على رجليها بقوة.
جاني يوم من الأيام ودخل مصطفى علي مصدوما متوترا واصلا لآخره. وجهه محمر وعينه طالعة من مكانها وصوته مشدود كوتر مشدود زيادة عن اللزوم
إنت من جدك ولا بتستهبلي!
رفعت عيني من على الدفتر وقلت بهدوء يغيظه
خير إيه الهجوم ده الناس بتقول السلام عليكم مش بتدخل هايجة كده.
قرب مني وهو مخنوق
إنت فعلا رجعتي تكملي دراستك!
قلت وأنا أقفل الكشكول
آه داومت النهارده.
ضحك بسخرية جارحة
إنت عايزة الناس تضحك عليك!
بصيت له من فوق لتحت وقلت بلا تردد
لا والله مش أكتر من ضحكهم عليك لما اتجوزت واحدة قد أمك.
انفجر
اسمعي إنت مش هتدرسي.
قمت ووقفت قصاده وبصيت في عينه من غير خوف من غير ارتباك من غير المرأة اللي كان يعرفها
لا والله لأدرس. غصب عنك برضاك أو من غيره. رأيك ده شيله لنفسك. من اللحظة دي مش مهم عندي.
وطيت صوتي فجأة وخفضته بحدة هادئة حدة الأم اللي تعرف إمتى تضرب
ووطي صوتك ولادي لو سمعوك نفسيتهم تتدمر.
فضل باصص لي مش مصدق
إنت مش هي نفسها اللي اتجوزتها.
ابتسمت ابتسامة وادعة كأنها جنازة امرأة قديمة وقلت
آه صح. ديك الهبلة الغبية ماتت. الله يرحمها. ماتت لما مصطفى قرر يبقى الشخص اللي هو بقى عليه.
بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
لو عجبتك الرواية نوروني بصفحتي
ومن اليوم ده
بدأت أدرس فعلا.
الكل في البيت كان مستغرب.
العيون بتراقب والناس بتبص والهمس ما وقفش.
همس يتسلل بين الجدران يسأل عن المرأة التي عادت ولم تعد هي نفسها.
وفي يوم
وأنا داخلة البيت
لقيت مرام سلفتي الكبيرة واقفة عند منتصف الصالة.
واقفة كأنها صاحبة المكان كأن البيوت تمنح لمن يرفع صوته أولا.
قالت بنبرة مصطنعة يكسوها الزيف
يا
بصيت لسارة سلفتي الحنونة وقلت بهدوء يحمل امتنانا صادقا
ربنا يسعدك يا سارة شكرا على اهتمامك بولادي وسؤالك عنهم.
هاجر كانت واقفة تبص لي بنظرة سامة
نظرة امرأة تعرف أن الأرض التي تقف عليها ليست أرضها.
قالت مرام بحدة مقنعة بابتسامة
طب ليه ما تشكرينيش أنا
لفيت لها بهدوء بارد البرود الذي يولد بعد انكسار طويل وقلت
أشكرك على إيه يا حبيبتي على إنك دخلتي الأفعى دي بيتي ولا على إنك خليتي عيالك يتريقوا على عيالي
وسكت البيت كله.
سكون ثقيل نزل فجأة كأن الهواء نفسه وقف يستمع.
واللي جاي
هو اللحظة اللي فاطمة هتفرض فيها وجودها لأول مرة.
بنتي كانت واقفة تبص لي مش مصدقة اللي أنا بقوله.
قالت مرام بنبرة باينة فيها السخرية
طيب معلش مقدرة إنك زعلانة بس التنضيف النهارده عليك.
رفعت عيني لها وقلت بهدوء ثابت هدوء امرأة وصلت لحدها
نعم
قالت وهي مستغربة
التنضيف عليك.
قلت من غير تردد ولا خوف ولا تراجع
لا والله مش أنا.
قطبت حواجبها
يعني إيه
قلت بوضوح كلمة كلمة اللي سمعتيه. أنا من النهارده مش هأنضف ولا أطبخ ولا أخدم حد.
أنا أعمل أكل لولادي بس وأنضف بيتي بس. يا الله
قامت الدنيا وما قعدتش. مرام انفجرت غضبا إنت بتستهبلي ده دورك!
إنت كده! رفعت صوتي لأول مرة من سنين صوت امرأة بتسترد نفسها.
وطي صوتك وإنت بتكلميني. كفاية لحد كده.
كلمي زين وإلا هسمعك بطريقة تانية. دخلت أم جوزي على الصوت.
ما يصحش الكلام ده يا بنات استحوا! بصيت لها بثبات.
أستحي ليه هو حد فيكم استحى قبل كده مصطفى دخل يهواش.
قال كلمتين مالهمش أي لازمة. وأنا سيبتهم كلهم وطلعت.
وأنا لأول مرة في حياتي حاسة إن ظهري مستقيم.
ومن اليوم ده بدأت أحلى أيامي. كنت أروح الجامعة يومين في
وأذاكر وولادي بيذاكروا معايا. نقعد حوالين الطاولة الصغيرة.
دفاترنا متشابكة كأننا نبني مستقبلنا سطرا سطرا. لحد ما
متابعة القراءة