25 عـاما من الخداع
بعد خمسة وعشرين عاما من الزواج اكتشفت ان زوجي قضى سنواته يبني امبراطورية كاملة مستندا الى اسم عائلتي
خمسة وعشرون عاما ليست رقما عابرا هي عمر كامل يمكن ان يبنى فيه انسان او يختفي ببطء في صباح عادي لا يحمل صدمة ولا انذارا وقفت امام المرآة ونظرت الى وجهي طويلا
لم ابك ولم اشعر بالخوف شعرت فقط ان المرأة التي تنظر الي تعرفني اكثر مما اعرفها كأنها جاءت من زمن اخر تحمل اثار سنوات عاشت دون ان تسأل ان كانت بخير
اسمي نورة اسم امتلكته يوما ثم تركته يتآكل بهدوء حتى صار مجرد ذكرى بعيدة
حين تزوجت راشد كنت في التاسعة عشرة كنت اؤمن ان الحب قادر على اصلاح اي رجل وان التضحية فضيلة لا تطلب مقابلا
لم اكن ضعيفة ولا ساذجة كنت فقط صغيرة بما يكفي لاعتقد ان العطاء لا ينهك صاحبه
راشد كان يكبرني بعشر سنوات بدا لي وقتها ناضجا يعرف ماذا يريد
قال لي في الايام الاولى انه يريد شريكة لا زوجة وصدقت ان الشراكة تعني المساواة
لم انتبه ان بعض الرجال يستخدمون الكلمات الجميلة ليخفوا بها طريقا واحدا يسيرون فيه وحدهم
دخلت الزواج باسمي واسم عائلتي العائلة التي عرفت عالم الاعمال قبل ان اعرف انا نفسي
لم
في السنوات الاولى كنت حاضرة في كل شيء اجلس في الاجتماعات اراجع الارقام اقترح الحلول
كان يقول للجميع ان رأيي مهم وانني افهم لكن اسمي كان يقال داخل الغرف المغلقة فقط
خارجها كان اسمه وحده يتقدم خطوة بعد خطوة بدا التراجع ببطء لا يمكن ملاحظته
كنت اقول لنفسي هذه مرحلة وستمر
كبر العمل وكبر البيت وكبر اسمه في المجالس وصغرت انا داخلي دون ان ينتبه احد حتى انا لم انتبه
كنت اعرف ما يحتاجه قبل ان يطلب انظم يومه اهدئ قلقه وابتلع قلقي
صرت اعرفه اكثر مما اعرف نفسي
مرت السنوات وانا اغير نفسي لتناسب حياته غيرت صوتي وملابسي وطموحي واحلامي
كل شيء كان يجب ان يكون مناسبا له اولا
في العام العاشر من زواجنا لم اعد اتذكر متى اخر مرة ضحكت دون سبب
ولا متى اخر مرة قلت لا دون ان اشعر بالذنب
كنت امرأة تؤدي دورها باتقان وتنسى انها انسانة
في المناسبات كنت اجلس صامتة ينادونني زوجة راشد فقط
كأن اسمي الاصلي سقط سهوا من الذاكرة
حتى جاء العام الخامس والعشرون
جلست امام المرآة ذات صباح ولم اعرف المرأة التي تنظر الي
توقفت هنا لأن هذه كانت
ليس لأنني صرخت أو واجهت أو كسرت شيئا.
بل لأنني في ذلك الصباح، بعد خمسة وعشرين عاما من الصمت، قررت أن أتكلم.
دخلت عليه في مكتبه المنزلي.
كان يجلس خلف المكتب الكبير الذي اخترته له يوما، المكتب الذي دفعت ثمنه من أول صفقة وقّعتها باسمي ثم تنازلت عنها له.
كان يتحدث في الهاتف، يضحك بثقة، صوته ممتلئ كما لو أن العالم كله يستند إليه.
انتظرت.
لم أعد أستعجل أحدا منذ سنوات.
أغلق الهاتف، رفع رأسه، نظر إليّ نظرة سريعة، تلك النظرة التي لا ترى التفاصيل، ثم قال بلا اهتمام:
خير؟
قلت بهدوء لم أعهده في صوتي من قبل:
كنت عايزة أتكلم معاك عن الشغل… وعن اسمي.
ضحك.
ضحكة قصيرة، خفيفة، كأنني ألقيت نكتة في توقيت غير مناسب.
قال وهو يعيد ترتيب أوراقه:
اسمك؟ نورة، إنتِ كويسة؟ إحنا كبرنا على الكلام ده.
جلست أمامه.
لم أطلب إذنا، ولم أنتظر دعوة.
قلت:
اللي بنيته طول السنين دي، أنا كنت جزء منه. مش مساعدة… شريكة.
رفع حاجبه، ابتسم ابتسامة جانبية أعرفها جيدا، ابتسامة الرجل الذي يعتقد أنه يملك الحقيقة وحده.
قال:
إنتِ؟ شريكة؟
ثم أضاف وهو يهز رأسه:
إنتِ طيبة قوي
شعرت بشيء ينكسر داخلي، ليس ألما، بل وضوحا.
قالها وكأن الطيبة تهمة.
وكأن السنوات التي قضيتها أقرأ العقود، وأراجع الأرقام، وأفتح له الأبواب، لم تكن سوى فراغ جميل.
تابع وهو يضحك:
بصراحة كده، لولا اسمي، لولا وجودي، ما كانش في حاجة من ده حصل. إنتِ ست بيت محترمة، وده دورك… غير كده؟ ولا حاجة.
ولا حاجة.
قالها بسهولة مذهلة.
شعرت لأول مرة أنني أسمع نفسي من الخارج.
أنا التي كنت كل شيء في الخفاء، صرت ولا شيء في العلن.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
قلت فقط:
يعني أنا من غيرك… ولا حاجة؟
نظر إليّ باستغراب، كأن السؤال غبي.
قال بثقة رجل لم يُختبر يوما:
أيوه. خلينا واقعيين. الناس تعرفني أنا. اسمي هو اللي فاتحلك باب العيشة دي.
العيشة دي. البيت.السنين.عمري.
ضحك مرة أخرى، ضحكة أعلى، وأضاف:
وبعدين إنتِ فاكرة نفسك مين؟ ما تحطيش في دماغك أفكار ملهاش لازمة.
في تلك اللحظة، أدركت أنني لم أكن مخدوعة فقط.
كنت مهمَّشة… عن قصد.
خرجت من الغرفة ببطء.
خطواتي كانت ثابتة على غير العادة.
دخلت المطبخ، المكان الوحيد الذي لم يسحب اسمي منه بعد.
جلست.
وضعت يدي على الطاولة.
نظرت حولي.
هذا البيت الذي بنيته
في المساء، عاد يتصرف كأن شيئا لم يحدث.