25 عـاما من الخداع

لمحة نيوز

سأل عن العشاء، عن ملابسه، عن موعده غدا.
كان واثقا أنني سأنسى، كما نسيت دائما.
لكنني لم أنسَ.
في الليل، استلقى بجانبي، تنفسه منتظم، مطمئن، رجل يعتقد أن كل شيء في مكانه الصحيح.
أما أنا، فكنت مستيقظة، أعدّ السنوات لا الليالي.
خمسة وعشرون عاما.
أعطيت فيها اسمي، وصوتي، وظهري، حتى صدق هو أنني بلا قيمة.
حتى صدقت أنا ذلك أحيانا.
لكن شيئا صغيرا تغير.شيء لا يراه النائمون.
لم أقرر الرحيل. لم أفكر في الانفصال. قررت شيئا أبسط… وأصعب.
أن أتوقف عن الاختفاء. وأن أتركه، لأول مرة، يواجه الفراغ الذي صنعه بيده.
وكان هذا… مجرد البداية.
لم أغير شيئا ظاهريا في الأيام التي تلت تلك الليلة
استيقظت في موعدي أعددت الإفطار بهدوء وودعته بابتسامة خفيفة
لكن شيئا واحدا اختفى دون إعلان أنا
لم أعد أذكره بمواعيده ولا أراجع رسائله ولا أرتب أفكاره
لم أعد أسبق احتياجاته بخطوة ولا أطفئ قلقه قبل أن يشعر به
كنت حاضرة بجسدي فقط غائبة بكل ما اعتاد أن يأخذه دون مقابل
في الأسبوع الأول لم يلاحظ كان مشغولا بنفسه كعادته واثقا أن الأمور تسير تلقائيا
الرجال الذين لم يشاركوا في البناء لا ينتبهون حين يتوقف أحد عن حمل السقف
في الأسبوع الثاني بدأ الارتباك
عاد متأخرا متجهما يشكو من اجتماع فاشل وصفقة تعطلت
قال إن الناس تغيرت وإن السوق لم يعد كما كان
كنت أستمع فقط
لا أعلق لا أقترح لا أصلح الجملة التي اعتاد أن يخطئ فيها
نظر إليّ مستغربا
مرة أو مرتين ثم تجاهل الأمر
في الأسبوع الثالث انفجر
قال بعصبية وهو يلقي بمفاتيحه على الطاولة
إيه اللي حصلك يا نورة؟ إنتِ ساكتة قوي اليومين دول
رفعت عيني إليه بهدوء قلت ببساطة لم أقصدها كسلاح زي ما تحبني أكون
سكت كانت تلك أول مرة لا يجد فيها ردا جاهزا
جلس وهو يزفر وكأن البيت نفسه لم يعد يطاوعه
في العمل بدأ يسمع اسمي ليس لأنني عدت بل لأن غيابي كشف أثري
أخطاء صغيرة تراكمت قرارات ناقصة لم تكتمل ثغرات لم يكن يراها
أحد الشركاء سأله في اجتماع جانبي فين رأي نورة؟ كانت دايما بتلفت نظرنا لحاجات مهمة
ضحك راشد وقتها ضحكة قصيرة مرتبكة وقال إنني مشغولة
لكن السؤال لم يخرج من رأسه عاد به إلى البيت حمله معه إلى السرير ونظر إليّ تلك الليلة نظرة مختلفة
قال بتردد لم أسمعه منه من قبل
إنتِ فعلا كنتي بتشوفي اللي أنا مش شايفه؟
لم أجب
الصمت أحيانا أصدق من أي اعتراف تقلب في فراشه كثيرا ولم ينم أما أنا فنمت لأول مرة بلا ثقل
بعد أيام عاد مبكرا جلس قبالتي وقال بصوت أخف نورة… إنتِ زعلانة مني؟
ابتسمت ابتسامة هادئة بلا مرارة قلت مش زعلانة… بس تعبت أكون ولا حاجة
سقطت الجملة بيننا ثقيلة كانت نفس الكلمة التي قالها يوما وهو يضحك لكنها خرجت الآن من فمي بلا صوت
نظر إليّ طويلا ولأول مرة لم يكن واثقا من نفسه رأيت في عينيه خوفا حقيقيا
لم يعتذر ولم يعترف بكل شيء لكنه قال شيئا صغيرا صادقا
يمكن… أنا أخدت وجودك كأمر مسلم
بيه
ذلك لم يكن انتصارا لكنه كان بداية وعي اللحظة التي أدرك فيها أنني لم أكن ظلا بل عمودا
لم نعد كما كنا لكننا لم نفترق تعلم هو أن القوة لا تعني الإلغاء
وتعلمت أنا أن من لا يرى قيمتك يجب أن يشعر أولا بغيابها
وهكذا بعد خمسة وعشرين عاما من الخداع بدأ الصدق… متأخرا لكنه أخيرا بدأ
لم أطلب اعتذارا ولم أفتح جرحا قديما ولم أذكّره بما قاله وهو يضحك لأنني كنت أعرف أن الكلمات التي تخرج وقت الاستهانة لا تُمحى بالاعتذار بل بالفعل وكنت أعرف أيضا أن استعادتي لنفسي لن تتم بالصدام بل بالحضور الكامل الذي لا يمكن تجاهله
راشد بدأ يشعر أن البيت لم يعد كما كان ليس لأنني تغيّرت ظاهريا بل لأنني لم أعد أختفي داخله ولم أعد أملأ الفراغات التي كان يتركها بثقة من يظن أن الآخر موجود دائما مهما أهمله
في العمل بدأت الأخطاء تتكرر والأسئلة تزداد والنقاشات تطول دون حسم وحين سُئل عن رأيي لم يعرف ماذا يجيب للمرة الأولى أدرك أن الصوت الذي كان يصحح المسار في الظل قد انسحب بهدوء وأن الاعتماد الذي لم يعترف به صار فجأة غائبا
عاد إلى البيت في ذلك اليوم مثقلا جلس أمامي طويلا ثم قال بهدوء غريب كمن يواجه حقيقة لا مهرب منها أنا كنت فاكر نفسي كل حاجة
لم أعلّق لم أبتسم لم أعاتبه تركته يكمل لأن الرجل حين يبدأ في رؤية نفسه لا يجب أن يُقاطع
قال بعدها وإنتي كنت شايلة أكتر مما أنا كنت شايف وعمري ما قلت ده بصوت عالي
بعد أيام دعاني
لاجتماع مهم لم يقدمه كتنازل ولا كمجاملة بل كحاجة حقيقية وقال أمام الجميع نورة شايفة الصورة أوضح مني النهارده
في تلك اللحظة لم أشعر بالانتصار شعرت بالاتزان كأن شيئا عاد إلى موضعه الطبيعي بعد انحراف طويل
تحدثت باسمي لا باسم زوجة أحد وقدّمت رأيي دون أن أشرح تاريخي أو أبرر وجودي لأن المكان الذي يُنتزع لا يحتاج إثبات
لاحظت الصمت الذي تبع كلامي ذلك الصمت الذي لا يأتي إلا بعد الاعتراف الضمني بالقيمة
في طريق العودة لم يتحدث كثيرا لكن يده ارتخت على المقود كأن حملا ثقيلا سقط عنه وحين وصلنا قال جملة قصيرة صادقة أنا محتاجك جنبي مش ورايا
كانت تلك المرة الأولى التي يعترف فيها بالمكان دون أن ينتقص منه
في البيت تغيّرت التفاصيل الصغيرة التي لا تُرى في القصص الكبيرة يسأل قبل أن يقرر يصغي دون أن يقاطع يذكر اسمي كما هو لا يختصره ولا يذيبه في لقب
لم نعد زوجين أحدهما يعلو والآخر يختفي بل شريكين يتقاطعان دون أن يُلغى أحدهما
لم أكسر البيت ولم أرفع سقفا جديدا بل أعدت العمود الذي كان مخفيا
تعلم هو أن القوة لا تعني السيطرة وأن المرأة التي تُهمَّش طويلا إذا استعادت نفسها لا تعود كما كانت
وتعلمت أنا أن اسمي ليس تفصيلا وأن من يتنازل عنه مرة عليه أن يسترده كاملا أو لا يعيش نصف حياة
بعد خمسة وعشرين عاما لم أعد تلك المرأة التي تقف أمام المرآة متسائلة من تكون
أنا نورة التي عرفت قيمتها ولم تعد تسمح لأحد أن يضحك
عليها مرة أخرى
والبيت ما زال قائما لكن هذه المرة باسمي كما باسمه

تم نسخ الرابط