عاقبتُها بحبسها في المخزن لأنّها تجرّأت على معارضة أمّي… لكنّ الحقيقة التي اكتشفتُها عند الفجر أفقدتني أنفاسي
أخرجتها من غرفة النوم ودفعتها إلى غرفة الكراكيب فقط لأنها تجرأت على معارضة حماتها. لكن في صباح اليوم التالي حين فتحت الباب لم تكن هناك. وفي تلك اللحظة أدركت أنني ربما تجاوزت حدا لن يكون بعده رجوع.
لم يكن الفراغ هو ما صدمني بل النظام.
كل شيء في الغرفة كان في مكانه كأن أحدا حرص على ألا يترك خلفه فوضى تدل عليه. الصناديق المكدسة الأغطية القديمة المروحة المعطلة كلها شاهدة صامتة على غياب متعمد لا على هروب مرتبك.
وقفت طويلا أحدق في المساحة الضيقة محاولا إقناع نفسي بأنها لم تذهب بعيدا بأن الأمر لا يعدو كونه نوبة غضب وستعود. لكن شيئا في صدري كان يعرف الحقيقة قبل أن يسمح عقلي بالاعتراف بها.
في الليلة السابقة كنت غاضبا غضبا أعمى لا يميز بين الحق والكرامة. الغضب حين يمتزج بالخجل أمام الآخرين يتحول إلى وحش هادئ يتكلم بنبرة عقلانية ويقترف أسوأ القرارات. أمسكت بذراعها بقسوة لم أعهدها في نفسي دفعتها إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها.
لم ألتفت إلى ارتجافها.
لم أفسر نظرتها التي لم تكن توسلا بل دهشة خالصة. دهشة امرأة اكتشفت فجأة أن الرجل الذي احتمت به سنوات صار هو من يحبسها.
قلت لنفسي إنني أفعل الصواب.
إن القسوة أحيانا ضرورية.
إن
وكانت جملة واحدة تتردد داخلي بإصرار كأنها تعويذة تبرر كل شيء
أمي لا تخطئ.
حين عدت إلى غرفة النوم كانت أمي فاطمة جالسة على السرير ظهرها مستقيم يداها متشابكتان في حجرها. بدت كمن أنهت معركة دون أن ترفع صوتها. لم تقل شيئا لكنها نظرت إلي نظرة رضا صامتة نظرة فهمت معناها جيدا.
قالت بهدوء
كده الصح ما ينفعش حد يعلي صوته علي في بيتي.
لم أرد.
تمددت إلى جوارها ونمت نوما عميقا نوم شخص يظن أن السيطرة تعني الأمان.
كنت واثقا أن ليلى لن ترحل.
إلى أين تذهب
أهلها في الإسكندرية بعيدة عن هذه المدينة التي لا تعرف فيها أحدا سواي. لا تملك حسابات بنكية ولا مالا يكفي ولا حتى الجرأة كما ظننت على كسر كل شيء.
كنت أظن أنني حين أغلقت عليها الباب أغلقت كل الطرق أمامها.
ولم أدرك أنني في الحقيقة فتحت لها طريقا واحدا طريق الرحيل.
أمي لم تكن ترى نفسها قاسية.
كانت ترى نفسها امرأة ضحت بكل شيء. زوج مريض حياة مؤجلة أبناء ربتهم وحدها. وكانت تؤمن إيمانا راسخا أن هذا يمنحها حق الطاعة المطلقة.
حين دخلت ليلى حياتي لم تدخل زوجة فقط بل امتحانا لم أكن مستعدا له.
تعرفت عليها في الجامعة. كانت مختلفة عن نساء العائلة.
قالت مبتسمة يومها
الأم نعمة وأنا مش بخاف من النعم.
لكن أمي خافت.
ومنذ تلك اللحظة بدأ العداء الصامت.
وحين طلبت الزواج منها رفضت أمي بلا سبب واضح.
قالت فقط
أهلها بعيد المصاريف هتضيع على الفاضي.
بكت ليلى تلك الليلة لا أمام أمي بل أمامي. ثم مسحت دموعها وقالت بصوت ثابت
أنا هبقى زوجتك مش عبء عليك. أزور أهلي مرة في السنة لو ده يريحك.
توسلت إلى أمي.
لأول مرة في حياتي.
وافقت بعد ضغط طويل لكنها لم تغفر. كانت تلك الموافقة بداية حساب لم يغلق أبدا.
ومنذ زواجنا صارت كل زيارة لأهلها معركة مؤجلة. وكل تأجيل كنت أبرره بالصمت ظانا أنه حياد غير مدرك أنه خيانة مؤجلة.
وحين ولد طفلنا الأول تغير كل شيء.
الأمومة منحت ليلى صوتا.
والصوت كان أكثر ما تخشاه أمي.
وهنا
بدأت القصة الحقيقية.
لم تبدأ الخلافات الكبيرة بصراخ بل بأسئلة صغيرة.
أسئلة بدت في ظاهرها عادية لكنها كانت في جوهرها إعلانا غير مباشر بأن ليلى لم تعد تلك الزوجة الصامتة التي تبتسم وتطيع. الأمومة غيرت نبرة صوتها لا حدته. صارت تسأل
هل يأكل الطفل الطعام المهروس أم يكتفي بالحليب
هل ينام في سريره أم بيننا
هل يلف جيدا أم يترك ليتعود على الجو
كانت أسئلة طبيعية لكن أمي لم تسمع فيها حرصا بل تحديا.
قالت أمي ذات صباح وهي تراقب ليلى تحمل الطفل
إنت بتكبري الموضوع قوي إحنا ربينا عيال من غير كل القلق ده.
ردت ليلى بهدوء حاولت أن تحافظ عليه
الدكتور قال كده يا ماما وأنا بس حابة أطمن.
لم يكن ردها هو المشكلة بل نبرتها. نبرة امرأة ترى نفسها شريكة في القرار لا منفذة لأوامر.
منذ تلك اللحظة بدأ التوتر يتكاثف في البيت كهواء ثقيل قبل العاصفة. أمي صارت أسرع غضبا وليلى صارت أقل صمتا أما أنا فبقيت في مكاني المعتاد المنتصف الذي لا يحمي أحدا.
كنت أراقب الخلافات تكبر دون أن أتدخل. أقنع نفسي أن الزمن سيهدئ الأمور وأن الصبر سيحل كل شيء. لم أفهم أن الصبر حين يكون هروبا يتحول إلى وقود للكارثة.
في أحد الأيام ارتفعت حرارة الطفل فجأة. كان جسده الصغير يحترق بين يدي ليلى وارتجافه أصابها بالذعر. لم أنس نظرتها تلك الليلة نظرة أم ترى الخطر يقترب ولا تملك السيطرة.
لكن أمي لم تر الخوف.
رأت خطأ.
قالت بصوت مرتفع
هو العيل ده سخن ليه! إنت
شهقت ليلى لا من الكلمات بل من القسوة. حاولت أن تشرح أن تقول إن الحرارة جاءت فجأة إن الطفل كان بخير قبل ساعات. لكن الكلمات خرجت متعثرة خائفة.
وهنا اخترت الطريق