عاقبتُها بحبسها في المخزن لأنّها تجرّأت على معارضة أمّي… لكنّ الحقيقة التي اكتشفتُها عند الفجر أفقدتني أنفاسي
المحتويات
الأسهل.
اخترت أمي.
قلت بحدة لم أتعرف على مصدرها
كان لازم تاخدي بالك أكتر.
نظرت إلي ليلى طويلا. لم تجادل. لم تبك. فقط صمتت.
ذلك الصمت كان أثقل من أي صراخ.
في تلك الليلة بقيت هي بجوار الطفل حتى الصباح. لم تنم. لم تتركه لحظة. أما أنا فذهبت لأنام في غرفة والدي الراحل مبررا لنفسي أنني مرهق وأن الغد سيكون أفضل.
لم يكن أفضل.
في الصباح امتلأ البيت بالأقارب. ضحكات تعليقات أسئلة فضولية. الكل يراقب والكل يحكم. كانت ليلى بالكاد تقف على قدميها من التعب والطفل بين ذراعيها.
ناولتها أمي بعض النقود وقالت أمام الجميع
روحي هاتي طلبات من السوق.
ترددت ليلى. نظرت إلي كأنها تطلب دعما صامتا. كدت أتكلم لكن أمي سبقتني
لو أنا اللي نزلت الناس هتقول إيه!
قالت ليلى بصوت مكسور لكنه واضح
أنا سهرانة مع حفيدك طول الليل.
ثم أضافت وكأنها قررت أخيرا أن تقول الحقيقة كاملة
أنا زوجة ابنك مش خدامة.
سقط الصمت على المكان.
العيون اتجهت نحونا.
والخزي انفجر داخلي.
لم يكن خزيا لأنها أهينت بل لأن الآخرين سمعوا. لأن الصورة التي رسمتها أمي أمام الناس بدأت تتشقق. أمسكت بذراع ليلى بعنف واقتدتها إلى غرفة الكراكيب.
قلت لها كلمات كثيرة لا أذكرها كلها. لكنني أذكر نهايتها جيدا
لازم أبقى قاسي
نظرت إلي نظرة لن أنساها ما حييت. لم تصرخ. لم تقاوم. دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
وفي الصباح
فتحت الباب.
ولم تكن هناك.
في الساعات الأولى بعد اختفائها تحركت بلا وعي. فتحت الأبواب ناديت باسمها دخلت المطبخ الحمام غرفة الطفل. كل شيء كان في مكانه كأنها خرجت للحظة وستعود.
ذلك الوهم كان أقسى من الحقيقة.
أمي كانت أكثر تماسكا مني. جلست في الصالة تتصل بالأقارب صوتها مرتفع مليء باتهامات غير مباشرة
أكيد بتعمل كده علشان تضغط عليه.
هترجع الستات ما بتهربش.
لكنني كنت أعرف.
في تلك النقطة الصامتة في صدري كنت أعرف أن ليلى لم تخرج لتخيفني خرجت لأنها انتهت.
حين قالت الجارة إنها رأتها ليلا تبكي ومعها حقيبة وحين أخبرتني أنها أعطتها مالا لتصل إلى المطار شعرت كأن الأرض تميل بي. لم أصرخ. لم أبك. فقط جلست جسدي هنا وعقلي في مكان آخر.
حين ردت ليلى على اتصالي كان صوتها باردا. ليس صوت امرأة تهدد بل صوت امرأة قررت.
قالت بهدوء قاطع
أنا في بيت أهلي.
ثم أضافت
هقدم دعوى طلاق وابننا هيبقى معايا.
صرخت أمي من خلفي
تمثيل! مش هتقدر تعمل كده!
لكنني لم أصرخ.
شعرت بشيء آخر.
الخوف.
خوف من فقدان السيطرة.
من أن أكون بلا سلطة بلا صوت بلا حق تلقائي.
كنت أعرف
وبعد ثلاثة أيام وصل الظرف البني.
وكان كل شيء بعده مختلفا.
لم يصل الخوف دفعة واحدة.
جاء متقطعا كأنفاس مكسورة كصوت طرق خافت على باب العقل لا يفتح إلا بعد فوات الأوان. في الأيام الأولى بعد رحيل ليلى كنت أتحرك داخل البيت كضيف ثقيل الظل. أفتح الأبواب وأغلقها أرتب أشياء لا تحتاج إلى ترتيب وأؤجل الاعتراف بالحقيقة.
البيت نفسه بدا مختلفا.
الجدران التي اعتدت أن تحميني صارت تراقبني.
وغرفة الطفل تلك المساحة الصغيرة التي كانت تضج بالحياة تحولت إلى فراغ مؤلم سرير نظيف أكثر من اللازم ألعاب مرتبة بلا فوضى وكأن الضحك لم يمر من هنا يوما.
أمي كانت غاضبة غضبا صاخبا لا يعرف الشك.
قالت وهي تمشي في الصالة بعصبية
المرأة المطلقة عار سيبها! هترجع زاحفة.
لم أجب.
لم أعد أملك طاقة الجدل.
صوتها صار يصلني كصدى بعيد شيء مألوف لكنه لم يعد يملك السيطرة ذاتها.
بعد ثلاثة أيام وصل الظرف البني.
كان خفيف الوزن ثقيل المعنى. أوراق رسمية مختومة لغة باردة لا تعرف الرحمة.
السبب عنف نفسي من الزوج وعائلته.
لم أستطع قراءة المزيد. الكلمات بدت كمرآة قاسية لا تسمح لي بالالتفات بعيدا. أمي مزقت الصمت بصراخها
افتراء! دي كدابة!
لكنني لم أشاركها الغضب.
كنت أعرف أن
بدأت الأحاديث تنتشر.
في العمل.
في العائلة.
في المدينة.
إزاي حبستها
إزاي سبت أمك تعمل كده
مين هيأمن له بعد كده
لم أدافع عن نفسي. لأن الدفاع يحتاج يقينا وأنا لم أعد أملكه. بدأت أرى نفسي كما يراني الآخرون وربما أسوأ.
رجل وقف صامتا وزوجته تهان.
رجل خاف من مواجهة أمه أكثر مما خاف من كسر زوجته.
رجل ظن أن الصمت حكمة فاكتشف أنه كان جبنا.
في إحدى الليالي رأيت ليلى عبر شاشة الهاتف. كانت تحمل ابننا رأسه الصغير مستقر على صدرها. بدا آمنا مطمئنا في مكانه الصحيح. ذلك المشهد البسيط كسر شيئا داخلي لم أكن أعلم أنه ما زال سليما.
قلت بصوت متردد
ممكن أشوفه بس أشوفه.
نظرت إلي ببرود لم أعرفه فيها من قبل
دلوقتي افتكرت ابنك
لم ترفع صوتها. لم تشتم. لم تبك.
وهذا ما جعل كلماتها أقسى. لأنها لم تكن تحاول إيذائي بل تحمي نفسها.
مرت الأيام ثقيلة.
العمل صار بلا معنى.
والليل كابوسا متكررا. أراهم يبتعدون أركض فلا أصل أمد يدي فلا تلمس شيئا.
شيئا فشيئا بدأت أرى الحقيقة دون أقنعة.
كنت أسمع صوتا واحدا فقط طوال سنوات.
أبرر باسم البر.
وأهرب من المواجهة.
لم أكن زوجا
ذات صباح اقتربت مني عمتي خديجة. نظرت إلي طويلا ثم قالت بهدوء قاتل
الست ما بتوصلش المحكمة غير لما تكون استنزفت.
لم تلمني. لم تهدد. قالت الحقيقة فقط.
ثم أضافت
قدامك طريقين يا تقبل الخسارة يا تطلب الصفح بصدق.
كلماتها لم تمنحني راحة.
منحتني مسؤولية.
في تلك الليلة خرجت إلى فناء
متابعة القراءة