وصل والدُ صاحبِ المعرض إلى صالة العرض ليشتري سيارة… لكنهم طردوه لأنهم ظنّوه فقيرًا… وحين انكشفت الحقيقة، صُعق الجميع.
لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفا عن غيره في مدينة اعتادت أن تقيس قيمة البشر بما يلمع حولهم.
الشمس ارتفعت بهدوء فوق حي بولانكو وانعكس ضوؤها على الواجهات الزجاجية المصقولة فبدت الشوارع كأنها استيقظت لتوها من حلم عن الثراء حلم لا يسمح فيه للفقراء حتى بدور الكومبارس. السيارات الفارهة تمر ببطء متعمد وكأنها تستعرض نفسها قبل أن تستعرض من بداخلها والمارة يتحركون بخطى واثقة يحملون هواتفهم وبطاقاتهم الائتمانية كأنها جوازات عبور إلى عالم لا يفتح بغيرها.
وسط هذا المشهد كان يسير رجل واحد بدا كأنه خرج من زمن آخر أو ربما من الهامش الذي لا تلتفت إليه العيون.
كان اسمه دون سيفيرينو رويدا لكنه لم يكن يعرف أن اسمه في تلك اللحظة صار عبئا لو نطق به. جسده النحيل يتحرك ببطء وظهره المنحني قليلا يحكي حكايات سنوات طويلة من الانحناء فوق محركات باردة وأحلام ساخنة. يعرج عرجا خفيفا في ساقه اليسرى أثر حادث قديم لم يشك منه يوما لأنه تعلم باكرا أن الشكوى لا تصلح ما كسر.
كان يرتدي قميصا فضفاضا لونه فقد معناه من كثرة الغسيل وصندلا مهترئا يعرف الطريق جيدا أكثر مما يعرفه صاحبه. وفي جيبه الصغير زجاجة صابون رخيص تفوح منه رائحة ليمون صناعي اشتراه لأنه يدوم طويلا ولأنه
لم يكن أحد من المارة يعلم أن هذا الرجل الذي يتفادونه بنظرات سريعة هو من وضع أول حجر في إمبراطورية سيارات تملأ لوحاتها الإعلانية المدينة كلها.
لم يكن أحد يعرف أن اسم رويدا موتورز المكتوب بخط ذهبي على الزجاج بدأ ذات ليلة باردة في ورشة ضيقة حين كان دون سيفيرينو يفك محركا متهالكا ويعيد تركيبه بيدين ترتجفان من التعب بينما كان طفل صغير يجلس جواره عيناه تلمعان أكثر من أي معدن.
ذلك الطفل كان إميليانو.
لكن المدينة لا تعترف بالبدايات ولا تحب القصص التي لا تشبه واجهاتها اللامعة.
في ذلك الصباح كان لدى دون سيفيرينو حلم بسيط لكنه أثقل من كل ما حمله في حياته.
أراد أن يشتري سيارة.
لا لأنه بحاجة إليها ولا لأنه يسعى إلى رفاهية متأخرة بل لأنه أراد للمرة الأولى أن يدخل صالة عرض تحمل اسم ابنه لا كعامل ولا كمؤسس خفي بل كأب.
أراد أن يقف هناك وسط الزجاج والضوء ويقول دون كلمات كنت هنا قبل كل هذا وما زلت هنا.
توقف أمام المبنى الزجاجي في سانتا في.
كانت صالة العرض تشبه معبدا حديثا تعبد فيه السرعة والجلد الفاخر والهيبة المصطنعة. الهواء في الداخل يرى من شدة برودته والعطر الذي يملأ المكان أغلى من ذكريات كثيرين.
أخذ
لقد كبرت يا سيفيرينو لا بأس أنت تستحق أن تدخل.
ما إن عبر الباب الدوار حتى شعر بثقل النظرات يسقط عليه.
حارسان يقفان عند المدخل ببدلتين داكنتين وأحذية تلمع أكثر مما ينبغي. حدق أحدهما في صندله كما لو كان إهانة شخصية بينما كتم الآخر ضحكة لم تتعلم بعد كيف تختبئ.
إلى أين تذهب يا عم
جاء السؤال ببرود لا يحمل فضولا بل حكما جاهزا.
أريد شراء سيارة.
قالها دون سيفيرينو بهدوء وكأن الأمر طبيعي وكأنه لم يشعر بشيء غريب.
تبادلا النظرات.
قال الأصغر ساخرا
هذا ليس سوق الخضار.
لم يرفع صوته لم يغضب فقط قال
أود التحدث مع أحد من فضلك.
سمحا له بالدخول لا احتراما بل لأن السخرية أحيانا تحب أن تستكمل إلى نهايتها.
في الداخل كان البريق أقسى.
السيارات مصطفة كحيوانات مفترسة نائمة تلمع في صمت تفوح منها رائحة الجلد الجديد والوعود الكاذبة. شعر دون سيفيرينو بشيء ينقبض في صدره ليس خوفا بل ذكرى. تذكر الليالي التي نام فيها على أرض الورشة وتذكر كيف كان يحلم فقط بأن تعمل السيارة دون أن تتعطل.
اقترب من منضدة الاستقبال.
كانت هناك شابة تكتب على حاسوب محمول شفاهها مطلية بلون صارخ وسماعتا أذن تعزلانها
صباح الخير يا ابنتي قال بهدوء أود شراء سيارة.
ابتسمت لكن الابتسامة كانت فارغة باردة.
يا جدي هل ضللت الطريق هذا مكان رويدا موتورز.
نعم هنا بالضبط أجاب. لهذا جئت.
ضحكت ضحكة قصيرة.
قولك معي مال لا يكفي. هنا السيارات باهظة.
لم يرد أن يدخل في جدال.
أريد فقط أن أرى واحدة.
ارتفع صوتها قليلا
لا تضيع وقتي! أنت تزعجنا.
وفي تلك اللحظة خرج رجل من مكتب زجاجي قريب.
بذلة داكنة نظرة قاسية وابتسامة لا تعرف الرحمة. كان غوستافو المدير.
ما الذي يحدث هنا
قالها بنبرة اعتادت السيطرة.
أشارت باتريسيا بذقنها
هذا الرجل يصر على شراء سيارة.
نظر غوستافو إلى دون سيفيرينو نظرة ازدراء كاملة.
أهذا مكان للتسول
حاول دون سيفيرينو أن يشرح لكن الكلمات تعثرت.
أنا فقط أريد أن
لم يكمل.
جاءت الصفعة فجأة.
قاسية. جافة.
لم تكن على وجهه فقط بل على تاريخه كله.
ساد الصمت.
شعر بحرارة في وجنته وبشيء ينكسر داخله. لم يبك من الألم بل من الفهم المفاجئ في هذا المكان لم يكن إنسانا بل خطأ يجب إزالته.
أخرجوه!
أمر غوستافو.
أمسك من ذراعيه ودفع إلى الخارج وسط ضحكات خافتة ونظرات متجنبة.
وعلى الرصيف وقف
لا صالة لا بريق فقط مدينة تمضي دون أن