اختفت فتاة عام 1976… وبعد ثلاثين عامًا، يكتشف عامل بناء هذا السرّ
سيبقيني هنا حتى أموت.
كانت الصفحات الأخيرة شبه غير مقروءة مكتوبة بيد مرتجفة.
12 يناير 1982
أنا مريضة جدا. أسعل دما. السيد روشا ينظر إلي خائفا لكنه لا يجلب طبيبا. أظنه سيتركني أموت.
8 مارس 1982
لا أستطيع الكتابة كثيرا. لا قوى لدي. إن قرأ أحد هذا يوما فليخبر أمي أنني أحببتها حتى النهاية.
أغلقت كارمن اليوميات وضمتها إلى صدرها.
انتشر خبر العثور على مارينا سانتوس في سان فيسنتي ديل سور كالنار في الهشيم. وصلت وسائل الإعلام الوطنية إلى البلدة. أحاطت الكاميرات بمنزل سيباستيان روشا الذي بات محاطا بأشرطة الشرطة بوصفه مسرح جريمة.
كان الصحفيون يتساءلون
كيف أمكن ألا يعرف أحد
كيف استطاع الاحتفاظ بها هناك ست سنوات دون أن يلاحظ أحد شيئا
كانت الإجابة بسيطة ومروعة في آن واحد. لم يشك أحد لأن أحدا لم يرد أن يشك. كان سيباستيان روشا رجلا محترما هادئا خدوما. عمل في المدرسة عشرين عاما وكان يساعد في الكنيسة. لم يتخيل أحد أن تحت منزله العادي خلف جدار من الطوب كان يحتجز فتاة مراهقة مختطفة.
واصل فرناندو سواريز تحقيقه. تحدث مع جيران سابقين وزملاء عمل ومعارف روشا.
قالت جارة مسنة
كان غريبا دائما شديد الصمت. لم يتزوج قط ولم يكن له أصدقاء مقربون. لكن الغرابة لا تعني الإجرام أليس كذلك
وتذكر جار آخر
في إحدى الليالي عام 1978 سمعت أصوات ضربات غريبة من منزله. سألته عنها فقال إنه يقوم بإصلاحات. لم أشكك في الأمر.
وكشف زميل سابق له في المدرسة أمرا مقلقا
كان سيباستيان يولي الفتيات اهتماما خاصا. يسألهن عن مواعيدهن وعن الطرق التي يسلكنها. كنا نظنه رجلا وحيدا يحاول أن يكون لطيفا
لم يخطر ببالنا أكثر من ذلك.
جمع ماوريسيو كل المعلومات في تقرير واحد. خلص التقرير إلى أن سيباستيان روشا خطط للاختطاف بعناية. كان يعلم أن مارينا تسير وحدها كل يوم عبر شارع بيلغرانو. انتظر اللحظة المناسبة وعلى الأرجح عرض عليها أن يوصلها بسيارته بحجة وجود أمر عاجل في المدرسة. كانت مارينا تثق به فصعدت معه طوعا. أخذها إلى
بعد ذلك مباشرة بنى الجدار الوهمي ليخفي المساحة. الأصوات التي سمعها الجيران لم تكن أعمال ترميم بل كانت بناء سجن مارينا. طوال ست سنوات أبقاها على قيد الحياة يقدم لها من الطعام ما يكفي كي لا تموت فورا لكن لا يكفي لتكون بصحة جيدة. لم يوفر لها أي رعاية طبية. وعندما مرضت بشدة عام 1982 توقف ببساطة عن النزول إليها. تركها تموت وحدها.
سألت باتريسيا
لماذا لم يقتلها مباشرة
أجاب ماوريسيو
جبن. لم يملك الشجاعة ليقتلها بيده ولا الضمير ليطلق سراحها. فاختار الطريق الوسط أن يتركها تموت ببطء.
أرادت كارمن سانتوس أن ترى المكان. حاول ماوريسيو ثنيها لكنها أصرت.
قالت
أحتاج أن أرى أين قضت سنواتها الأخيرة.
أخذوها إلى المنزل الذي أصبح خاليا. نزلوا إلى القبو. كان الجدار الوهمي قد هدم بالكامل كاشفا عن المساحة الضيقة التي قضت فيها مارينا 2190 يوما من حياتها. ثلاثة أمتار في مترين. جدران من الطوب العاري فراش قديم على الأرض دلو في الزاوية ومصباح خافت كان روشا يشغله أثناء زياراته.
جثت كارمن على أرض المكان. مررت يديها فوق الفراش الذي نامت عليه ابنتها وبكت عليه وكتبت يومياتها وماتت فوقه.
همست
طفلتي طفلتي الصغيرة كانت هنا. قريبة جدا. طوال تلك السنوات كنت أبحث في كل مكان وكانت هنا.
على أحد الجدران كانت مارينا قد حفرت علامات مثل السجناء الذين يعدون الأيام. خطوط صغيرة مجمعة بخمسات. عدتها كارمن بأصابعها. كان عددها أكثر من ألفي علامة.
قالت باكية
كل يوم كانت تنتظرني. كل يوم كانت تؤمن أنني سأجدها.
أقيمت جنازة مارينا سانتوس بعد شهر من اكتشافها. امتلأت الكنيسة عن آخرها. حضر من عرفها ومن شارك في البحث عنها عام 1976 ومن جاء فقط ليودع حياة سرقت بوحشية. كان التابوت أبيض مغطى بالزهور. في داخله كانت رفات مارينا أخيرا في سلام.
أصرت كارمن على أن تدفن مارينا مرتدية فستان حفلتها المفضل الذي اشترته لها لعيد ميلادها الثالث عشر ولم تتح لها فرصة ارتدائه في عيدها الرابع عشر.
أقام الأب
قرأت لوسيا آخر صديقة رأت مارينا حية وكانت الآن امرأة في الرابعة والأربعين رسالة قالت فيها
مارينا سامحيني لأنني لم أرافقك إلى البيت في ذلك اليوم. سامحيني لأنني واصلت حياتي بينما كنت تعانين. طوال ثلاثين عاما تساءلت عما حدث لك. والآن أعلم أنك كنت قريبة جدا طوال الوقت ولم يجدك أحد منا. أتمنى أن تكوني الآن حرة أخيرا.
لم تتكلم كارمن في الجنازة. لم تكن لديها كلمات. جلست في الصف الأول تحدق في التابوت متشبثة بذراع ابنها الأكبر روبرتو الذي كان في الثامنة عشرة عندما اختفت مارينا.
همس روبرتو
أمي هي الآن في سلام.
هزت كارمن رأسها وقالت
لا. السلام كان يجب أن تناله وهي في الرابعة عشرة تلعب مع صديقاتها تدرس لتصبح معلمة تعيش حياتها. هذا ليس سلاما هذا مجرد نهاية.
بعد الدفن فتح تحقيق داخلي في الشرطة. لماذا لم يفتش منزل سيباستيان روشا عام 1976 لماذا قبل عذره دون تحقق جاء التقرير قاسيا إهمال في التحقيق غياب بروتوكولات مناسبة وثقة مفرطة بالمظاهر.
في عام 1976 لم تكن شرطة سان فيسنتي ديل سور مجهزة أو مدربة للتعامل مع حالات اختفاء القاصرين. افترضوا أن مارينا هربت طوعا دون وجود دليل. شعر ماوريسيو أندرادي الذي كان آنذاك شرطيا مبتدئا بمسؤولية شخصية ثقيلة.
قال
كنت هناك. شاركت في البحث. ولم أشك ولو مرة واحدة في سيباستيان روشا. ساعدني في تعليق الملصقات قدم لي القهوة نظر في عيني وكذب وأنا صدقته.
هدم منزل سيباستيان روشا بالكامل. وفي مكانه أقامت البلدية حديقة صغيرة في وسط البلدة ونصبا تذكاريا من الرخام الأبيض يحمل لوحة كتب عليها
ذكرى مارينا سانتوس
1962 1982
اختطفت في الرابعة عشرة
وعثر عليها بعد ثلاثين عاما
لتكن قصتها تذكيرا دائما بواجبنا في حماية الأضعف.
كانت كارمن تزور النصب كل أسبوع. تجلب الزهور تجلس على المقعد المقابل للوحة وتتحدث إلى ابنتها.
اليوم مشمس يا مارينا كما كنت تحبين. أتذكرين
بعد عامين من الاكتشاف توفيت كارمن سانتوس في نومها. كانت في الرابعة والسبعين. قال الأطباء إن السبب هو القلب لكن أهل البلدة جميعا عرفوا الحقيقة. كان قلب كارمن قد انكسر منذ اثنين وثلاثين عاما ولم يحتج جسدها إلا إلى وقت ليدرك ذلك.
دفنت إلى جوار مارينا وخورخي. ثلاث شواهد متجاورة. عائلة اجتمعت أخيرا.
غيرت قضية مارينا سانتوس سان فيسنتي ديل سور إلى الأبد. طبقت بروتوكولات أمان في المدارس وبدأ الأهالي يرافقون أبناءهم وتعلمت البلدة أن الشر لا يحمل دائما وجه الوحش.
أحيانا يكون للشر وجه الحارس المحترم.
لم تعد سان فيسنتي ديل سور كما كانت بعد صباح عام 2006 ذاك. أصبح الهيكل العظمي الذي عثر عليه خلف الجدار الوهمي رمزا لجرح أعمق ولحقيقة دفنت طويلا وفضل الجميع تجاهلها.
انتشر الخبر في أنحاء البلاد وأعاد فتح النقاش
حول الاختفاءات والإهمال والأخطاء التي ظن كثيرون أنها دفنت مع الماضي. أما بالنسبة لماوريسيو أندرادي فقد كان الاكتشاف عبئا لا يحتمل من ثلاثين عاما من الصمت الذي صار الآن صراخا لا يمكن تجاهله.
استمر التحقيق الرسمي شهورا. نسخت يوميات مارينا صفحة صفحة وحفظت بوصفها وثيقة تاريخية ودليلا نادرا على أسر طويل الأمد وشهادة حية على الإهمال المؤسسي في تلك الحقبة.
كل سطر كل رجفة في الخط كل توسل صامت زاد من شعور الذنب الجماعي الذي اجتاح البلدة. سلمت الرفات إلى العائلة وكان الوداع الأخير صامتا بلا خطب طويلة فقط قراءة مقطع من اليوميات
أريد العودة إلى البيت. أمي أبي لا تنسياني.
لم يستطع أحد حبس دموعه.
تحول قبر مارينا تحت شجرة معمرة إلى مكان يقصده الجميع. كانت الزهور تتجدد يوميا وترك الأطفال رسائل مكتوبة بخط اليد كما لو كانوا يخاطبون صديقة لم يعرفوها قط.
كان الاعتراف متأخرا لكن الصوت الذي ظل محبوسا ثلاثين عاما سمع أخيرا.
وهكذا وجدت الطفلة التي لم تصل إلى بيتها