رواية لأجلها بقلم أمل نصر (كاملة)
المحتويات
أمامه مغادرة فجلجت ضحكاته من خلفها حتى أدمعت عينيه. وما إن توقفت غمغم في أثرها بحسرة قبل أن يأتي رجل الأمن ويسحبه لمقره في المحبس يعني اللي عايزها وسايق عليها خلق الله عشان تاجي تشوفني مش معبراني! والبومة اللي مكسرة ومدشدشة برضو جاية تزحف لاجل تنول رضايا...
في ركن جانبي داخل المشفى كانت جالسة بجوار شقيقها الذي غلبته الحيرة حتى سألها وبعدين معاكي يا بت أبوي أنا لحد دلوك مش راسي معاكي على بر! كلام الناس كلها حواليا يأكد إنه خطيبها وانتي تجولي مفيش حاجة! طب لما هو كده الواد نفسه أعلنها جدام الناس ليه
زفرت مزيونة ودارت مقلتيها بسأم لتعود لنفس الإجابة التي لا تكذب فيها لاه يا وصفي وجولتها وهجولها تاني معاذ أعلن كده في أرض المرماح من دماغه لما حاش عن البنت وأصحابها الواد اللي كان بيعاكسهم هو غلط وأنا رفضته للمرة التانية. وأدي البت عيانة!
سألها مستدركا مقصدها يعني هو ده سبب عيا البت يا مزيونة طب ما إن كانت عايزاه ما توافقي وخلاص يا بت أبوي هي أول واحدة اتخطبت ولا اتجوزت وهي بتتعلم مع إني كنت أتمناها لحازم ولدي بس دا طريجه طويل على ما يتخرج من الجامعة ويشتغل...
حدقت به صامتة بقهر وتعب... بماذا ترد وقد فقدت كل أسلحتها في المقاومة يحدثها عن حازم وهو من كانت تضعه نصب عينيها الزوج المناسب لابنتها صغير مثلها يكبران معا ويبدآن طريقهما سويا... لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه فابنتها العزيزة لا تراه إلا أخا.
مزيونة! جاء الصوت لينتشلها من شرودها وكان نداء باسمها من صديقتها الأقرب الآن منى التي لم تتركها منذ مرض ابنتها ولم تقصر يوما في السؤال والاهتمام. كانت قادمة نحوها بجانب والدتها وخلفهما رجل وقور عرفت قريبا أنه زوجها.
بعد قليل وداخل غرفة ليلى كانت منى تعرفها لأول مرة على زوجها مدرسها للعربي في الصف الخامس الابتدائي.
قالت منى ممازحة جولي يا ليلى لو ضربك! حاكم أنا عارفاه دا يده تقيلة واسأليني أنا عليه!
تبسمت ليلى مستجيبة لمزاحها ليأتي النفي من منصور زوجها بابتسامة هادئة ليلى كانت شاطرة أصلا في الدراسة. العصاية دي كانت تخوف البليد والمتكاسل أو اللي بيرغي كتير في الفصل يا ست منى... أظن أنتي عارفة أنا أقصد مين بالأخيرة
شهقت منى مرددة باستنكار شوف الراجل فاكرهالي من إمتى أهو دا عيب اللي تاخد واحد كان بيدرسلها!
ضحكت ليلى هذه المرة ليأتي تعقيبها بفضول نحو هذا الثنائي الجميل يعني حضرتك فعلا كنت مدرسها
تكفلت منى بالإجابة بحماس أيوة يا جلبي كان هو متخرج جديد ومتعين في المدرسة اللي اتبنت جديد عندينا. ساعتها كان فيه مدرستين ابتدائي في البلد واحدة في النجع البحري دي اللي عندكم واتعلمت فيها أمك وواحدة في النجع الجبلي دي اللي اتعلمت فيها أنا وعيالي. صاحبنا بقي كان واد عمي ومن عيلتي بس والله ما عرفته ولا عرفني غير لما درسلي!
أضاف هو بابتهاج أشرق بملامحه كانت رغاية ومبتسمعش الكلام! أجولها يمين تجيلي شمال! كل العيال تسمع الكلام إلا هي! كانت غايظاني بصراحة منكرش!
آه عشان كده فضلت حاططني في مخك لحد ما خدت الدبلوم من حظي الحلو! قالتها منى فانطلقت ضحكات الجميع حتى زوجها الذي أومأ مقرا دون تردد واستمر السجال الجميل بينهما أمام ليلى التي لم تتوقف عن الضحك بسببهما.
أما والدتها فكانت تتابعها بتأمل من الجانب الآخر حتى قطعت عليها حسنية الجالسة بجوارها بقولها
مش قصدي أزعلك ولا أضغط عليكي بس لازم تعرفي إن معاذ ولدي في كل اتصال بينا بيسأل عليكي وعلى ليلى. وإحنا بنقوله كويسين! محدش فينا لحد دلوك جاب له سيرة بناء على أمر حمزة ولدي. هيفضل الود ما بينا حتى لو مفيش نصيب يا بتي.
طالعتها مزيونة بامتنان رغم تشتتها في تحديد القرار الآن بعد أن كانت محددة وجهتها منذ البداية...
صدقت حسنية ولم تكذب بقولها لكنها لم تكن تعلم أن ابنها على حدود المحافظة الآن عائدا بالقطار من القاهرة. قلبه الذي كان يخبره بشيء غير مريح جعله في تساؤل دائم مع كل من يتحدث معه حتى أتى إلحاحه بالفائدة مع أحدهم ليقر له بالحقيقة وما حدث أثناء غيابه. فحزم حقائبه
مستقلا أول قطار وجده أمامه حتى لو كان درجة ثالثة غير مريحة على الإطلاق...
إنت يا خليفة اللي تجوله أنت ياخليفة! صرخ بها حمزة في وجه شقيقه الذي أصر على موقفه مرددا
أيوه أنا يا حمزة ليه نخبي عليه من الأساس وإيه الفايدة أصلا
ضرب الأخير كفا بكف صارخا به
عشان مينفعش! وعشان ما تتعجدش أكتر ما هي متعجدة. أخوك مجنون والبت أمها شايفانا إحنا السبب في عياها. مش عايزين نزود خليها تخف وتعيش وهو يثبت نفسه في شغله وعلى ما ربنا يعدلهالهم هما الاتنين.
ولو ما حصلش
يعني إيه
يعني إنت عارف وأنا عارف يا حمزة سبب عيا البت. وأخوك نفسه مش مستريح. طول الأسبوعين اللي فاتوا وهو ولا علي حامي ولا على بارد مش عارف يكيف نفسه. لموهم على بعض وخلصوا.
وهو بخاطري! صرخ حمزة في وجهه ليردف بحنق مضاعف
ما هو كان على يدك! وشفت أنا حاولت أساعده لأني عارف كد إيه هو مندفع لكن مشاعره صادقة. بس أمها مش عايزة نغصبها يعني
رقق خليفة من لهجته كي يهدئ من وتيرة الانفعال بينهما
طب اهدي يا حمزة وبلاش العصبية دي عشان أخوك كان هيعرف هيعرف إن مكنش مني ولا منك يبجى من صحابه على الأقل. وإن كان على أمها أكيد يعني جلبها مش هيطاوعها على الرفض أكتر من كده. دي مهما كان برضو أمها.
تنهد حمزة بتعب يشد بأنامله على شعر رأسه من الخلف بعنف. لا شيء مما يحدث أمامه يبشر بانفراجة. يتمنى لو يستيقظ من النوم ويرى كل الأمور حوله تسير بيسر ودون تعقيد يرتبط معاذ بخطبة ليلى حتى تكمل تعليمها ثم يتزوجها ويجد هو فرصته في التقرب من تلك العنيدة... والدتها.
طب ما جولتليش كان رد فعله إيه على الخبر
هو مين
أخوك يا خليفة كان رده إيه بعد ما جولتله عن مرض ليلى
ما هو جفل السكة في وشي بعد ما صرخ وبهدل الدنيا.
وبعدين
ولا جبلين يا سيدي خد شنطته وركب الجطر ودلوك زمانه على وصول إن مكنش دخل المحافظة أصلا.
كاد حمزة أن يصاب بجلطة متعددة الأهداف لا يصدق السهولة التي تحدث بها شقيقه يطالعه فاقد النطق للحظات قبل أن يتمالك نفسه أخيرا ليصرخ به
الله يخرب مطنك! وإنت عارف كده وجاي دلوك تقولي جاي دلوك تقولي يا خليفة
دلوك ولا بعدين ما هو كده كده جاي. لما ياجي إبجى إنت كلمه وعقله. ردد بها خليفة بدهشة قبل أن يواجه بعاصفة حمزة الذي صار يلملم متعلقاته كي يذهب
مش لما ألحقه الأول! ألحقه قبل ما يعمل المصيبة! جاعد إنت وحاطط يدك في المية الباردة! مصدق إنه هينزل على هنا الأول يا خليفة
أمال هينزل على فين هو ليه بيوت غير بيتنا اكتفى حمزة بتوجيه نظرة نارية نحوه ولم يكلف نفسه بالإجابة عن التساؤل العفوي الذي صدر منه ليتخذ طريقه نحو الخروج مباشرة كي يلحق بالآخر قبل أن يفعل مصيبة جديدة ويزيد من تعقيد الأمور... المعقدة من الأساس.
عودة إلى المشفى التي دلف إليها العائد من سفره وقد تكفل برمي حقيبته داخل إحدى سيارات الأجرة ومنح سائقها بعض النقود كي يوصلها إلى منزل عائلته في البلدة ليتجه بخطواته السريعة نحو موظفة الاستقبال ليسألها عن الحالة التي يقصدها ثم يصعد مباشرة إلى طابقها.
يعلم أنه قد ألغى التفكير أو الحرص من قاموسه الآن تحركه فقط الرغبة في الاطمئنان عليها حتى لو تلقى السباب من مزيونة أو كلفت الأمن بطرده لن يتوانى عن تحقيق هدفه برؤيتها. يكفي أسبوعين من العلقم قد تجرعهم في البعد عنها. هل كان يتصور أن يأتي الوقت ويعشق بهذا العنف أو أن يقضي في بعدها أسوأ أيامه لم يتخيل أبدا أن يحدث ذلك.
حبيبة قلبه مريضة منذ سفره وهو في غفلة الانشغال بعمله في العاصمة فعلى من يلقي الذنب على نفسه أم على من أخفوا عنه ظروف مرضها فليترك التفكير في ذلك لوقت لاحق.
وصل إلى الغرفة التي كان بابها مفتوحا وبدا أنها فارغة من الجميع حتى والدتها. حمد الله لغيابها في هذه اللحظة لينقل بصره نحو تلك المستلقية على السرير الطبي وقد كانت غافية كما يرى.
يتأمل ملامحها الشاحبة ورد الوجنتين الذي اختفى وحل محله صفار ملحوظ وزنها الظاهر للأعمى أنها فقدت منه الكثير. ماذا حل بصغيرته لتصبح على تلك الحالة
لم تعد لقدميه قدرة على حمله فسقط بثقله على الأرض بجوارها وتمسك بيديه الاثنتين بسريرها ودفن رأسه في الفراش يطلق العنان لدموعه ببكاء مكتوم صار يهتز له جسده. الذنب عليه أم على من تسبب بفراقهما!
اهتزاز بكائه الشديد أتى بأثره عليها فاستيقظت من غفوتها الصغيرة تفتح أجفانها للنور فتصدم بشبحه أمامها شعر رأسه شديد السواد هو المواجه لها فقط. تخيلت
معاذ جاء صوتها كإشارة تنبيه تلقفها بلهفة ليرفع رأسه على الفور إليها ويقابل وجهها الجميل أمامه وقد أشرق قليلا يستعيد بعضا من رونقه وهي تردد بعدم استيعاب
معجول إنت رجعت فعلا من سفرك ولا أنا بحلم فسارع بالتأكيد إليها
لاه يا حبة القلب والله ما بتحلمي أنا جدامك اها بشحمي ولحمي جيتلك أول ما عرفت إنك مريضة لو أعرف من الأول ما كنتش صبرت يوم. سامحيني يا ليلى سامحيني يا حبيبتي.
صار يردف آخر كلماته بندم جلي ودموعه تواصل هطولها بحرقة أجبرتها على التساؤل
أسامحك على إيه يا معاذ هو إنت عمرك أذيتني ده أنا ما شفتش الفرحة غير على يدك.
ضرب بكفيه صفحة وجهه بندم معقبا لها بصوت مبحوح
ما هو ده اللي عايزك تسامحيني عليه! ربنا يعلم إن كل فعل مني كان بعفوية ومن جوا جلبي شكلي أذيتك فعلا لما خليتك تبادليني نفس الشعور ياريتني فضلت كاتم على إحساسي. كل اللي حصلك ده بسببي أنا شكلي بقيت لعنة عليكي. ياريتني ما قربت منك أساسا.
صمتت قليلا حتى عبرت عما يختلج داخلها متخلية عن حذرها الدائم
وحتى إن فضلت كاتم على إحساسك برضه كان هيوصلني. من أول مرة شوفتك فيها حسيت إني أعرفك من زمان وحتى وأنا بتعارك معاك على الأسورة لو تفتكر كان عقلي بيتوه وتركيزي معاه وأنا بسأل نفسي أنا شوفتك فين قبل كده وفضل السؤال يلح عليا كل مرة أجابلك لدرجة خليتني أقرأ وأبحث عن الحاجة دي وعرفت إنها تألف أرواح. روحي اتعلقت بيك من قبل ما تنطجها يا معاذ. وفرحتي بقربك هي الحاجة الوحيدة اللي خلتني أحس إني حية. فرحة خالصة ليا مش بشهادة ولا حاجة حلوة أعملها لأمي وأفرح بفرحتها ليا. الفرحة اللي حسيتها انطفت وطفت عمري معاها في اليوم اللي ودعتني فيه وسافرت. سبتني ليه يا معاذ هانت عليك ليلى
سقطت في الأخيرة دمعتها لتأخذ دورها في البكاء مثله فيسارع هو بطمأنتها ورجاءه في الصفح عنه غافلين عمن وقفت على مدخل الباب منذ لحظات واستمتعت لمعظم الحديث تحمل في يدها زجاجة المياه المعدنية وعددا من قطع
الشوكولاتة التي ابتاعتها من المتجر القريب من المشفى من أجل أن تفرحها وتنسيها بطعمهم طعام المشفى وأجوائه لتأتي الآن وتفاجأ بحضور المتسبب الأساسي في مرض ابنتها والتي فاجأتها بحديثها اليوم وجعلتها تشعر بحماقة الحرب التي تخوضها وعدم جديتها فتراجعت بأسف مرتدة إلى الخلف متهدلة الأكتاف بإحباط ويأس.
تركت الطابق وتركت المبنى بأكمله لتخرج إلى حديقة المشفى. سارت حتى وصلت إلى أسفل المظلة التي خصصت لحماية الزائرين من أشعة الشمس أثناء انتظارهم.
كان عدد الحضور قليلا في هذا الوقت من العصر وقد قاربت الشمس على الغروب. وصلت إلى إحدى الأرائك لتسقط بثقلها عليها وتسقط معها زجاجة الماء وقطع الشوكولاتة على الأرض.
هل كانت مخطئة حين عاشت حلمها في ابنتها أن تحقق ما لم تحققه هي أن تحيا الحياة التي لم تحيها هي يوما لقد قاومت كل شيء من أجلها ظلم عرفان كيد صفا وتهميشها كأنها غير موجودة. ضحت وما زالت مستعدة للمزيد... أما هي يبدو أنها وجدت من يستحق عنها...
وعند مدخل المشفى دلف بسيارته ليصطفها في المكان المخصص ثم هرول بخطوات سريعة يريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن تأكد من وجود شقيقه داخل المشفى الآن كما أخبره السائق الذي ذهب إليهم بالحقيبة.
يتمتم بالأدعية ألا يكون قد تسبب لهم بفضيحة فمزيونة العنيدة لن تسكت ولن يهمها شيء كما أصبح يعرف عن شخصيتها و.....
توقف عند هذا الخاطر حين وقعت أبصاره عليها جالسة في جانب وحدها على إحدى أرائك الانتظار بعيدة عن البشر وكأنها في عالمها الخاص.
وبدون تردد غير وجهته متجها نحوها حتى إذا وصل إليها وهي ما زالت لم تشعر به بعد ألقى التحية حتى تنتبه
مساء الخير جاعدة عندك ليه يا أم ليلى
توقف قليلا حتى أتته استجابتها بنظرة خاوية رفعتها إليه يتخللها
ضعف غريب يراه لأول مرة فيها وصمت محير جعله يتساءل بجزع
مالك... ليلى جرالها حاجة ولا...
معاذ معاها فوق.
قاطعته بهذه الكلمات فعلق الحديث في حلقه وتشتت قليلا أمام ثباتها والسهولة التي أخبرته بها بذلك ثم ابتلع ريقه بتوجس واتخذ مجلسه على الأريكة بجوارها لكن بمسافة جيدة وقال بتوجس
غريبة يعني ولما جاعد فوق انتي سايباه إزاي لوحده... مع ليلى
عشان هو دخل لوحده مستغل غيابي ومن غير ما يستأذني.
قالتها وهي تلتفت إليه وتواجهه بقوة أربكته فانقبض قلبه من القادم فقال بريبة
آه طبعا عندك حق. على العموم أنا جاي مخصوص دلوك عشان أسحبه من قفاه وأمنعه ميجيش هنا تاني.
علقت بسخرية
ها وبعدين
بعدين إيه ما أنا بجولك هسحبه وأمنعه ما يعتبش هنا تاني.
تمتم بها متسائلا فجعلها تكرر بوضوح أكثر
بعدين تشمل كله مش بس زيارة المستشفى ولا حتى زيارة بيتنا.
انتظر قليلا يستوعب المقصود من كلماتها حتى استدرك أخيرا ليسأل بجدية
جصدك على إيه بالضبط خطوبة ليلى لمعاذ ما انتي فصلتي في الموضوع برفضك وإحنا منعنا ولدنا وسافرناه يشتغل بعيد عن البلد والمحافظة كلها ولو جصدك على جية النهاردة فأنا بتأسف وبوعدك إنها غلطة ومش هتتكرر.
وكأنه يتحدث مع نفسه... تلك الحالة التي تتلبسها من الشرود والنظرة الثابتة مع الصمت الطويل تجعله على وشك الجنون من فرط حيرته حتى كاد أن يصيح بها لولا أنها قطعته حاسمة
بلاش توعد بحاجة مهما حاولت مش هتعرف تنفذها. لا إنت هتقدر تمنع أخوك ولا أنا هجدر أشيله من مخها...
هذه النبرة من المكاشفة تنبئ أن هناك المزيد... حسنا فلتأخذ فرصتها للتوضيح أكثر
معلش يعني أنا أفهم إيه من كلامك ده
عادت مرة أخرى للصمت ولكن بتفكير متعمق جعل الكلمات تخرج منها بصعوبة. طرقت برأسها للحظات قليلة ثم تكلمت دون أن ترفع عينيها إليه
في فترة من الفترات أيام ما كنت متجوزة عرفان سكنت جمبنا واحدة... اسمها أم هاشم وده اسمها الحقيقي على فكرة. المهم الست كانت في الأربعين تقريبا جوزها نقل بيهم من البندر للبلد عشان شغله كان راجل محترم وعيالها يفرحوا القلب. لما كنت أشوفهم كنت أتحسر مكدبش عليك. أسرة مثالية زي ما بيقولوا. لكن مع الوقت والعشرة بقيت أكتشف الصورة على حقيقتها. الراجل تقريبا كان جايد صوابعه العشرة ليها وهي نفسها كانت عارفة كده. لكني عمري ما شفتها مبسوطة عمري ما شفت في عنيها اللمعة اللي تبين محبتها لجوزها أو فرحتها بأي حاجة يجيبها. ومع شوية وجت عرفت السبب. اتاري أم هاشم دي كان ليها ابن عم بتحبه لكن أبوها رفضه بدل المرة كذا مرة لحد ما فقد الأمل واتجوز غيرها وهي استسلمت واتجوزت أول حد اتجدم لها بعديه. حظها طلع كويس واتوفقت بجوازة ناجحة لكن عقلها طول الوقت رافض الحقيقة. عايشة جوازها في الواقع إنما في خيالها وقلبها مشالتش ابن عمها ولا اتخيلت غيره جوزها. والسبب ده كان دايما تعبها ومخليها دايما حاسة إنها ست مش كويسة رغم إن جريمتها ما تتعداش الخيال. ولذلك طول الوقت كانت جايبة الذنب على أبوها إنه ظلمها وحرمها من اللي بتحبه...
رفعت رأسها فجأة مردفة
مع إنها كانت ممكن تتجوزه ومع التجربة تكتشف إنه ميسواش ضفر الراجل اللي متجوزاه.
جصدك إيه
تساءل وقد زاد الشك بداخله ليأتي ردها ناهضة فجأة من جواره دون أن تريحه
أنا رايحة أشوف ليلى تعال انت كمان عشان تشوف أخوك.
ردد من خلفها
أشوف أخويا! هو انتي عايزة إيه بالضبط
دلفت إلى داخل المحتجزة بها ابنتها رافعة رأسها بقوة مستعيدة بأسها لتجد الوضع قد تغير مئة وثمانين درجة رغم بقاء معاذ جالسا على الأرض كما هو مستندا بذراعيه إلى التخت يتحدث مع ابنتها التي اعتدلت في جلستها بوجه استعاد بعض نضارته وكأن رؤيته أعادت إلى بشرتها الحياة. كانت تتبسم بخجل مع اندماجه في الحديث حتى إذا انتبهت لحضورها أطل الرعب جليا على ملامحها مما ارتد بأثره على الآخر فاعتدل عن جلسته ونهض عن الأرض ليقابلها باعتذار
آسف لو جيت من غير استئذان بس أنا بصراحة ملجتكيش.
ولو لجيتني كنت هتستنى برضو على ما أطلع عشان تبجي تجابلها من ورايا.
قالتها بحدة جعلته يطرق برأسه خزيا صامتا لتطالعه بعتب جعل الدماء تغلي في رأسها فتلتفت عنه حين دلف الآخر يلقي التحية ويصافح شقيقه بنبرة عادية خالية من التأنيب حتى انتظروا ثلاثتهم عودتها التي جاءت بتماسك مبهر قائلة
على فكرة أنا ممكن أوافق على الجواز بس عندي شروط.
أجفل الثلاثة بقولها حتى استوعب معاذ أولهم فرحب مهللا
الشروط اللي انتي عايزاها قولي وانا مستعد أنفذها ولو همشي على الجمر حتى!
بابتسامة خفيفة ظهرت على زاوية فمها تنقلت بعينيها
لا اطمن أنا مليش في الخيال والكلام الفاضي. شرطي الأول إن ليلى مفيش خلفة غير بعد ما تخلص تعليمها تماما وشهادتها الجامعية تبقى في إيدها.
كادت المفاجأة أن تعصف برأس معاذ وقد فهم ضمنيا من كلماتها أنها وافقت على زواج ابنتها قبل انتهاء تعليمها مما أشعل حماسه ليقر موافقا على شرطها الأول
موافق وأبصم بالثلث كمان أهم حاجة عندي هي ليلى الخلفة والعيال
إن شاء الله بعد الماجستير والدكتوراه.
تدخل هنا حمزة الذي يعبث داخله الشك مخاطبا شقيقه
بالراحة يا معاذ متتهورش بحماسك ده واستنى شوف الشرط التاني.
تبسمت مزيونة تأخذ منه الأخيرة
لا اطمنوا الشرط التاني مش صعب ولا حاجة دا يمكن يكون الأحسن كمان عنديكم.
توقفت برهة قبل أن تصعقهم بالآخر
الشرط التاني إنها هتكمل سنتها عنديكم يعني الجواز في أقرب وقت.
ينصر دينك!
صرخ بها معاذ بفرحة أوشكت على إصابته بالجنون لولا انتباهه لتلك النظرة من شقيقه ثم استفسار ليلى
أكمل سنتي كيف عنده ما انتي عارفة إني ثانوية عامة وعايزة مجموع!
بحدة ظاهرة ردت مزيونة
دا شرطي يا ليلى. مدام شاريكي ومتشجع كده يتحمل بقى معاكي حرقة الأعصاب والمذاكرة والدروس وكله! مش بيحبك برضو ولا هو معندوش استعداد يتحمل مسؤوليتك
جاءها الرد من معاذ
لا طبعا عندي استعداد ونص وتلت أربع كمان! بس دا مينكرش إني زيها مستغرب.
كان حمزة في هذا الوقت في وضع المتفرج يتابع بتركيز شديد يستوعب صدمة شروطها شاعرا وكأنه فخ تنصبه لشقيقه وبانت الرؤية حين قالت
أنا هبجى وضعت ثقتي فيك. كنت قد الثقة دي والبنت تمكنت تنجح وهي على ذمتك وتجيب المجموع العالي يبجى تمام وكتر خيرك جوي. أما بجى إنك خنت الثقة دي وتعمدت إنك تجعدها من المدرسة أو حتى خلتها تهمل في دروسها ومتجبش المتوقع يبقى أنا أمها ودا سبب كافي جدا يخليني أطلقها منك. ولا إيه يا ليلى
سمعت منها الأخيرة لتتردد لحظات قبل أن تنطق خلفها مؤيدة
أنا معاكي يا أمي في كل اللي تجولي عليه ومعاذ أكيد لو بيحبني يبجى أكيد هو كمان معايا.
أومأت مزيونة برضا نحو الأخير والذي أخذته حماسيته
أكيد أنا طبعا شاريها وجولتها قبل كده إني مستعد أذاكرلها!
أردفت تلقي عليهم شرطها الأخير موجهة أبصارها
نحو الصامت
شرطي الأخير ومن غير زعل ليلى تتعامل في بيتك زي ما بتتعامل في بيتي. يعني متشلش جشاية عشان تعرف تفضى للمذاكرة سواء للثانوي أو الكلية دا لو وصلنا يعني.
إن شاء الله هنوصل ولو حصلت أجيبلها خدامة هعلمها أكيد.
قالها معاذ باندفاع منهيا كل الحديث فكان رد مزيونة
لا معلش الشرط الأخير دا بالذات لازم تاخد رأي الحجة.
خرج حمزة بعدم احتمال رافضا التدخل ليصل إلى أسماعه باقي الحديث
الحجة معايا إن شاء الله.
برضو شوفها يا معاذ متزعلش مني دي رأيها هي الأهم.
... بعد لحظات ليست بالقليلة خرجت من الغرفة لتجده منتظرا قرب إحدى النوافذ الصغيرة المصممة بجدار المبنى والمطلة على حديقة المشفى.
بعد لحظات ليست بالقليلة خرجت من الغرفة لتجده منتظرا قرب إحدى النوافذ الصغيرة التي تطل على حديقة المشفى. كادت أن تتخطاه لكنه لحق بها وأوقفها
نيتك واضحة جوي يا مزيونة الأعمى يشوفها.
اقتربت منه تواجهه باعتزاز
والله لو حاسس إن نيتي مش مظبوطة يبقى تعجل أخوك من أولها وتخليه يصرف نظر.
قالتها لتجد تحول كاملا منه يسألها بحدة واضعا أبصاره نصب عينيها بقوة متخليا عن حذره المعتاد وقد بلغ غضبه ذروته منها بعد تلك القنبلة التي ألقتها في وجوههم فقلبت الوضع رأسا على عقب
أنا اللي عايز أفهم شروطك دي اختبار لمين بالضبط للعيال الصغيرين اللي مش مستوعبين لحد دلوك رغم الفرحة اللي مش سايعاهم ولا للكبير اللي اتصدر في الموضوع من أوله وأي خلل أو فشل هيلبسه هو جبليهم
هي أيضا لم تزح بعينيها عنه فكانت تطالعه بندية وتحد خالص تجلت معالمه في نبرتها حتى وهي تراوغه
وه وإنت إيه دخلك بس يا أبو ريان شوفتني بوجه شروطي عليك مثلا لاه يا بوي أنا كل كلامي كان مع جوز العصافير اللي حسهم علي من جوا الأوضة وبجى واصلك دلوك بعد ما طلعنا من عنديهم. سيبهم يفرحوا وبلاش التفكير اللي مش في محله ده.
تمتم مشيرا بسبابته نحو صدره بحنق شديد بعد أن حشرته في زاوية لا منفذ منها ولا مهرب
أنا برضو اللي تفكيري مش في محله ولا إنتي اللي حسبتيها سنة للتجربة إن نجحت الجوازة كان بها وإن ما نجحتش يبقى ليلى جربت وشافت اللي يخليها تبقى نسخة تانية من مزيونة بس نسخة معدلة.
قابلت قوله بهدوء تام
احسبها زي ما انت عايز تحسبها أنا مش هعمل ضد مصلحة بنتي. وإنتوا لو شايفينها شروط تعجيزية برضو القرار في إيدكم. عن إذنك بجى.
وتحركت تتركه متسمرا في مكانه ليردد بصوت يصل إليها
هتنجح يا مزيونة... وبكرة تشوفي بنفسك... لما تبجى إنت كمان معاها في بيت واحد.
قال الأخيرة بصوت خفيض وعهد يقطعه على نفسه.
... يتبع.
فصل طويل ومرهق جدا بلاش تعاقبوني على التعب والتأخير بتفاعل يحبطني
خليكم جدعان وكملوا الفصل لالفين عشان تجبروني استعجل بالجديد
الفصل السادس عشر
لا تمنع الحب من اختراق حصونك...
لا تشدد الأسوار ولا تغلق الأبواب
فبعض الغزاة لا يأتون ليدمروا
بل ليزرعوا فيك ربيعا جديدا
ولتزهر في قلبك حياة كنت تجهلها.
لا تقاوم...
فالحب إن أتى أتى ليسكن لا ليوجع.
المراجعة والخاطرة للجميلة بزيااادة اوي سنا_الفردوس
..................
نتائج هذا القرار الصعب لم تبدأ بعد ربما تم اتخاذه في لحظة غضب فارقة حين تجلت الرؤية بوضوح أمامها ثم ما تبع بعد ذلك من شفاء سريع لابنتها التي بدت وكأن روحها كانت معلقة بعودته ثم عادت بعودته إليها.
شيء يثير الدهشة والحسرة أيضا رغم ابتهاجها أحيانا بالسعادة التي تغمر صغيرتها وهي تعيش الحلم حلم فارس الأحلام الذي أتى بصورة تفوق خيالها وأفعاله المستمرة في تدليلها منذ ذلك الوقت بالإضافة إلى ترحيبه وترحيب أسرته بالشروط التي ألقتها عليهم. وهل يوجد في العالم امرأة تستطيع المعارضة بعد كل ذلك
حتى أملها الأخير برفض عرفان من داخل محبسه والذي كانت موقنة منه بسبب كرهه الشديد لحمزة القناوي شقيق معاذ والذي ذهب إليه في زيارة بصحبة المحامي وليلى التي تشجعت ولأول مرة لزيارته من أجل دعم محبوبها حتى لا يغضب عليها وللمساهمة أيضا في إقناعه.
فجاء رد عرفان بشرط ملزم قبل الرد على طلبهم. الماكر الخبيث لم ينه الأمر ويريحها أو يطرد معاذ على الأقل كما توقعت. ولكن كيف يفعلها لا يكون عرفان إن لم يحرق دمها ويجبرها على ما لا تطيق... وهو زيارته!
لتأتي الآن مرغمة وترى وجهه البغيض أمامها يحدق بها بسفور يثير مقتها ويحدثها بتسلية لا تخلو من وقاحة
ووه يا مزيونة أخيرا شوفتك أخيرا قلبك الحجر رق وجيتي ورضيتي على جوزك الغلبان
طليجي قاطعته بها بحدة لتردف بتشديد
بلاش ياخدك العشم جوي عشان أنا جاية أصلا غصب عني. بلغني قرارك ده عن جوازة البت موافق ولا رافض
رد مراوغا عن سؤالها بسؤال
مش لما تجولي إنتي رأيك إيه الأول
صاحت به بنفاذ صبر
وانت مالك برأيي مش هي بتك وانت أبوها زي الأصول ما بتجول إدينا ماشيين بيها وجالك الواد وطلبها منك خلصني بقى يا واد الناس عشان ننتهي من الموضوع ده... جصدي نرسي على بر.
انفعالها الواضح كان خير إجابة له وكم أراحه صحة توقعه وسرب إلى قلبه تشفيا فلانت ملامحه ليقول بهدوء
لا ما خلاص عرفت الإجابة واتأكدت منها يعني معدتش محتاج أسمعها منك. ما هو أنا كمان لازم أكون حسيس وأقدر الظرف اللي إنتي فيه.
ظرف إيه سألت بريبة ليميل برأسه نحوها ويجيب بأعين التمعت بالانتشاء
ظرف الخسارة يا مزيونة... خسارة عمرك اللي ضاع في حلم بتك وفي الآخر برضه هترضخي غصب عنك وتعملي اللي رفضتيه واطلجتي عشانه. ليه عشان البت هي اللي عايزة عايزة الواد وده اللي أنا شوفته بعيني. متتصوريش دمي كان محروق وجاتها إزاي ودلوك بررد وكأنه عصير ساجع نزل على قلبي ورطب عليه... يا خسارة تعبك يا مزيونة.
ما أقسى كلماته وهو يترجم أمامها كل ما يدور بعقلها من هواجس وظنون عديم الإحساس يتشفى بها وكأنها هي من آذته وليس هو. لكنها لن تدعه يرى ضعفها
تعبي ماراحش يا عرفان. البت هتتعلم في بيت جوزها وهيكفيها من كله عشان تجيب مجموع كبير وتخش الكلية اللي بتحلم بيها. دي شروطي أنا اللي فرضتها عليهم.
أشارت في الأخيرة بسبابتها نحو صدرها لتصدر له أنها صاحبة القرار فكان رده ضحكة مجلجلة قبل أن يعارضها
جصدك طاطيتي للريح البت ضغطت عليكي عشان رايدة عريس الهنا وإنتي مجدرتيش ترفضي. وحتى جيتك النهاردة جاية غصب عنك. مش لو كنتي عرفتي مصلحتك من
جاهدت أن تخفي ضعفها أمامه رغم اهتزازها من الداخل والحرقة التي اشتعلت بصدرها تأثرا بكلماته السامة لتردف مؤكدة بعناد
مفيش أم بتندم على اللي عملته مع عيالها حتى لو قطعت من لحمها. وأنا متأكدة من بنتي ومن رغبتها في التعليم. هتعمل المستحيل وتاخد الشهادة. المهم دلوك رأيك بجى عشان الزيارة ما تخلصش على الفاضي.
أممم زم شفتيه بابتسامة مستفزة يدعي التفكير قبل أن يفاجئها برده
أكيد متوقعة إني أرفض عشان تجيبي اللوم علي جدام البت. لكن
أنا مش هنولك غرضك رغم إني بكره عيلة القناوي كلها. بس إن جيتي للصراحة بجى أنا إيه اللي يخصني مدام مش أنا اللي هحط يدي في يدهم وأخوكي بارك الله فيه يسد معاهم ما هو داخل في زوارقهم.
تساءلت بوجل بقلب يخفق بقوة
جصدك إيه
تنهد يجيبها بجدية خالية من عبثه السابق
جصدي مبروك عليها. تشيله ولا يشيلها يتهنوا ببعض. وإنتي بجى تشوفي نفسك وتراجعيها. أنا لسه شاريكي ومستعد أصلح غلط السنين اللي فاتت واللي عايزاه هعملهولك. وأما عن القضية اللي شغالة فخليكي متأكدة إني هطلع منها. عشان مش أنا اللي عملت الفعل الخسيس ده وسلطت حد غريب على لحمي. ياريت تستنيني يا مزيونة خلاص... معدتش ليكي غيري وأنا بايع الدنيا عشانك.
وفي الخارج
كان الثلاثة في انتظارها ليلى التي منعت برغبة من أبيها والذي أصر على مقابلة طليقته وحدها فمرت عليها لحظات من القلق أشد من المرض الذي تعافت منه مؤخرا بفضل مغامرها الجميل وفارسها النبيل ذاك الذي كان واقفا بالقرب منها يهز قدميه بعصبية مفرطة وترقب يكاد يقتله قلقا.
يحجم نفسه بصعوبة عن فعل أحمق كاقتحام السجن وحضور تلك الجلسة بين النقيضين مزيونة العنيدة الطيبة الحرة وعرفان الذي اختبر خبثه منذ زيارته إليه رجل غير مريح يمتلك مكر الثعالب في المراوغة للوصول إلى هدفه... ولكنهم مجبرون على اللجوء إليه.
وفي الجهة الأخرى من السيارة كان حمزة الذي اتخذ من الجمود منهجا حتى لا تنفضح مشاعره المتقدة بنيران الغيرة نحو تلك العنيدة وهي في الداخل تقابل زوجها السابق وغريمه في الحياة من أجل الموافقة على زواج العروسين المزعومين.
مرت الدقائق كالدهر حتى أطلت أمامهم خارجة من البوابة الحديدية. كاد حمزة يقفز راكضا إليها ويفعل مثل ليلى وشقيقه ويسبقهما لكنه تذكر وضعه ومكانته ليجبر قدميه على الانتظار حتى أقتربت وصوت الإلحاح من الاثنين اللذين تلقفاها من وسط الطريق قبل أن تصل إليه
إحنا كنا قلقانين جوي عليكي يا أمه كل ده في الزيارة شكلك تعبانه يا خالة مزيونة هو الراجل ده ضايقك
براحة عليها إنتو الاتنين خليها تجعد وتاخد نفسها الأول. قالها حمزة بإشارة نحو السيارة التي فتح بابها في حركة ذكية لم تمكنها من الرفض لتأخذ مكانها في الخلف ثم تنضم ابنتها جوارها من الناحية الأخرى وحمزة وشقيقه في الأمام. ثم تحرك بهم وعيناه منصبة عليها من مرآة السيارة يتابع الحديث الذي يدور بينها وبين الاثنين الآخرين
مجولتيلناش برضو يا خالة مزيونة جالك حاجة ضايقتك الراجل ده ده أكيد ميبجاش أبويا إن ما أعملها أنا أتوقع منه أي حاجة!
هتفت بها ليلى بانفعال جعل والدتها تطالعها بصمت وعيون احتبس فيها الحديث... كيف تخبرها أن عرفان قد أذلها بها هو لا يعنيه ابنته من الأساس وبمن ستتزوج المهم أنها ستفعل ما كان
مقدما عليه هو من البداية... تتزوج وحلم مزيونة يتبخر في الهواء. تتزوج ويضيع جهدها هباء كأنها لم تفعل شيئا! ترى هل ستعطيه ابنتها هديته بالانتصار عليها
أمه قلقتيني عليكي... جالك إيه أبويا خلاكي كده
جالي إنه موافق على جوازك. ردها جاء مباشرة ودون تمهيد حتى اجفلت الثلاثة به ليتوقف الحديث على ألسنتهم لحظات قبل أن يأتي استفسار معاذ الذي استوعب أولهم
وافق كده على طول وما اعترضتش
لاه ما اعترضتش. ردت بها خلفه كإجابة ليتدخل حمزة أخيرا بقوله
ما طلبش حاجة قبال موافقته دي تطلعت إلى انعكاس عينيه في المرآة أمامها قاصدة كلماتها بمكر الأنثى
طلب إني أستناه الكام شهر دول عشان هيطلع براءة لأنه متأكد منها وحلفلي إنه عمره ما يسلط حد غريب على حريمه.
رد سريعا بحدة مكشوفة وشرار النظرات القاتلة تنبعث مع انعكاس عينيه في المرآة
وانتي صدجتيه تركته بنيرانه ولم تجب بل تعمدت الالتفات نحو ابنتها التي وصلها الأمر كابتزاز منه لوالدتها لتخاطبها برجاء قطع نياط قلبها
لاه يا أمه... لو هيحط شرط جوازي برجوعك ليه ف أنا مش عايزة الجواز! أوعي يا أمه أوعي ترجعيله أوعي... أنا مش عايزة جواز مش عايزاه خلاص...
وانفجرت في نوبة من بكاء مرير أجبر والدتها على ضمها إليها كي تطمئنها وتطمئن ذلك المجنون الآخر في الأمام الذي تجلت عليه الصدمة حتى فقد النطق
محطهوش شرط يا بت خلاص اهدي
يعني وافق ولا ما وافجش صرخ بها معاذ بعد أن وجد صوته أخيرا فالتفتت مزيونة بنظرة جانبية إلى ذلك المتربص قبل أن تعيد القول بنبرة موبخة إلى حد ما
وافق يا معاذ ما تبجاش خفيف إنت كمان زي البت دي أنا قلت على طلبه ما قلتش إنه شرطه عليا.
سمعها فصدرت ضحكته ببلاهة مرددا
طب ما تجولي كده من الأول! جولي كده وفرحينا الله يفرح قلبك يا شيخة! وإنتي يا ليلى بطلي نواح خلينا نفرحوا يا بت عايزين نفرحوا!
جاء تهليله وصياحه بنتائج فورية على الأخيرة لتخرج من حضن والدتها وتبادله الابتسام بدموع لم تتوقف بعد فعاد يردف متغزلا
النبي العيون الحلوة دي تبكي طب والله حرام عليكي والله يا شيخة حرام عليكي.
تحولت ابتسامتها إلى ضحكات يميزها الخجل فتدخلت مزيونة تنهيه بحزم مصطنع
خلاص يا شيخنا بص جدامك وبلاها معاكسة ها بص جدامك!
ضحك ثم التفت للأمام مزعنا لرغبتها بينما عادت ابنتها تضمها لكن بحب وامتنان أظهر فرحتها لتربت مزيونة على ساعدها دعما وارتفعت عيناها نحو ذلك المتربص وعيناه لم تفارقها بعد ودار حديث سريع بالنظرات قبل أن تهرب منه كعادتها وتذهب بأبصارها خارج السيارة.
وفي منزل حماد القناوي اختلت بشقيقتها التي جاءت في زيارة للمنزل بصحبة عدد من سيدات العائلة من أجل التهنئة والمباركة مما أثار غضبها فسحبتها من يدها بخفة من بينهن تأتي بها إلى الطابق الثاني بعيدا عن الجميع حتى دخلت بها إلي شقتها ثم أغلقت الباب عليهما قبل أن توبخها
إنت اتجنيتي يا إسراء جاية برجليكي تباركي وتهني بعد عملتهم السودة معاكي وندالتهم! إيه اللي خلاكي تاجي إنتي بالذات مكنش لازم تاجي!
طالعتها شقيقتها قليلا بتفحص قبل أن تدلي باستفسارها
وماجيش ليه إن شاء الله عشان ما هو خطب واحدة غيري يعني
شهقت هالة باستنكار قبل أن تجيب على سؤالها
ودي محتاجة مفهومية يا عديمة الإحساس الواد ده هو وناسه لازم يعرفوا إنك واخدة موقف! كنتي ناجصة إيد ولا رجل إنتي عشان يخطب ويتجوز واحدة غيرك!
خطت إسراء لتجلس على أقرب كرسي تقابل ثورتها بهدوء منقطع النظير قائلة
ولما آخد موقف بجى هيتراجع هو إن شاء الله بجولك يا خيتي واد عمي معاذ زينة الشباب وأي واحدة في البلد كلها تتمناه وأولهم أنا. بس مادام بص لغيري يبجى ما يلزمنيش.
ما يلزمكيش! هتفت بها هالة لتأخذ محلها على الكرسي المقابل قائلة بغيظ
إنتي حمارة يا بت ما تصحي كده وفوقي من توهانك ده! كونه اختار غيرك دي في حد ذاتها إهانة! كل الحريم هتستجلك حتى لو اللي اختارها أقل منك في الجمال برضو هيشوفوها أحسن منك.
ما يشوفوها أحسن مني عادي. ردت بها إسراء بعدم اكتراث ثم أردفت تكشفها أمام نفسها
أجيبلك من الآخر لا أنا هالة ولا معاذ يبقى حمزة. يعني يا بت أبوي شيليها من مخك الحكاية دي. عن إذنك أشوف الناس اللي جيت معاهم.
ونهضت تصعقها بمغادرتها وتتركها على حالتها من الصدمة لا تصدق جلافتها بالتلفظ أمامها بشيء جارح كهذا وهي
التي تعمل على مصلحتها ولا تريد لها تكرار تجربتها والزواج برجل لا تحبه بل ولم تكن تضعه في حسبانها من الأساس.
وجفتوا العربية هنا ليه توجهت مزيونة بسؤالها لياتيها الرد وهي تجد الاثنان يترجلان من السيارة وحمزة يقول
هندخل الكافيه نشرب لنا حاجة ولا هنروح عطشانين كمان.
وقبل أن تدلي برأيها وتعترض وجدت الباب يفتح من ناحية ابنتها من طرف معاذ الذي تبسم يدللها بطريقة مسرحية
ممكن أميرتي تتفضل وتخرج.
بالطبع رحبت الأخيرة بفعله حتى شرعت في النزول سريعا على الفور ولكن منعتها أيدي والدتها التي تمسكت بها رافضة
مفيش نزول ولو عايزين تشربوا اشتروا عصير ولا جزايز حاجة ساقعة كفاية تأخير البت وراها دروس.
دبت ليلى أرض السيارة بقدميها قائلة بتذمر
ما هو كدة كدة اليوم راح هبجي ألم كل اللي راح مني على العشية من
لا وانتي العشية بتبقي فاضية جوي. تمتمت بسخرية قاصدة معاذ الذي سارع بالدفاع عن نفسه
لا اطمني مش هتصل بيها خالص ولا أزعجها عن مذاكرتها المهم انتي متعطليناش أكتر من كدة الوجت بيروح واحنا مش كل يوم بنتفطفط على المحافظة.
جاء صوت آخر
متابعة القراءة