رواية لأجلها بقلم أمل نصر (كاملة)
المحتويات
واحد من معارفه والحكومة جات وعملت الواجب ولسه هيدوروا على ابن الحرام اللي أمه داعية عليه. عرفتي بجى إن الحديت صح يا هالة احكي لحبايبك بجى اللي بيزودوا في الكلام ووصييهم يزودوا في الكلام عشان يجطعها عليهم ربنا مية ونور إن شاء الله...
لم يغادر كما أمره شقيقه بل انتظر متخذا حجته بسقي الحصان وربطه بجوار المجرى المائي كي يتناول طعامه من حشائش الأرض. ثم تخفى هو منتظرا حتى خرجت من الباب الخلفي لمنزلها في موعد ذهابها إلى درس مجموعة الإنجليزي. فاستغل الفرصة ليفاجئها بحضوره بقفزة مباغتة من فوق الشجرة لتجده أمامها دون سابق إنذار مما جعلها تشهق مرتدة بقدميها للخلف
يخربيتك! انت بتطلعلي منين يا جدع انت
تبسم بمكر يدعي الأسف وهو يطالع جزعها
أنا بعتذر لو خضيتك أصل بصراحة مكنش ينفع أمشي من غير ما أشوفك وأطمن عليكي.
قطبت سائلة باضطراب تدعي الحدة
كيف يعني ما تخلي بالك يا جدع انت من كلامك! في إيه
سارع يوضح حتى لا تأخذ كلماته على محمل خاطئ
ليلى أنا مجصدتش حاجة عفشة. أنا فعلا كان نفسي أتكلم معاكي وش لوش كده عشان أطمن وأعرف منك عن اللي حصل امبارح. رغم كل اللي سمعته من أخويا لكن برضو عايز أسمع منك.
لا تنكر أنها تأثرت بنبرته ولكن لا يصح لها أن تلين معه
وتسمع ليه هي حكيزة وغنيوة أغنيهالك موقف وعدى زي كل المواقف اللي عدت بينا وأمي ربنا يخليهالي في كل مرة لازم تطلعني منيها وأني رافعة راسي ومفتخرة بيها.
ربنا يخليها لك أنا مطمن عليكي طول ما انتي معاها.
مطمن عليا! غمغمت بها قاطبة تزداد حيرة يوما عن يوم وتتابع بتساؤلها
في إيه إنت ليه مصطلحاتك غريبة أسمع منك! أطمن عليكي! صفتك إيه عندي انت عشان تكلمني كده
ابتسامة اعتلت محياه يردد بخبث
قريب هيبقالي إن شاء الله... متستعجليش.
ارتفع طرف شفتها باستهجان واستخفاف وقد خمنت الآن إلى ما يرنو إليه
يا خفيف! دا انت واثق جوي من نفسك والله. طب عن إذنك بجى أسيبك لأوهامك وأروح لدروسي. جال استعجل جال!
همت أن تتخطاه وتغادر ولكنه منعها يتصدر أمامها متجاهلا سخريتها يقدم لها حفنة كبيرة من ثمار التين بكفه
ماشي يا ستي ما علينا. ممكن تاخدي دول نصيبك من شجرتكم اللي بطلعها وآخد منها أحلى تين.
شرعت في الرفض ولكن انتباهها لشيء ما جعلها تتراجع فاتحة كفيها الاثنين بابتسامة ممتنة تتناولهم منه. وعلى قدر ما أسعدته إلا أنها أثارت بداخله ارتيابا لفعلها حتى انكشف السر حينما هتفت بأحدهم من خلفه
حازم!
سمع هو ليلتفت برأسه للخلف نحو الجهة التي تنظر إليها وهذا الفتى القريب المقارب إلى حد
ما من عمرها الصغير يغير وجهته بعد مغادرته المنزل من الباب الرئيسي ليقترب منهما بعد استماعه لندائها ليأتي إليها ملبيا
ليلى هانم بنفسها بتنده عليا! مين ده
كاد يجيب عن سؤاله بجلافة ولكنها سبقته بمكرها
ده البشمهندس معاذ! أكيد شوفته جبل كده. خد دوق التين ده أصله أحسن واحد يطلع الشجرة وينقي منها أحلى تين. خد يا حازم خد.
تناول منها حازم فاردا كفيه يتلقاهن بترحاب فيقرب إحداهن من فمه يتذوقها بتلذذ قائلا له
حلوة جوي دي! طازة ومستوية على آخرها.
تبسمت بملء فمها تخاطبه
يللا بجى عشان تشكر البشمهندس معاذ وأسيبكم أنا وامشي على درسي. عن إذنكم.
وهكذا تحركت ذاهبة من أمامه تاركه إياه مذهولا أمام هذا الفتى الذي تناول أخرى يردد بمرح
تسلم يدك يا بشمهندس! بصراحة مش عارف أشكرك إزاي أسيبك أنا كمان وأتسلى في التين ده براحتي في الطريق وأنا مروح بيتنا.
تجمد معاذ يطالع ذهاب الفتى ثم ينقل بصره نحو تلك الماكرة التي تخطت نصف الطريق ليغمغم بغيظ وتوعد من خلفها
ماشي يا ليلى! أنا إن ما كنت أربيكي على المقلب ده... مبقاش أنا معاذ!
وفي مكان آخر حيث وجد هذا الشقي ملاذه الآمن عند أحد أصدقائه القدامى لجأ إليه عله يجد حلا ويعالج إصابة قدمه المؤلمة والتي لم تتوقف عن النزيف حتى الآن رغم لفها بالعديد من الأربطة. كان المدعو جمعة يرفع قدمه الآن ليقوم بتطهيرها
يخرب مطنك يا عطوة دي الطلجة فاتت من القصبة وعدت منها!
تأوه المذكور بألم وهو يرد
ما أنا عارف يا زفت إنها عدت وربنا ستر. كنت هلاجي منين دلوك حد يطلعهالي اخلص يلا شوف هتعمل إيه يخفف عني الوجع.
رد جمعة وهو يباشر عمله بخبرة اكتسبها عبر سنوات خدمته في المشافي الحكومية كممرض
يا سيدي هخلصك بس إنت اهدى كده واتحمل... ولا أتسلى معايا واحكيلي إيه اللي عمل فيك كده وانت مبطل الشقاوة من زمان دي عملية كبيرة وتستاهل إنك تغامر فيها ولا إيه
أجابه عطوة وهو يجاهد ليتحمل الألم
هي فعلا كانت تستاهل مغامرة... بس مش فلوس يا وش الفقر أنا ربنا غناني من ساعة ما ورثت أبوي بعد ما مات. لكن الحظ بجي... هو اللي عملها وعاندني!
حظ إيه! سأله صديقه فأجابه وعيناه شردتا إلى ما يحب بطل يا واض! طول عمري شايفها وبتحسر على حظها اللي جاعدة في عصمته ولما الجو خلا وقلت هانت... لقيت اللي يتصدر جدامي زي اللجمة في الزور!
ضحك المدعو جمعة وأضاف ساخرا
أيوة بجى قجول كده... يعني الموضوع فيه تاء التأنيث! مصيبة كمان تكون هي اللي صابتك
نظر له عطوة بصمت أبلغ من الكلام ليضيف جمعة بسخرية
وه يا فقري! يعني صابت جلبك ورجلك كمان! طب اتحمل بجى... جزاة الشجاوة!
قالها وهو يضغط المطهرات على الجرح فتعالت تأوهات عطوة من الألم المضاعف. حتى إذا انتهى من المرحلة الصعبة خفف عنه قليلا ليلتقط أنفاسه قبل أن يعاود بسؤاله
طب أنا دلوك بعد ما أخلصك هينفع تروح البيت ولا...
قاطعه عطوة بحدة
لا طبعا هبيت عندك. أنا أصلا جاي البلد هنا أختفي عندك لحد ما تخف رجلي. ما ينفعش حد يشوفني وأنا بالتعويرة دي أكيد هتكشف ويتعرفوني. دا أنا ما صدجت أهرب بالمكنة قبل ما حد يشوفني... ولا هي نفسها تعرفني. وأهي فرصة أفكر زين في خطوتي الجاية.
أومأ جمعة وهو يمط شفتيه بضجر لم يخف على الآخر فسارع عطوة لإرضائه
اطمن يا حبيبي كله بتمنه... ما أنا عارفك زي الموس طالع واكل نازل واكل مفيش حاجة عندك من غير تمن! وخد يا أخوي أهو عربون.
تناول جمعة رزمة النقود الورقية فافتر فاهه بضحكة سمجة مرددا ضاحكا
ولزومه إيه بس الاستعجال يا حبيبي ما إنت جاعد معايا... بيتك ومطرحك!
عاد إلى المنزل محملا بغضبه من تلك المتمردة وذلك المقلب الذي فعلته به رغم قلقه عليها منذ الصباح وما فعله من المستحيل كي يراها. ولكن لا بأس سوف يأتي وقت حسابها وساعتها لن يتهاون أو يسمح لها أن تكلم أحدا غيره.
تقابلت عيناه بعيني والدته وقد كانت جالسة في محلها المعتاد وسط الدار بصحبة منى التي تعمد إلقاء التحية عليها متجاهلا والدته مما استفز الأخيرة فهتفت به لتوقفه
استنى عندك هنا يا ياض فاكر نفسك هتخاصمني يا زفت بجى ده الأدب مع أمك يا اللي متربي في الأزهر
التفت إليها بعد فترة من التوقف ليستجيب لها بفتور مقارعا
وإيه اللي جاب سيرة التربية دلوك هو أنا غلطت فيكي يا حجة حسنية دا أنا حتى بريحك من وشي. مش إنتي اللي جايلة بنفسك في آخر نقاش بيناتنا غور من جدامي مش عايز أشوف خلجتك.
عقبت منى على قوله بسخرية
ده على أساس إنك مخبيها دلوك يعني ما هي السحنة نفسها جدامنا أها.
منى... هتف اسمها بغيظ قبل أن يتلقى الأمر من حسنية التي أشارت إليه ليقترب ويجلس أمامها حتى لا يصل صوتهم إلى الطابق الثاني حيث وجود هالة
اجعد يا بوز الأخص وخلينا نتحدت مش عايزين صوتنا يطلع إحنا مش ناجصين فضايح.
انفعل خلف كلماتها موجها الحديث نحو منى
طب اشهدي وشوفي بنفسك حتى كلامنا خايفة المحروسة تسمعه! ليه يا أبوي هو إحنا بنعمل لها حاجة غلط دا جواز وكل واحد وليه نصيبه ما وجفتش على فلانة ولا علانة!
تكفلت منى بالرد عليه برجاحة عقلها
بلاش غشم يا معاذ وخليك فهيم اعتبرها مراعية لمشاعرها أو حطها في مبدأ داري على شمعتك تجيد يا أخي. إنت مخك ضلم كده ليه يا واض
زفر مشيحا ببصره عن الاثنتين رابطا ذراعيه حول صدره بعبوس كفعل الأطفال حتى جعل والدته تعلق شاكية شقيقته
شايفة بنفسك أهو وهو بيتجمص لي زي العيال! بالذمة دا فعل كبار
رمقها بنظرة غاضبة لا تخلو من العتاب يعلم جيدا حجم تأثيرها على والدته التي تدخلت في الموضوع مباشرة فقالت
طب اسمعي إنت مني يا كبيرة يا عاجلة مهما كانت البت حلوة ولا مأدبة ولا أمها حتى ست الستات برضو جاعد أهم عيب فيها اللي هو أبوها. دا اللي هتحط يدك في يده بالذمة دا ينفع نسيب
مليش دعوة بيه وحتى لو حصل واتجبرت أتحمل أحط يدي في يده عشانها... عشان
تعلم جيدا أنه يابس الرأس وعنيد كالجدار ولكن لا بأس أن تحاول استدراج عاطفته
وبت عمك إسراء يا ولدي دي تجريبا مكتوبة على اسمك مين هيرضى يتجدملها بعد ما...
أماااا... تمتم بها بلهجة حازمة حتى تتوقف
سيبك من الألاعيب دي يا حجة حسنية عشان أنا بت عمي ما اتكلمتش عليها أبدا. أمور الجواز زي جسمة ونصيب ومش أنا اللي هوجف حالها عشان هخطب غيرها عشان هي كمان هتلاجي اللي رايدها.
دعمته منى حتى تقطع الطريق على والدتها
أكيد طبعا محدش نصيبه بيجف على حد وإسراء جميلة وتستاهل تتجوز واحد يحبها مش
ياخدها عشان الخوف من كلام الناس وحديتهم.
حدجتها حسنية بضيق فقد كانت تأمل الدعم منها في إقناعه لا أن تقف بصفه وقد أرسلت إليها مسبقا في هذا الشأن مما جعل الأخرى تضحك ساخرة تردد بخبث
سامحيني يا حجة حسنية غلبتني مشاعري ونسيت اللي كنتي موصياني عليه أنا من الأول عارفة نفسي ما ينفعش أبجى واسطة في أي حاجة يا بوي.
وأكملت ضاحكة لتزيد من غيظ والدتها التي فقدت الأمل منها لتأتي بالأخيرة
طب سيبك مني ومنها أبوها نفسه اللي بيكره أخوك كره العمى تفتكر هيرضى يوافج عليك
بشيء من الثقة التي اعتادها من الآخر رد يجيبها
إنتي بس جولي آمين وسيبك من الأمر التاني أنا متأكد إن حمزة أخوي هيعرف يلاجي حل.
تدخلت هنا منى باستدراك
أيوة صح هو فينه حمزة أنا مش شايفاه خالص من الصبح
ردت حسنية
لا جه... رجع بعد مشوار مزيونة واللي حصل معاهم دخل أوضة مكتبه وطلع بعدها بدقايق ومن بعدها محدش شاف وشه تاني.
مساء داخل منزل مزيونة
وقد انفض جمع البشر الذين تواتروا أفواجا على المنزل ولم يتبق سوى هي وابنتها في البيت الذي اختارته لحريتها رغم أنف الجميع وإلحاح شقيقها الذي كادت خصومته تصبح بينها وبينه اليوم لإصراره الشديد على أخذها هي وابنتها معه إلى منزله لكنها ثبتت على موقفها مستعينة بمعزتها الكبيرة عنده ورغبته الدائمة في إرضائها ولو على حساب نفسه.
ابنتها في داخل الغرفة التي خصصتها لها كي تذاكر دروسها بينما هي في المطبخ تعد الطعام تحضيرا للعشاء حتى وصلتها أصوات ضجيج بشر ومرور أشياء كبيرة كانت تقترب ويعلو صوتها أكثر حتى شعرت بها داخل المنزل أو خلفه على الأرجح الأمر الذي جعل ليلى تخرج إليها من الغرفة هاتفه
الحقي يا أمه بناس كتيرة وعربيات نل كبيرة محملة بالرمل والأسمنت كلهم عمالين يفضوا ورا بيتنا! شوفتهم بعيني من شباك الأوضة اللي بذاكر فيها دلوك!
قطبت مزيونة تردد خلفها بتساؤل
لودرات وأسمنت دا مين اللي هيبني جنبينا
غلبها الفضول والارتياب لتخرج بعدها بلحظات قليلة تلف حجابها حول وجهها حتى تستكشف الأمر.
لم تخط سوى خطوتين خارج المنزل بحذر حتى وصل إلى مسامعها ذلك الصوت الذي أصبح مألوفا إليها هذه الأيام
بلاش تبعدي أكتر من كده الرجالة كتير وعيونهم كيف الرصاص.
التفتت إليه تخفي إجفالها بعد أن تفاجأت بقربه من مدخل المنزل وكأنه كان في انتظارها. فخطا يقترب أكثر حتى أصبح مقابلا لها قائلا
لو عندك أي استفسار اسأليني.
ابتعلت بخجل تحاول إخفاءه ثم تماسكت لتلقي بأسئلتها
أيوة طبعا عندي استفسارات وأسئلة كمان! إيه اللي بيحصل في الأرض دي وأصحاب الأرض اللي نعرفهم فينهم أنا مش شايفة ولا حد فيهم! و... وبس كده.
يعلم أن سؤالها الأخير يتعلق به وعن وجوده الآن لكنها كعادتها تبتعد عن أي شيء يخصه ليتغاضى الآن ويجيبها بتفصيل
أولا يا ست مزيونة مالك الأرض الجديدة بعد الناس اللي اشتروها منكم... يبجى أنا دلوك. والناس والهيصة اللي حواليكي فدول عشان البيت الجديد... أصل أنا نويت أبني بيت كبير هنه يبقى ليا خاص أنا وولدي. أصلي ما لقيتش أحسن من الأرض الزينة دي ولا الهدوء ده.
فجأة كده سألته بعدم استيعاب ولهجة يملؤها الشك ليعود إليها موضحا
لع بصراحة هو ما كنش فجأة. لأني بجالى فترة والموضوع في بالي وربنا وفقني واشتريت الأرض من صحابها. والنهاردة زي ما إنتي شايفة جايب المعدات والرجالة يجهزوا حاجتهم للبنا من بكرة.
لماذا تشعر أن الأمر له علاقة بما حدث معها ولكن لا هي لن تعطي فرصة للتأويلات في عقلها ولابد أن تتصرف بما يناسب الحدث
ألف مبروك طبعا بس أنا كنت عايزة أعرف... إنت خدت الحتة اللي جنبينا بس ولا اشتريت كمان باقي الزرع
دار بإصبعه السبابة بدائرة أمامها يجيب
كل الزمام اللي جدامك بقى بتاعنا... ملك عيلة القناوي. الأرض والبيت اللي هيتبني جنبك لأنه ممكن كمان يبقى أكتر من بيت وتتعمر حواليكي أكتر.
تتعمر حواليا! تمتمت بها تتساءل عن مقصده منها فاستدركت سريعا لحقيقة الوضع قائلة
أرجع تاني أباركلك... بس معلش يعني هو الخبط والرزع هيجعد طول الليل
ابتسامة رائقة أظهرت صف أسنانه الأمامية البيضاء لتشرق بوجهه قائلا
لع طبعا هما بس يخلصوا تجهيز لأول يوم بناء بكرة. بالكتير ساعتين
ويمشوا العمال وسواجين النقل. هيفضل بس الغفر اللي هيسهروا طول الليل حراسة على المعدات. كلهم رجالتي على فكرة ومزارعين في أرضي يعني لو عوزتي حاجة تطلبي منهم بكل أمان.
الونس لقد خلق الونس على الرغم من أنها لم تطلبه أو كانت تدعي الاستغناء عنه لكنها لا تنكر أنه تسرب إلى قلبها ارتياحا خلف كلماته. ومع ذلك لا يمكن لها أن تنجرف وتعطي الموضع أكثر من حقه.
متشكرين جوي عن إذنك بقى وربنا يديكم العافية. همت أن تتحرك إلا أنه أوقفها قائلا
على فكرة أنا كنت في المديرية من ساعة وهما لساهم بيبحثوا ويقارنوا نتيجة التحاليل لعينة الدم اللي خدها الظابط مع المجرمين اللي يعرفوهم ولسه لحد دلوك ما وصلوش لنتيجة. بس وعد عليا أجيب ابن الفرطوس ده لحد عندك وتحت رجلك كمان.
برقت عيناها في الأخيرة لتوميء برأسها ثم تستدير ذاهبة من أمامه بخطوات سريعة مهرولة لتبتعد عنه وعن محيطه ثم تدلف إلى داخل منزلها وواحة أمانها. ولكن وقبل أن تغلق بابها عليها وجدت أمامها ابن شقيقها وصفي حازم يخاطبها
عمتي أبوي بيجولك البسي عبايتك وتعالي على البيت... بيتنا يعني.
قطبت بعدم استيعاب تستفسر منه
وأبوك عايزني دلوك ليه
بعد قليل وصلت إلى منزل شقيقها لحضور الجلسة التي طلبها الشيخ خميس والحاج جاد والمحامي المخضرم بناء على طلب من ذلك البغيض الذي كان يجلس أمامها الآن ناظرا بجمود ليس بغريب عنه. تجاهلته ملقية بالتحية ونظرها نحو أصدقاء والدها وشقيقها الذي أمسك يدها بدعم يجلسها بجواره.
اجعدي يا بت أبوي اجعدي. خلينا نشوف آخرتها إيه.
جلست متوجهة نحو الرجل الأكبر بينهم
خير يا شيخ خميس باعتينلي كده في أنصاص الليالي الأمر ضروري
هم أن يجيبها لكن سبقه عرفان
إن شاء الله خير يا حرمنا المصون سابقا. بس أنا بلغني اللي حصل في الليلة اللي فاتت عندكم وقصة الحرامي وضرب النار.
زوتت ما بين حاجبيها بحدة تريد إيضاحا أكثر
وماله يعني ما هي كانت ليلة وعدت على خير الحمد لله. إيه المطلوب دلوك
رد يجيبها بصراحة ووضوح
المطلوب بتي يا مدام إني ما أأمنش عليها تجعد في منطجة غير آمنة على رأي القانون.
نعم! بت مين اللي إنت عايزها هو أنا اتطلجت ليه أساسا مش عشانها! تيجي دلوك تقولي أطلبها ليه هو لعب عيال!
صرخت بها موجهة أبصارها إلى باقي الحضور وقد خيم الصمت عليهم. فواصل عرفان قوله
ما كانش لعب عيال يا مدام بس أنا أب ومن حقي أبقى مطمئن على بتي. مش عايز أفرض طبعا بس لو الحرامي تمكن ودخل على اتنين ولايا كان هيبقى فعله إيه يبقى من حقي ألم لحمي. ولو إنت مستغنية عن عمرك أنا مش مستغني عن بتي والقانون في صفي على فكرة.
يتبع.
كلما همت أن تطوي الصفحة انتفضت السطور القديمة تصرخ فيها بأسماء الألم
وكلما شدت الرحيل مد ماضيها يده من العتمة يمسكها كما يمسك السرطان بقلب الحياة.
تحاول النسيان تقنع قلبها أن الحياة تمضي
لكن الماضي بارع في التمثيل يتزين بثوب الفرصة الثانية
ويخفي أنيابه خلف وعود ناعمة... ملساء كالسم.
هي لا تهرب بل تنجو.
تتخبط بين عقل يعرف الحقيقة وقلب يخذلها كلما نظرت في عيني ابنتها.
تريد أن تقف... أن تقول انتهى
لكن النهاية ليست لها بل لمن يملك الكارت الذهبي طفلتها.
أما هو...
فلم يكن يوما وطنا بل كان منفى.
وهي اليوم بين المنفى والمنفى
تبحث عن قطعة أرض لا يطالها الخراب.
المراجعة والخاطرة للجميلة بزيادة اوي سنا_الفردوس
الفصل الحادي عشر
ثلاثة أيام مرت عليه في بناء المنزل المجاور لمنزلها رجال يعملون دون توقف حتى
حتى ليلى الجميلة الصغيرة حين تمر عليه أثناء ذهابها للمدرسة أو دروسها بعد ذلك ملامحها منطفئة فاقدة للإشراق الذي عرفها به. كم ود أن يحادثهما مباشرة ليعرف السبب. حتى وصفي مختف هو الآخر في عمله خارج المحافظة. تقتله الحيرة وتطيح الظنون برأسه وإن تحدث عما يقلقه مع شقيقه الذي يعنيه الأمر هو الآخر لا يضمن رد فعله المتهور الذي قد يفسد كل شيء.
لذلك قرر اليوم استخدام عقله بشيء مختلف ربما يأتي بنتيجة حجة تمكنه من طرق باب المنزل بعذر حقيقي.
فتح باب المنزل الحاجز بينها وبينه ليملي عينيه بالملامح الفاتنة فور أن أطلت أمامه.
صباح الخير عاملة إيه يا ست مزيونة ألقى التحية قبل أن يردف أمام عينيها المتسائلة دا ريان ابني على فكرة.
أشرقت فور أن علمت بصفة الصغير ليفتر ثغرها بابتسامة غابت عنها لأيام ترحب به يا أهلا بريان باشا بسم الله ما شاء الله عليه دا راجل كبير أها! ليه بتقول عليه صغير
تبسم بملء فمه وهو يراقبها تضم صغيره إليها وتقبله دخل في قلبه شعور بالسعادة حاول السيطرة عليه حتى استعاد اتزانه بنبرة جعلها عادية في مخاطبتها آسف لو خبطت من غير استئذان بس أنا باستأذنك تخليه معاكم النص ساعة دي على ما أخلص مع الرجالة اللي شغالة بره وآخده وأروح بيه. المنطجة جديدة عليه ومفيش حد من سنه يلعب معاه..
همت أن تجيبه بالموافقة ولكن سبقها الصغير بقوله ما أنا بقولك أشتغل معاهم إنت اللي مش راضي فاكرني صغير.
اتسعت ابتسامتها ردا على ذاك المشاغب الصغير يا بوي ما أنا بقول كبير وراجل! بس مفيش مانع لما تآنسنا وتشرفنا يا أستاذ ريان في بيتنا المتواضع ولا إيه رأيك
طفا على وجه الصغير بعض الخجل ليثير دهشتها في موافقته بإيماءة من رأسه فهتفت منادية لابنتها بت يا ليلى تعالي هنا.
أتت الأخيرة على النداء تقابل ريان ووالده مهللة ببشاشة عم حمزة! ومين العسل اللي معاك ده والله إنت اللي عسل يا بنيتي. تمتم بها حمزة قبل أن يأتي الرد من والدتها ده ولده ريان يا ليلى جاي مشرفنا النهارده شوية إيه رأيك بجي
وه دا يآنس ويشرف طبعا وإن ما شلتوش الأرض
تشيله عنينا.
وهكذا كان ردها في سحب ريان من يده لدخول المنزل فتيبست قدماه هو عن الذهاب ليتحمحم يجلي حلقه قائلا كنت عايز أسألك لو الأصوات أو الرجالة حد ضايقك فيهم أنا مش هتهاون مع أي حد.
نفثت معبرة عن امتنانها لا والله ما في حد فيهم اتجرأ ولا بص حتى. دا عم مغاوري كبير الغفر جاعد فوق راسهم زي الددبان تسمع غير زعيجه فيهم. رغم إني لما اتعاملت معاه مباشر امبارح وأنا طالعة أجيب خضار كان في منتهى الزوق والاحترام وهو بيحلف عليا ويصر إني أرتاح وخد مني الفلوس وبعت حد من العيال اللي شغالين معاه راح هو واشترالي اللي عايزاه بصراحة راجل محترم الله
يبارك له.
اجتاح حمزة شيء من الفخر نتيجة كلماتها يغمره الارتياح لاختياره المميز لرئيس عماله في الأرض أن يكون هنا ويتحمل المسؤولية في حمايتها ورعايتها هي وابنتها بصورة غير مباشرة. ولكن فرحته كانت منقوصة بذلك الحزن الذي يراه ساكنا بعينيها إنت في حاجة مضايجاكي يا ست مزيونة
حركت رأسها بنفي سريع لاه ليه بتجول كده بجول كده عشان شايف بعيني دي مش طبيعتك أبدا وآسف يعني لو بدخل.
طرقت برأسها بصمت جعله يفهم أنها لا تريد الإجابة ليضطر للاستئذان وداخله يقسم على معرفة السبب الذي أدى بها إلى ذلك. لهذا لم يكن غريبا أن يهاتف شقيقها فور أن ابتعد عن المنزل أيوة يا وصفي إنت جاعد فين نعم يعني جاعد في بيتك دلوك... راجع من الشغل طب استناني جايلك حالا. أنا عايز أشوفك النهارده ضروري.
...............
في منزل عرفان حيث صفا التي تعمل في تنظيف منزله بغل يجعلها تفتعل الإزعاج عن قصد فكانت تدور كالنحلة حوله وهو جالس في هذا الوقت يدخن أرجيلته ببرود وتجاهل ينفث الدخان في الهواء غير عابئ بها ولا بالنيران التي تحرق أحشائها منذ ثلاثة أيام منذ معرفتها بالعرض الذي عرضه بشهادة الأربعة رجال حتى يلين رأس الملعونة غريمتها. قلبها يسقط أسفل قدميها كلما راودها هاجس موافقتها والعودة إلى عصمته. سوف تكون سيدة الدار هذه المرة سترد ما ظلت تفعله بها هي وابنتها على مدار سنوات. يا إلهي إنه أسوأ كوابيسها... أن تعود لتلك النقطة السوداء.
أن تفتعل جريمة خير لها من أن يحدث ذلك حتى لو اضطرت لقتلها...
دوى صوت تهشيم الزجاج الذي تحطم بين يديها ليسقط أسفلها على الأرض بصورة أجفلت عرفان وجعلته يتخلى عن بروده في أن ينهرها الله يخرب مطنك يا بعيدة! خيبتي يا مرة إنت تكسري جزاز النيش دا لو عيل من عيالك اللي عملها ما حد كان جاب صوتك دلوك.
دنت تميل نحو الكاسات المتناثرة على الأرض وتلملمها تبرر فعلها بهدوء مستفز باب النيش اتقلع في يدي وأنا بمسحه وطيح الكام كاسة دول من غير جصد حاجة مش مستاهلة أعصب عليها نفسي أصلا.
وووه... تمتم بها بذهول يضع كفا فوق الآخر مردفا اسم الله على العجل والكمال طب ربنا يديمها عليكي يا أختي بس أنا مش هدفع ولا مليم في تصليحه واللي كسر حاجة يتكفل هو بيها بلا جرف!
ختم كلماته ليعود إلى جلسته الأولى في تدخين الأرجيلة ينفث بها غضبه أما هي فقد فاض بها لتترك كل شيء من يدها وتندفع إليه بسؤالها
طب أنا عايزة أتأكد من الأخبار اللي وصلتني ولا ريح جلبي وكدبها أحسن... إنت صحيح ناوي تردها بالوعود اللي سمعتها ولا هو تأليف من الناس بيزودوا وينجصوا فيه من عندهم عشان
يفرسوني إنت لا يمكن تبقى مغفل
كده!
مغفل غمغم بها محدثا نفسه ثم رفع عينيه بعدها إليها بوهج الخطر مردفا لا صدجي يا صفا أنا راجل مغفل وجابل أكون مغفل ولو إنت مش عاجبك تبقي مرة المغفل يبقى لمي عيالك وهدومك وغوري وسيبيه الباب مفتوح على آخره.
اهتزت في وقفتها وكأنها ضربت بمطرقة حديد على رأسها لا تستوعب سهولة نطقه لها. أيعقل أن يستغني عنها بحق ألم هدومي وأمشي أنا وعيالي يا عرفان للدرجادي إنت بايع وأنا اللي من يوم ما اتجوزتك جايدة صوابعي العشرة شمع! جالك جلب يا عرفان...
يوه... لفظ بها مقاطعا نحيبها يلقي بالأرجيلة أرضا ليضاعف من صدمتها جايدة في صوابعك ولا في يدك حتى! أنا جيبتلك النهاية وإنت ليك القرار... بلا وجع دماغ!
توقف برهة قبل أن يغادر يطالعها بنظرة غامضة مردفا بس الحق يتجال أنا نفسي مستغرب شوقي اللي جد فجأة لمزيونة بعد سنين كتير كنت مدفي فيهم سايبها ومش شايفها أصلا رغم إني متجوزها وأنا ميت عليها من الأساس. طب إيه اللي كان عامي عنيا تفتكري... يكونش كان مسحورلي!
صفعها بالأخيرة لتبرق عيناها نحوه وكأنه وجه اتهاما مباشرا إليها. عيناه تناظرانها بتحد في انتظار نفي أو تكذيب يضحض كل ظنونه. ولكن للأسف ذلك الهلع الذي ارتسم جليا على ملامحها ضاعف من الشكوك داخله. لينتفض في الأخير تاركا إياها وتسقط هي بثقلها جالسة على الأرض الرخامية وقد خارت قواها ولم تعد قدماها تساعدانها على الوقوف.
بتجول إيه عرفان مين دا اللي يردها من تاني إنت واعي للكلام اللي بتجوله من أساسه
هتف بها بغضب أخرق نزع عنه صفة الحرص التي يتبعها دائما والرزانة في تحليل أمر من المفترض ألا يخصه بعد سماع حديث وصفي والذي عقب هو الآخر ببعض العتب
وه خبر إيه يا حمزة يعني هكون شارب مثلا ولا متعاطي أنا بجولك على اللي حصل عرفان لم الرجالة يشهدهم ويخرصني ويخرص أي حد بكلامه المترتب الراجل جه وراصصهم دي مزيونة اللي كانت هتهب فيه في أول الكلام هي نفسها اتبرجلت رغم إني عارف إنها مش بتطيجه لكن متأكد برضه إن لأجل مصلحة بتها ممكن ترمي نفسها في النار.
ارتجف قلبه من الداخل أيعقل أنها بالفعل تفكر في العودة أن تكون قد بلعت الطعم من هذا الماكر اللعنة الآن قد يجزم أن عاطفتها القوية نحو ابنتها قد تقودها للهلاك.
طب أنا عايز أعرف دلوك هي وافجت ولا لسه بتفكر وعندها نية... للموافقة
وجه سؤاله بحسم نحو وصفي والذي أجابه بتشتت هو الآخر
بصراحة معرفش لأنها ساكتة وبتفكر من يومها مسكينة الحيرة واكلاها ما بين مصلحة بتها والعيشة مع واحد كارهاه بقالها سنين.
انتفض حمزة ناهضا من جواره بثبات يحسد عليه رغم العواصف التي تضربه من الداخل توشك أن تجعله يخر راكعا من أجلها حتى لا تفعلها وتقضي عليها وعليه ولكن ما الفائدة والآخر يملك الكارت الذهبي... وهو ابنتها. أما هو فماذا
رايح فين ما إنت جتعد
تحمحم يجيب وصفي بنبرة عادية أتقنها
ورايا مشوار مهم للمديرية في قنا عايز أخلصه بدري بس قبله هروح أطل على الرجالة والشغل عشان أروح ولدي كمان أسيبك إنت ترتاح ونتلاجي العشية إن شاء الله عن إذنك بجى.
أما عنها وقد كانت تتابع الصغير في هذا الوقت ومشاكسته مع ابنتها التي غمرها الفرح بوجود من يؤنس وحدتها اليوم. لطالما تمنت أن تنجب أشقاء لها بعيدا عن أولاد صفا التي تكرهها وكرهت الأطفال بها.
طفلتها
الوحيدة التي تحارب الدنيا بمن فيها من أجلها تقتلها الحيرة منذ أيام من أجلها أيضا. عرفان الذي قدم عرضه فاتحا صفحة جديدة أمامها لمستقبل ابنتها التي تتمنى رفعتها ولو على حساب كرامتها وعمرها أيضا ولكن...
عادت تشرد في حديثه تستعيد كل حرف دار في تلك الجلسة حينما صرخت به
يعني إيه القانون في صفك هو إنت تعمل ما بدالك وتقول إن القانون في صفك! أنت من ساعة ما طلجتني أديلنا شهور سألت ولا حتى شوفت اللي ناجصها رغم إنك عارف تعليمها ومصاريفها اللي بالآلفات دلوك افتكرت إنها بتك هو إنت كنت أب ليها وأنا على ذمتك عشان تبجى وأنا مطلجة منك
كان انفعالها يبلغ أقصاه هذا المتبجح يساومها على ابنتها وكأنه يقتلها بدم بارد
ليظل على صمته وهدوئه متابعا همهمات الرجال ومحاولاتهم تهدئتها
اهدي يا خيتي ليجرالك حاجة بتك ملهاش غيرك زي ما جولتي.
اسمعي كلام أخوكي يا مزيونة العصبية الشديدة دي غلط عليكي يا بتي.
يعني إنت عاجبك يا شيخ خميس إنه جاي يستغل موجف زي ده وحاجة مش في يدي عاجبك يا عم جاد عاجبك يا أستاذ نعيم
في هذه اللحظة تحدث عرفان يصدم الجميع بكلماته
أنا مش جاي أستغل ولا أنبك أنا جاي أتصرف بناء على اللي تم وحصل أب وخايف على بته يا ناس. زي ما إنتي جلبك طاوعك تطلعي السلاح على ابن الفرطوس اللي كان جاي يتهجم على البيت أنا كمان جلبي واكلني من ساعة ما عرفت وأنا لا على حامي ولا على بارد مكتش سائل في البت عندك حق. اعتبريني كنت غفلان ولا معمي بغضبي منك. لكن دلوك لاه بعد اللي حصل لاه بتي لازم تبات يا مزيونة أنا مش هستنى لما تحصل مصيبة.
توقف برهة عن متابعة خطبته العصماء يراقب رد فعلها والهلع الذي غامت به ملامحها صدرها الذي يصعد ويهبط بتسارع يثير تسليته ليردف بعرضه ولهجة ناعمة ورزينة لا تليق به
عشان أختصر عليكي وعليا يا بت الناس أنا جايب الرجالة دلوك أشهدهم جدامك بنتي هدخلها أعلى الكليات وكل اللي تعوزه من مصاريف لمدرستها أو لدروسها عليا لا هجوزها صغيرة ولا هجبرها على أي حاجة مش عجباها. بس إيه بجى وهي في حضني بين أبوها وأمها... أنا كنت جوزك وهفضل أبو بتك يا مزيونة وإن كان تم طلاج ما بينا فسهل جوي نرجع من تاني إحنا مش أول ولا أخر ناس وليكي عليا إثبات لحسن النية مهر جديد وشبكة جديدة وحساب في البنك تضمني بيه تعليم بتك من بكرة حتى لو أنا رجعت في كلامي. إيه رأيك بجى أنا كده عداني العيب يا جماعة.
عادت من شرودها تنفض رأسها من تلك الأفكار التي تحتلها تريد الراحة والوصول لقرار سليم تضع مصلحة ابنتها قبل كل شيء. لقد احتملت التهميش والذل لعدد من السنوات في منزله من أجلها ولكن الأمر هذه المرة يخالف كل ما سبق هذه المرة يريدها بالفعل ترى الرغبة في عينيه بوضوح.
قبل ذلك كان المرض حجتها كما أن صفا لم تقصر في إبعاده بكل الطرق وهذا ما كان يريحها رغم بغضها لأفعالها.
أما الآن وقد وعت على غرضه الأساسي من عودتها إليه كيف لها أن تحتمل معاشرة رجل مثله رجل تقوده غرائزه ولا يعرف معنى الرحمة في ذلك إذن ماذا تفعل وهي مخيرة بين مستقبل ابنتها وبين دفن نفسها مع رجل تكرهه وإن صممت على رأيها لن يتوقف عن تهديدها
وربما اتخذ حجة البيت القديم ذريعة أمام المحكمة ليضم صغيرتها إليه
اللعنة إن حدث ذلك!
استفاقت من شرودها على صوت حمحمة رجالية خشنة أصبحت تعلم صاحبها حتى قبل أن يصدر صوته
واد يا ريان.
سمع الصغير صوت والده فانطلق على الفور كي يتلاقاه عند مدخل المنزل
أيوة يا بوي أنا جيت أها.
استنى يا ريااا...
قطعت بخجل حينما انفتح الباب فجأة وظهرت بشعرها المنطلق أمام عينيه المتفرسة قبل أن ترمي عليه طرحتها مما أثار في قلبه مرحا أخفاه في ضيق زائف يوبخ ابنه بلطمة خفيفة على رأسه من الخلف
مش تخلي عندك ذوق يا حمار دي عمايل رجالة ياض
خرجت إليه وقد أحكمت حجاب رأسها تدافع عن الصغير
لاه عاد ريان عسل متجولش عليه حمار. بس هو المرة الجاية هياخد باله وميفتحش غير لما يطمن إن الحريم مغطين راسهم صح يا ريان
أومأ الأخير بطاعة
صح يا خالة مزيونة.
على قدر سعادته بقولها وبعلاقة الحب السريعة بينها وبين طفله على قدر خوفه من تبخر أحلامه في الهواء حتى عبر عما يعتريه من توجس مرددا
يعني إنتي واثقة إنه هيكون في مرة جاية ولا هو كلام مرسل وفي يوم وليلة نتفاجئ إن البيت رجع مهجور من تاني
ذوتت ما بين حاجبيها قليلا بتساؤل جعله يردف موضحا
أنا كت مع وصفي من شوية وعرفت منه عن عرض عرفان اللي عايز يردك ليه من تاني.
أومأت صامتة بحرج شديد غير قادرة على مواجهة عينيه لتضاعف من ظنونه والهواجس التي تكتسحها.
أم ليلى أنا بسألك على فكرة... هو إنت صح ناوية ترجعي للراجل ده
أيضا لم تجبه أو هي بالأصح تبحث عن إجابة. ثقل ما تشعر به الآن أمام هذا الرجل كحمل الأحجار فوق الصدر ولماذا معه هو فقط تكتنفها تلك المشاعر لا تعلم. ليته ما عرف.
آآآ...
حاولت إجلاء صوتها والسيطرة على توترها لتردف وهي تجمع الكلمات بصعوبة
أنا لسه بفكر وأشوف يعني اللي فيه المصلحة ليا أنا وبتي.
مصلحة إيه وهو في أصلا مصلحة مع الراجل العفش ده عرفان ده اللي...
توقفت الكلمات في حلقه فور أن وقعت عينيه على ليلى التي وقفت بالقرب تتابعهم وحيرة رسمت الهم بوضوح على ملامحها البريئة. إن استمر وأخرج ما بصدره سيصبح أمام نفسه رجلا ندلا لذلك لم يجد أمامه سوى الانسحاب يجر أقدامه بصعوبة يتظاهر بالقوة وداخله على وشك الوقوع بلمسة. كيف السبيل أمام هذا الأمر الجلل
في منزل حماد القناوي
وقد استبد الفضول بهالة وهي تراقب عبر الشرفة الأمامية لمدخل المنزل الجلسة التي تجمع حسنية بابنتها المميزة منى ومعاذ في ركن ما من الحديقة.
يجتاحها الشك بأن أمرا ما يدبر خلف ظهرها وهذا التكتم يجعلها على وشك الجنون. حاولت عدة مرات استدراج حسنية ولكن الأخيرة كانت تتحفها بردود عادية لا تصدقها. حتى حينما تفرض نفسها وتجلس معهم يتوقف الحديث وينهض معاذ بجلافة واضحة حتى يحرجها ومنى تلك المتلونة التي تتلاعب بالكلمات كي تزيد من جنونها. ولكن إلى متى لا بد أن تعرف ستموت قهرا إن لم تصل إلى الحقيقة في أقرب وقت. إذا لن تتوقف عن المحاولة حتى لو وصلت لقراءة حركة الشفاه كما تفعل الآن بتركيز تام حتى حينما وصل إلى مسامعها صوت من يناديها
هالة
أمم
تعالي شوفي بتك دي يا ست البرنسيسة هاااله!
جاءت الأخيرة دفعة تفيقها من شرودها لتفاجأ بزوجها يلقي بكراسة الأنشطة المدرسية أمام عينيها فوق سطح سور الشرفة مردفا كازا على أسنانه
اتفضلي يا مدام كراسة البت. حلي معاها الواجب وذاكريلها بدل ما إنتي جاعدة متنحة في خلق الله...
خبر إيه
انتفضت بخوف من هيئته لتتناول الكراسة وتحتضنها وتجذب يد ابنتها منه
حاضر يا خليفة ما هي ما جتش ولا جالتلي.
وهي لا جياكي عشان تجولك ولا إنتي أصلا فاضيالها عشان تعسي وتشوفي بنفسك مذاكرتها ومذاكرة إخواتها دي بطت حاجة تخنق!
أنهى توبيخه والتف مغادرا دون انتظار تبرير منها وكأنه قد سئم وحفظ كل الحجج التي تأتي بها لتزفر في أثره بضيق ثم تتحرك ساحبة ابنتها بعنف
تعالي يا آخرة صبري ما أنا عارفة إن الشجا معاكم ما بيخلصش أبدا... تعالي يا بت.
اقتربت بها إلى أحد المقاعد لتجلسها أمامها وتبدأ مساعدتها في حل المسائل. اندمجت معها لبعض الوقت حتى انتبهت إلى قدوم حمزة ابن عمها وولده مترجلين من السيارة فنهضت لاستقبال الطفل في حين غير والده طريقه متجها إلى الطاولة التي تضم والدته وشقيقيه ليشاركهم الحديث السري على ما يبدو أمام ناظريها.
رياااان حبيب عمتو هالة! عانقت الطفل وقبلته عدة مرات على وجنتيه رغم خجله منها ثم سحبته معها حتى أجلسته بجوار ابنتها لتبدأ في استدراجه
هااا
في بيت أبوك اللي بيبنيه حلو زي بيتنا كده ولا عفش بحماس طفولي أجابها ريان
طبعا حلو جوي أمال إيه ووااااسع وحواليه سور كبير الرجالة خلصوا نصه في البنا!
سور كبير وواسع على العموم مهما كبر مش هيبقى زي بيتنا ده... ده بيت العيلة! وأنت
متابعة القراءة