الأرملة اشترت أرضًا مهجورة… وعندما زرعت الذرة، اكتشفت شيئًا لم يكن في الحسبان

لمحة نيوز

عندما نزلت تيريزا من الشاحنة وشعرت بتكسر الأرض اليابسة تحت نعليها أدركت أنه لا عودة إلى الوراء. كانت شمس جنوب المكسيك لا ترحم أحدا تهبط كحكم قاس على أسقف الصفيح الصدئة وعلى أشجار المسكيت الملتوية وعلى مجاري السيول التي تحولت إلى جروح من الغبار. كان ذلك في مطلع القرن العشرين في منطقة قاحلة حيث كان الماء أثمن من المال وحيث تقاس الحياة بعدد الدلاء. من يملك بئرا عميقة يعد مباركا ومن لا يملك يتعلم البقاء حيا بالسير كيلومترات وهو يحمل الصفائح على كتفيه داعيا لمطر يتأخر حتى تتحول معه الآمال إلى تراب متشقق.
لم تكن تيريزا تعرف إن كانت قد أتت هربا أم بحثا عن شيء لا اسم له بعد. كل ما كانت تعرفه أنها حين وضعت قدمها الأولى على تلك الأرض القاسية شعرت كأنها تعبر حدا غير مرئي خطا فاصلا بين حياة انتهت وأخرى لم تتشكل بعد. الهواء نفسه كان ثقيلا محملا برائحة الغبار الساخن وكأن الشمس لم تكتف بتجفيف الأرض بل راحت تعصر أنفاس من يعيشون فوقها.
كانت في الثانية والثلاثين من عمرها لكن السنوات الأخيرة علمتها كيف يبدو العمر حين يقاس بالخسارة لا بالزمن. قبل خمسة أشهر فقط كانت زوجة لرجل يدعى يوسف فلاحا بسيطا لا يعرف من العالم إلا

أرضه وسماءه ثم في ثلاثة أيام سرقته الحمى كما تسرق الأشياء من البيوت المفتوحة. لم يترك لها وصية ولا كلمات أخيرة فقط جسدا باردا ونظرات شفقة من الجيران وابنتين صغيرتين لا تفهمان لماذا لم يعد أبوهما.
آمنة كانت في السادسة بعينين واسعتين تلتقطان كل شيء وتخزنان الخوف دون أن تعرفا اسمه. مريم الأصغر لم تتجاوز الثالثة ما زالت تنادي كل رجل بابا قبل أن تتعلم الفقد. ومعهما حملت تيريزا كيسا صغيرا من النقود بقايا سنوات من التوفير لا يكفي للعودة إلى بيت أهلها طويلا ولا يكفي لبدء حياة مريحة في أي مكان آخر.
العودة إلى بيت الأب كانت تعني شيئا واحدا الذوبان. أن تصير ظلا إضافيا في بيت مزدحم امرأة مكسورة يتداول اسمها مقرونا بكلمة مسكينة. وكانت تيريزا رغم كل شيء تكره أن تشفق على نفسها. لذلك حين سمعت عن قطعة أرض مهجورة في أطراف المنطقة أرض لا يريدها أحد لأنها ميتة شعرت بشيء غريب يتحرك داخلها. ليس أملا بل تحديا.
قال لها كاتب العقود وهو يقلب الأوراق بملل
الأرض رخيصة لكن لا أحد يعيش هناك. لا ماء ولا ظل ولا مستقبل.
رفعت رأسها ونظرت إليه بهدوء.
أنا لا أبحث عن مستقبل جاهز.
لم يفهم ما تقصد لكنها وقعت.
البيت الذي وجدته كان أقرب
إلى أطلال. جدران من طين متشقق سقف من صفائح معدنية تصدر أنينا مع كل هبة ريح وباب لا يغلق إلا إذا أسند بحجر. دخلت آمنة أولا خطت بحذر كأنها تخشى أن ينهار المكان تحت قدميها.
هنا سنعيش
سألت بصوت خافت لا يحمل اعتراضا بقدر ما يحمل دهشة.
انحنت تيريزا وربطت صندلها الذي انقطع شريطه ثم قالت
نعم. هنا سنبدأ.
في الليلة الأولى فرشت بطانيتين قديمتين على الأرض وجعلت ابنتيها تنامان متقاربتين كجروين يبحثان عن الدفء. جلست هي قرب الباب تستمع إلى صمت ثقيل لا يقطعه إلا صفير الريح. لأول مرة منذ موت يوسف سمحت لنفسها أن تفكر بوضوح ماذا لو كانت قد أخطأت ماذا لو كانت شجاعتها مجرد تهور
لكن مع الفجر حين تسلل الضوء من الثقوب الصغيرة في السقف نهضت قبل أن تستيقظ الطفلتان. شدت شعرها بقطعة قماش وربطت مريم على ظهرها كما كانت تفعل الأمهات في القرى وأمسكت بمعول صدئ وجدته خلف البيت. لم تكن تعرف من أين تبدأ لكنها بدأت.
عملت طوال النهار. نزعت الأعشاب اليابسة جمعت الحجارة حاولت سد الفجوات في الجدران بالطين. كانت مريم تغفو وتصحو على إيقاع ضربات المعول وآمنة تجمع قطع الخشب الصغيرة وتضعها في كومة للنار كما قالت بفخر. حين غربت الشمس كانت يدا
تيريزا تؤلمانها لدرجة أنها بالكاد استطاعت فتحهما لكن البيت بداولو قليلاأقل عداء.
في الأيام التالية بدأ الناس يمرون. لم يأت أحد ليعرض المساعدة. كانوا يقفون عند مسافة يحدقون يتهامسون.
أرملة وحدها
ومع طفلين
هذه الأرض قتلت رجالا أقوى منها.
كانت تسمع وتتظاهر بأنها لا تسمع.
أقرب بئر كانت على بعد نصف ساعة سيرا. كل صباح تحمل صفحتين معدنيتين واحدة على كل كتف وتسير تحت الشمس. آمنة تصر على مرافقتها تحمل صفيحة صغيرة تكاد تكون فارغة لكنها تبتسم طوال الطريق.
أنا أساعدك صح
طبعا يا بطلتي.
زرعت تيريزا ما استطاعت ذرة فاصولياء قرع. أنفقت آخر ما معها على البذور. حفرت حفرا صغيرة ودفنت الأمل معها وسقتها بعرقها. انتظرت. مرت أيام ثم أسابيع. خرجت براعم ضعيفة صفراء كأنها تخجل من نفسها ثم ماتت واحدة تلو الأخرى.
في الليل كانت تركع قرب فراش الطفلتين تضع يدها على صدريهما الصغيرين وتهمس
يا رب أنا لا أطلب الغنى. فقط لا تجعلني أندم أمامهما.
وذات مساء بينما كانت تجلس أمام البيت جاءتها امرأة كبيرة في السن ظهرها مقوس ووجهها محفور بالتجاعيد. نظرت حولها ثم قالت بلا مقدمات
اسمك تيريزا صح
نعم.
أنا فاطمة. كنت أعرف صاحب الأرض السابق. رجل
قوي. رحل لأنه لم يحتملها.
سكتت لحظة ثم
تم نسخ الرابط